loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

الهواء

breakLine

 

الهواء

خليل الرز / روائي سوري

 

كان العجوز ينظر إلى مقعد فارغ أمامه ويبتسم له من شّدة الضجر. ظهرت امرأة نحيفة في الأربعين من باب عنبر النساء، فالتفتَ إليها وابتسم لها الابتسامة نفسها. ما كانت تستطيع طبعاً رؤية ابتسامته الكليلة فقد كان جالساً في آخر الكوريدورعلى مقعد خشبي قريب من غرفة الممرضات. ثم لم ترَ ابتسامته حتى عندما اقتربت منه وجلست على المقعد المقابل. كانت مشغولة بضفر مزهريةٍ بأعواد قصب رفيعة وطرية. ظلّ العجوز متمسّكاً بابتسامته المُهَلْهلة المهملة. الابتسامة أفضل من التثاؤب، فكّر. ثم لم ينتظر طويلاً حتى منح ابتسامته الجاهزة لامرأة بثوب مورّد خرجت من عنبر مجاور، وجلستْ إلى جوار المرأة النحيفة. انشغل بورود ثوبها، فلم يلاحظ وجهها المضطرب.
ـ يقول الطبيب إن ابني يتحسن. قالت المرأة ذات الثوب المورد.
ـ سيتحسن أكثر لو سمحتِ لي بقصّ بعض الحكايات عليه. الحكايات تنشط الدم وتساعد على الهضم. ردّت النحيفة.​
ـ وداوني بالتي كانت هي الداء. قال الرجل العجوز مؤكداً، على طريقته، كلامَ النحيفة للمرأة ذات الثوب المورّد.
​لم تعلّق المرأة ذات الثوب المورد، فقد تذكرت، كأنما، شيئاً فاتها أن تفعله. نهضت من على مقعدها وسارعت الى طاولة الممرضة. رفعت سماعة التلفون، تلبّثت كفّها فوق قرص الهاتف قليلاً، ثم وجدت سبّابتها تطلب رقم بيتها بلهفة واستعجال. كانت تعرف أن أحداً لن يرفع السماعة، فقد أقفلت الباب بيدها دون أن تترك أحداً هناك. مع ذلك انتظرت وهي تسمع بقلق ونفاد صبر رنين التلفون من السماعة. ثم أقفلت الخط، ورفعت السماعة من جديد. أدارت القرص على النمرة ذاتها، وانتظرت مرة اخرى. ومرةً أخرى لم يرد أحد على التلفون.
​طبقت السماعة ثم عادت إلى مكانها كما لو أنها مكدرة المزاج.
​قال العجوز وكأنه يغير موضوع الحديث مع النحيفة: ـ الذي يأكل العصي ليس كمن يعدّها.
​احمرّت النحيفة وقالت: ـ ومن يأكل العصي في حديثنا؟
​قهقه العجوز وقال: ـ يتهمونني دائما بأنني أقول الأمثال في غير محلها.. وهم غالباً على حق.
​قالت النحيفة: ـ وهل تحفظ أمثالا كثيرة ؟
​قال: ـ جداً.
​قالت: ـ ولا تعرف متى تستخدمها؟
​قال: ـ من كثرة ما أحفظ منها تذهب عن بالي كلها عندما أحتاج اليها، فأقول أول مثل يخطر برأس لساني طالما نويت المشاركة بالحديث.
​قالت: ـ بإمكانك أن تشارك بالحديث دون أن تقول شيئاً.
​قال: ـ كيف؟!
​قالت: ـ قل بقلبك كل ماتريد أن تقوله.​
​قال: ـ أطق .
​قالت: ـ إذا قلت وأنت ساكت لا تطق ، فأنا مثلا أحب السفر كثيراً، فأسافر وأنا جالسة.
​قال: ـ وتسافرين بالطائرة؟!
​قالت: ـ أحب القطار، فمن نوافذه ترى الجبال، والوديان، والحقول، وتمر بمدن كثيرة، وتتوقف في محطاتها، وتشتري الصندويش..
​قال: ـ وأنت جالسة؟!
​قالت: ـ وأنا جالسة.
​قال: ـ هل ركبت قطارا في حياتك؟؟
​قالت: ـ رأيت قطارات كثيرة في المحطة وفي التلفزيون.
​قال: ـ تذهبين الى المحطة لكي تري القطارات؟!
