loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

المختارة

breakLine

 

إستبرق أحمد - كاتبة كويتية

 

يُحدق بالمنارة الواجمة بأمتارها الخمسة.
أبصرها لسانٌ كريهٌ، ركض ناحيتها، حانقاً، مشمئزاً، تلفُّهُ صيحاتُ الريح وصل، دلف مُتعرقاً، وقف أمام الزر،ضغطه، أخفى عين الطريق، وعاد.
في بيته المُنكمش، تقلّب كثيراً في سريره، في حلمه المنارة تتضاءل، تضيقُ، تصغُرُ، تختفي. يسطعُ ضوءٌ في مكانها.ترتسمُ هيئةٌ بانحناءاتٍ سخيّةٍ، رشقت قلبه بامرأة تسعى إليه بسرعة أخافته. صحا مذعوراً،أطلّ من النافذة، وجد ليلاً يُشبهه، تائهاً وأعزل.
استيقظ متأخراً، استطلع النهار دائخاً، طرقع فقرات ظهره،منذ...ماعاد مفرودا.
متأملاً مبناها،على امتداد ظل الظهيرة الطويل، التقت نهاية قمتها بالشاطئ، أبصره هناك، عرك عينيه، تأكد وجود قارب، أمسك عدَّته الخاصة، انطلق.
حدَّق بصندوق أسطواني محكم الإغلاق، وجد وجهه ينعكس ويستطيل، أخذ نفساً عميقاً، بدأ يفك ببطء، حرَّره أخيراً، أزاح الغطاء، تراجع بعد أن وثبت خارجه أصابع قدم خضراء، وجد امرأة عارية، صلعاء، عيونها مفتوحة، مرعوبة، تمدُّ ذراعيْها إليه، تتوسله كأنها تبتهل لإله.
تذكر التعليمات، جذبها.
سنة باهتة إلَّا منهن
امتلأ الشاطئُ بألوانٍ مُتعددةٍ، ووضعياتٍ بعضها كاماسوترية، مرتدياً بذلة "الحمايةالقصوى"، فكَّ تشابكها، تاركاً بعضها:
مُنكفئة على وجهها، مُنبطحة بطولها الهائل، مُتكورة كجنين، ساجدة، ترفع ساقاً، وتحني أخرى، أودون قدمين.
جميعهنَّ:صلعاوات، بعيون مُغلقة، بلا أسنان ولا ألسنة.
**
يعرف جزيرته العسكرية، ضئيلة، مقفرة، يهديه مرور البواخر ووقوفها نائية، اندفاع أمواج الصمت والمفاجآت.
ارتاع بالبداية، لم يتوقع هذه الأعداد الكثيفة، شكَّ بحدوث مواجهةٍ لم يخبروه عنها.
خاطب القيادة المركزية:
-سيدي الدُّمى الـ...
_ارتديت بذلة الحماية؟
_ نعم، و...
أكمل الصوت آمراً:
ادفنهن.
لاحظ وفود المزيد، عرف أنَّ لهنَّ تقسيماتِهنَّ اللونية، وأنَّ بعضها يتكرر أكثر، أما الأصفر والأزرق الفاتح فلم يجدْهما، لونان تحبهما حبيبتُهُ، ويقترب حثيثاً من كراهيتهما، فقد بات لايطيق بذلة الحماية الصفراء، التي تؤخره أسابيع للعودة، ولا سيارة أخيها "البيتوتي"الزرقاء، التي تمنعه من رؤيتها.
أثارته وضعياتهنَّ بلغزها، متسائلاً عن لون المُختارة.
مضى يُلاحظ ازديادهنَّ مع علو تهديدات الحرب، هكذا باتت زيارتُهُ لأهلِهِتتباعد، واتصالات حبيبته تقل.
وترقبهن...
**
ثم توقف كلُّ شيءتماماً.
الآن
وضع يدَهُ على ظهرِها، رفعها من القارب، مشى بها مُتجهاً إلى غرفته.
أنزلها في حوض الاستحمام، فتح الماء الساخن، دعكجسدها من اللون الوحيد الذي أتى أخيراً، ذلك الأخضر الداكن. ينظف بالمنشفة، يمسح بهدوءٍ وقوةٍ، ملاحظاً أنها أكثر امتلاء منهن، يضغط، يدلّك، يفرك، شاهد أياديَ مُختلفةً تمسكها بعدائيةٍ.