​قالت: ـ أحب شبابيكها فأذهب لكي ألمسها. لقد لمست بيدي هذه التي تراها شبابيك قطارات كثيرة. مرة واحدة دخلت الى قلب القطار وجلست في أول كابينة على اليمين تماماً عند النافذة. المودعون من خلف زجاج القطار لذيذون. الزجاج نفسه لذيذ، أذكر أنني مسحت الزجاج براحة كفي مع أنه كان نظيفاً جداً. ثم جاءني البكاء وأنا أودّع بيدي امرأة لا أعرفها كانت واقفة على الرصيف تلوّح لي، ولكن رجلاً سميناً قطع علي بكائي، وطلب مني أن أقوم من محله. فقمت، ونزلت من القطار بسرعة..الشباّك من قلب القطار أحلى. إن كل شيء يُشهّيك في المحطة على السفر، لكنني لا أحسد المسافرين، لأنني أسافر معهم كثيراً، وأتعرف على الناس..
​قاطعها: ـ أي ناس؟!!
​قالت: ـ الذين في المدن التي أزورها، حيث أشتري الأغراض التي تلزمني، وأتجول قبل المغيب في الحدائق فأنا بحاجة للهواء النقي كما تعرف. وعندما أعود أكون متعبة جدا، فأقوم من مقعدي، وأذهب سعيدة الى فراشي.
​قال: ـ والأغراض التي اشتريتها؟!
​قالت: ـ مابها؟
​قال: ـ أين تكون؟!
​قالت: ـ وماحاجتي للأغراض إذا كنت سأنام.
​قال: ـ تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
​قالت: ـ الرياح في القصص يجب أن تعاكس السفن لأنها إذا سايرتْ السفن لا يعود للحكاية أي معنى. أنا أحب البحر والسفن والقباطنة وحتى القراصنة. إن أكثر الحكايات التي أقصّها على أولادي تجري أحداثها في البحر لأنك لا تستطيع مهما فعلت أن تمتنع عن معاشرة عرائس البحر. هل رأيت عروس بحر في حياتك؟ أنا رأيت، لقد رأيتها كما أراك الآن، ولكن لا أدري أين. المهم أنني رأيتها وأن أولادي يرونها معي في حكاياتي. أولادي يحبون الحكايات. في الشتاء أجعل بطل الحكاية يرتدي كنزة سميكة وقبعة صوفية ولفحة دافئة لكي لا يتأثر بعواصف البحر، وفي الصيف أجعله يرتدي تيشورتاً خفيفاً وبنطلوناً قصيراً. وفي بعض الأحيان أجعله يسقط في حضني عندما تزلّ قدمه من شجرة التين على ظهر السفينة، وأحياناً..
​قاطعها: ـ ويصدقونك؟
​قالت: ـ ولماذا يصدقونني، أنا لا أكذب عليهم أبداً.
​قال: ـ وشجرة التين؟ ماذا تفعل على ظهر السفينة؟
​تعجّبت النحيفة وقالت: ـ هذا ليس كذباً، هذا حكاية. الكذب يكون في الحقيقة أما في الحكاية فلا يكذبون.
​قال: ـ يعني تضحكون على بعضكم.
​احتارت كيف تشرح له ، قالت : ـ هل تستطيع أن تصدّقني دون أن تفكر بالحقيقة؟
​قال: ـ سأحاول.
​قالت: ـ نحن لا نضحك على بعضنا.
​جمع تقاسيم وجهه حول عينيه كمن يبتلع حبة أسبرين مفروطة، ثم قال:ـ وكم طفلاً لديك؟
​قالت: ـ عشرون ، أحد عشر صبياً ، وتسع بنات.
​قال: ـ ولدت كل هؤلاء لوحدك؟!
​قالت: ـ أنا عزباء.
​قال: ـ عزباء؟! سبحان الله!!
​قالت: ـ أنا مربية في روضة أطفال، وقد أتزوج من يدري؟ أكيد سوف أتزوج.
​قال: ـ إن شاء الله.
​قالت: ـ سأتزوج حتماً.
​قال: ـ عندك خطيب؟
​قالت: ـ لا ، ولكني سوف أتزوج من كل بد رغم أنني مريضة كما تعرف. أنا أعرف زوجات مريضات عند أزواج أصحاء، يعني ليس ضرورياً أن تكون المرأة مكمّلة من كل شيء، المهم أن يكون هو معافى ويحب الأولاد.
​قال: ـ ويخلق من الشبه أربعين.