يزيل، يكشط، يمسح، يراها تتنقل بين العديد من المقرات، المختبرات، العذابات لتصل إلى جزيرته المحايدة، أرض مهادنة لاتقبل الانحياز، وتُقيّدها المعاهدات.
يرتسم مشهدُهُمنذ أسبوع في اتصال معالقائد:
- بدأن بالظهور سيدي.
- اتبع التعليمات بدقةٍ.
- هنَّ بألوان فاقعة سيدي.
- قاطعه: أُبلغنا، اللعنة على السفن المُخالفة.
ليُكمل الصوت الآمر:
- اطمرهنَّ عميقاً أكثر.
وعرف، أدرك، فهم.
السفن: مختبرات عائمة، كلما استنفدت بضاعتها بالتجارب ألقتها في البحر، بموجباتفاقيةٍ مع بلدِهِ.
الألوان: تحذير يحدد نوع الفايروس.
الدمى: قيل إنهن...وأراد أن يتأكد.
ماذا عن وضعياتهن الكاماسوترية؟
ظلَّ السؤالُ يجمع في رأسه ديداناً متوحشة مليئة بالتفسيرات...
**
أخبر حبيبته ذات خطأ عما يحدث، أو ربما ذات أمل باهتمام به، عن مواقيت المنارة المطفأة علامة للتخلُّص منهنَّ، عن تقنية مزروعة في أجسادهنَّ تجرُّهنَّ إلى الجزيرة، ليصلن في اليوم التالي، باتت تُلاحقه بأسئلةٍ كثيفةٍ.
لائذاً بداخله، تكبر ثمرة ليمون الحقائق حامضة ومُتعفنة، تنز الروائح اللاذعة، عن جزيرة منسية، تطمر زحف الحكايات.ألحّت حبيبته، قالت إنها ماعادت تطيقه منذ أطبق فمه، هددته بتسريب أخباره.
اتصل قائدُهُ مُثنياً على جهودِهِ مع احتمالية إرسال من يساعده، مؤكداً:
نعرفك، نثق بك.
في عطلته الأخيرة لم يعثر عليها، ولا على سيارة أخيها الزرقاء المقيتة.قيل إن البيت خمد في الظلام بعد صرخاتٍ علت ذات مساءٍ.
**
تغمرُهُ صورٌ مشوّشة عن وجوده ببذلة الحماية القصوى أمام منزلها، عن طرقاته، عن كُمِّ قميصها الأصفر في محاولاتها إغلاق الباب، عن زرقة وجه أخيها بضوء التلفازفي الطابق الثاني، والتفاتته البطيئة وهو يعضُّ ثمرة مانجو.
تناوشه مشاهد عن جسدها المُكتنز، وجهها الأزرق المُختنق، وفم أخيها ولعاب أصفر يسيل.
وفحيح صوت قائده في خلفية الأحلام:
نثق بك، ادفن.
**
في آخر ليالي الحمى العصيبة،  قرَّر...
أخرجهنَّ جميعاً، أو ربما بعضهنَّ، عارفاً بمناعتهن عن التفسخ، مقاومة جعلتهن ينتزعن لقب الدمى، اعتنى بوضعياتهن وجهزهن.
وأنتظر درّة المجموعة و...
بان ذلك القارب، ظهرت بلون أخضر داكن، هي الأشد خطورة، قنبلة الفيروسات الفتاكة، جارّة معها لقبها الأنصع.
اعتنى بتنظيفها، نام بجانبها يحكي ويعتذر دامعاً.
على مدى أيام، رتب تلّة على رمل الشاطئ.
تأكد من هشاشته.
تجاهل اتصالاتِ قائدِهِ، أغلق الهاتف، جلس على القمة عارياً، وضعها بحضنه، بدت هلعة، ترفع يدها، كأنها تدفع عنهما ما سيصيبهما.
تيقن، لم يؤذِ أحداً.
هكذا كنّ بظهر مستقيم، غاضباتٍ، منبوذاتٍ، كارهاتٍ، حانقاتٍ، يواجهن البحر بأذرعٍ ممدودةٍ، وأيدٍ تشير للسفن البعيدة القاسية بحركةٍ بذيئةٍ، يصرخن بقوة،بينما قادماً حثيثاً قارب عسكري، على سطحه جنود يرتدون بذلة صفراء، وأسلحة معبأة بالذخيرة، يحيطون صندوقاً أزرق بداخله المختارة.