​قالت: ـ هل أذكّرك بأحد؟
​قال: ـ لا، ولكن أكيد هناك نساء مثلك، كل انسان له أمثاله، يجوز من غير مِلَّته، ربما يكون أمثالك في كل البلدان.
​قالت: ـ جائز ، وربما مريضات مثلي بالربو.
​قال: ـ لا ، هذا صعب.
​قالت: ـ وربما مربيات أطفال مثلي أيضاً.
​قال: ـ لا ، هذا مستحيل.
​قالت: ـ ما الذي تخسره أنت اذا كنّ جميعا مثلي؟
​قال: ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.
​ثم قام.
​قالت وقد شردت في نقطة قريبة من حذائها: ـ حان وقت زواجي ولم يخطبني أحد.
​قالت المرأة ذات الثوب المورد: ـ المهم أنك تنتظرينه.
​قالت النحيفة: ـ كل امرأة تتزوج .. هذا رأيي ..
​ثم التفتت الى محدثتها وأكّدت: ـ ينبغي أن أحب الرجل الذي سوف أتزوجه.
​قالت ذات الثوب المورد: ـ ليس مهما أن تحبيه، المهم ألاّ تكرهيه.
​ قالت النحيفة: ـ أنا لا أكره أحداً، فهل أتزوج أول من يطرق بابي؟؟
​قالت ذات الثوب المورد بهدوء من يرى المستقبل في فنجان قهوة: ـ تزوجيه!
​قالت النحيفة: ـ في هذه الحال سأحبه بعد الزواج أليس كذلك؟
​قالت ذات الثوب المورد: ـ المهم ألاّ تكرهيه.
​قالت النحيفة وقد اختنق صوتها: ـ أكيد سأحبه ، من كل بد، من كل بد ...
​ثم انحبس الهواء في صدرها وحاولت جاهدة أن تنتزع زجاجة حبوبها البيضاء الصغيرة من جيبها، وإذ لم تستطع فكّرتْ فوراً بأن الإنسان المريض بالربو لا يفلح أحياناً بانتزاع حبتين صغيرتين تسلّكان الهواء إلى رئتيه المسدودتين. الهواءَ الهواءَ! احتقن وجهها دون أن تقصد وفتحت فمها إلى أقصاه وقد شخصت عيناها المحمرّتان الآملتان رغم كل شيء، فالانسان بالنهاية لا يولد مع اسطوانة أوكسجين، ثم ليس كل الناس يعرفون كيف يستخدمون الهواء، هي مثلاً لا تعرف كيف تستخدمه عندما تختنق، والإنسان عموماً لا يعرف كل شيء، هذا العجوز على سبيل المثال لا يعرف كيف ومتى يستخدم أمثاله الكثيرة، وهي بالمقابل لا تعرف كيف تستعمل الهواء، وكل إنسان يخطىء، حتى الأحجار تخطىء، والأشجار تخطىء، والذي لا يخطىء شيء لا وجود له، وهي تريد أن تخطئ من كل قلبها لكي تكون موجودة كالأحجار وكالأشجار، إذاً ما الذي يمنعها فعلاً من أن تختنق في بعض الأحيان؟
​قالت ذات الثوب المورد: ـ هل أستدعي الممرضة؟
​رفّ لسان النحيفة بكلام حار مبهم، وقد حاولت أن تبتسم بفمها المفتوح إلى الآخر فيما انهملت دموعها وهي لا تعرف ما الذي اضطرها إلى البكاء. لكن ماالمشكلة؟ ماالمشكلة؟ الأحجار نفسها والأشجار بذاتها تبكي أحياناً، أما الانسان إذا كان موجوداً مثلها فيستطيع أن يبكي بلا سبب ويختنق في الوقت نفسه تماماً كما تفعل هي الآن ...
سارعت الممرضات إلى النحيفة وحملنها إلى سريرها بجوار أسطوانة الأوكسجين. التقط العجوز مزهرية القصب غير المكتملة التي سقطت من حضن النحيفة إلى الأرض. لم يخطر بباله هذه المرّة أيضاً أي مثل مناسب من أمثاله الكثيرة، بينما اتجهتْ المرأة ذات الثوب المورد إلى طاولة الممرضة، أدارتْ بلهفة واستعجال قرصَ التلفون على رقم بيتها، وانتظرتْ ...

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي