loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

أرجيريا 1

breakLine

 

 

عواطف محجوب  - قاصة تونسية

 

فان غوخ ليس وحده من يكره لعب الظل والضوء
وقف أمام النافذة يتأمل المنظر الذي يقابله. كل شيء في الخارج يبدو على غير طبيعته، أشعة الشمس فضية  لامعة كمعدن بارد،الأشجار زرقاء والعشب تحتها استحال ليلكيّ اللّون، وفي نقطة الأفق البعيد تجمعت غمامة خضراء مظلمة تبتلع شّحوب السماء وقد اتشحت الأصفر. أنساق الألم أخرجته من شروده بينما أظافره تكشط أماكن الالتهابات التي تغزو جلده حتى أدمتها، وذكّرته أنه لم يتناول دواءه. انسحب من مكانه متأوها، وضع قرصين على لسانه، وأبعد قضبان الفضّة الموصولة إلى بطّارية عن الإناء . تردّد في  تجرّع الماء منه اذ تذكّر جاره ينظر إليه في استغراب حين اعترضه في الدّرج وسأله ان كان بخير أم أنه فقط يموّه بملامحه؟. كان يدرك أنّ هناك مضاعفات خطيرة لهذا الافراط في شرب ماء الفضّة بالرّغم من أنّه لم يشعر بأيّ من أعراضها، لربّما أحدها هذا الجنون الذّي يجعل همهمات مجهولة تتسرّب إلى مسامعه، من يدري؟. اشتدّ الألم، سرى كاللّهب في جلده فحفّزّه على عبّ ما في الإناء بنفس واحد. مصمص شفتيه وفرد كتابا أمام وجهه يلتهم صفحاته بنهم.
قطع صمته الرّتيب رنين ملحّ لا ينقطع، جعله يرفع رأسه عن الكتاب ويمسح بنظراته المكان فإذا به يضيق مرة وتتسع مساحته مرة أخرى، اكتست حوائطه لونا أزرق يميل إلى السّواد وبين الفينة والأخرى تلمع منه نجوم فضية، لمَ يبدو كلّ شيء  غريب ويراه على غير هيئته المعتادة؟. إلحاح الجرس لم يعطه فرصة لمواصلة التّفكير في ذلك بل أثار حنقه،  لن يفتح الباب لهذا المتطفّل. واصل القراءة كأنّه لا يسمع شيئا. سرعان ما خبط الكتاب على المنضدة أمامه متأففا، عدّل نظاراته الطبيّة، رفع كمي قميصه إلى الأعلى كمن يتحفّز للعراك، استرق النّظر من عدسة الباب، لم ير أحدا في الخارج، فعدل عن فتحه واستدار عائدا إلى وسط الشّقة. لم يكد يخطو خطوتين حتى ملأ الرّنين المكان ثانية. قفز بخّفة، وعاود النّظر فقابله الرّواق فارغا. كست وجهه سحنة من غضب، شحذ لسانه بأقذر السّباب، بحركة حانقة أشرع الباب، فوجد نفسه بإزاء طفل لا يتعدّى طوله نصف المتر، تهيّأ له أنّ لونه أزرق، يحمل مغلّفا كبير الحجم لم يظهر منه سوى القدمين واليدين الصغيرتين، وأطلّت عيناه وجلتين تطالعان وجهه الغاضب. رمى الصّغير إليه الطّرد وجرى مبتعدا بينما بقي هو في العتبة يستمع إلى صدى القفزات حتّى ذاب في سكون المبنى الأصّمّ. أغلق الباب بقدمه، وضع المغلّف على المنضدة،  ربّت عليه متسائلا ومستكشفا، غالب تردّده وتوجسّه ومزّق الغلاف.
سلّة من الخشب البنيّ المنحوت يتوسّطها عشّ ممهّد، استقرّت داخله ثلاث بيضات زرقاء، من فرط دقّة نحتها يظنّ النّاظر إليها أنّها حقيقيّة. دار حولها، أمعن النّظر من كلّ الزّوايا الممكنة، كل شيء فيها يتغيّر ويتبدّى في غرابة، الشّكل، الألوان ، الأحجام والمواقع، لم تظهر له أيّة إشارة إلى رسالة سرّية أو رأس خيط يكشف له صاحبها يمكن أن يعثر عليه فيزول تيهه. هناك في أسفلها اكتشف كلمة محفورة بدقّة "أرجيريا1". خمّن أنّها عنوان المنحوتة، غلى الدّم في عروقه من شدّة الغيظ، أمسكها  بكلتا يديه يعبث بها صارخا: "بيض أزرق ؟ إنّها لسّخرية..".  لعن مرسِلَها السّاحر وجالبها الجريء، فكلّ ما فعلاه أنّهما دلقا عليه كيسا من الهمّ هو في غنى عنه. 
الصّمت  والوقت يسيلان ببطء مع  تكتكات السّاعة الحائطية، فلا صخب ولا شيء يسرّع ايقاعه. مهلا...مهلا، استرعى انتباهه تغيّر صوت العقارب، لم يعد رقيقا قاطعا كدأبه، شيء ما يخالط حدّته. ها قد عادت تلك الهمهمات جليّة  تراقص ايقاع الزّمن وتذيب سكون المكان. أصاخ السّمع يستجلي كنهها فخفتت وتلاشت، وما إن عاود القراءة حتّى استرسلت مجددا. زمّ شفتيه وهو يسمعها بوضوح، تظاهر 
الفضة، غبار الفضة، ماء الفضة. 1/أرجيريا أو التفضض: هو حالة مرضية تحدث نتيجة التعرض المزمن لعنصر
ومن أحد العلامات المميزة لهذه المرض هو لون جلد المريض حيث يكون مائلا للزرقة أو الأزرق المخضرو يكون عاما أو موضعيا.

بالانغماس في الكتاب فارتفعت أكثر، بدت كأنها تشاكسه اذ يرفع رأسه  تتوقف. جال طرفه خلسة في المكان حوله، شعر بشيء من الخوف وهو يرى الجدران الزرقاء تكاد تنطبق عليه، ضاق نفسه  فاستلقى على ظهره يعبّ الهواء لرئتيه، حرّك ذراعه يتوسّدها فاسقط  التّحفة الخشبيّة. هبّ واقفا ليضعها في أحد رفوف مكتبته، كبّلته الدهشة مكانه وهو يكتشف وجود قلنسوّة بيضاء صغيرة على كلّ بيضة. هزّ التّحفة يمنة فيسرة ثم وضعها على الرّف فارتفعت الهمهمات وكأنّها معترضة على فعله، بدت قريبة جدّا لكن فكّره المشوّش بأطوار يومه الغريب لم يساعده على كشف مصدرها.
أرهف السّمع وهو يتتبّع الهمهمات، عاد إلى حيث انطلق بالقرب من المنحوتة السّحرية، أصابه الذّهول إذ لاحظ البيضات الزرقاء قد أفقست كبيض حقيقي، لتخرج منها فراخ، لا ! لا  !ليست بفراخ بل مخلوقات صغيرة  بحجم اليد بشرتها زرقاء،عيونها مستديرة لامعة، لباسها أبيض وعلى رأس كلّ واحد منها قلنسوة تلك التّي رآها قبلا.. فغر فاه وهو يستحضر اسمها. آآآه ! إنّها سنافر، انبرت تتقافز داخل السّلة...ماذا ؟ جحظت عيناه، لقد نبتت فيها  فطر حمراء وصفراء وزرقاء، أسفلها أبواب صغيرة تفضي إلى داخلها. عجائبية المشهد دفعته إلى  القاء التّحيّة عليها بصوت خفيض. لكنّ السّنافر كانت منشغلة بالتّقافز والرّقص، راوغته وهو يبسط كفه ليمسك بها، افترض أنها  خشب بثّ فيه النّحات روحا سحرية فأضحت شياطين صغيرة، هذا الخاطر أعاده مباشرة إلى رأس الحكاية وألحّ عليه السؤال: من يكون صاحبها ؟.  وخزات الألم أوقفت إزميل الّتفكير عن الحفر في عقله فانشغل بتوزيع المرهم على الأماكن الملتهبة، وعاود شرب مقدار من ماء الفضّة  عسى أن تتوقّف شكّات الوجع. على حين غرة انفجر الفانوس فوقه، وغرق في الظلام.
ما كاد يثبّت  الفانوس مكانه بالسّقف فينير،  حتّى قفزت إليه السّنافر الثلاثة تتسلّقه و تستقرّ على كتفه. عانقته  بشوق سنين من الغياب . المفاجأة جمّدته وشلّت أطرافه بصره فقط امتدّ ناحية السّلّة فإذ به يرى جمهرة من السّنافر الزرقاء انحشرت حشرا داخلها وخارجها على الرّف. عيونها الصغيرة اللامعة ترقبه وتتابع حركة الثلاثة على كتفه.
أسرع إلى هاتفه وفتح البثّ المباشر على موقع التّواصل فيسبوك. من هناك أطلّ على العالم ركّز الكاميرا على التّحفة الخشبيّة  وقرّب الصّورة حتي تظهر السّنافر الصّغيرة يكتظّ بها الرّفّ، وعرّج إلى وجهه وكتفه حيث تعانقه بوداعة الثلاثة الآخرين. سيلقي تحيّة صغيرة على متابعي صفحته  ويعرفّهم على ضيوفه. لكن السنافر لم تظهر إلاّ له وحسب أنّ متابعيه يرونها مثله. قابلته صورته وحيدا تنعكس في الهاتف، هاله ما لاحظ، شعر رأسه وذقنه قد ابيضّا وانقلب لون بشرة وجهه ورقبته إلى الأزرق. تفقّد أطرافه وجلا فرأى أنّها أقلّ زرقة، بدا فعلا بابا سنفور. دهشته وارتباكه انسياه قطع البث المباشر الذّي نقل كلّ انفعالاته إلى الأرجاء، تداعت الصّور بسرعة من ذاكرته، جاره الذّي اعترضه في الدرج يسأله عن تمويه ملامحه، الصّيحات الّطفولية حوله والسبّابات الكثيرة تشير إليه: "بابا سنفور ! بابا سنفور !".  البائع يسلمه طلبه ساخرا:" فانوس أزرق وتكتمل الصّورة، قلنسوة وجوارب حمراء...بابا سنفور شخصيّا !". مادت به الأرض والجدران أمامه ترتفع وتزداد قتامة زرقتها وتتداخل فيما بينها  كعجينة صلصال، اختفت المساحات وضاق صدره.سقط أرضا، قاوم الاغماء، وتنفّس بعمق. رويدا رويدا عاد المكان لسيرته الأولى، زحف نحو الأريكة ليستلقي فاصطدم رأسه بالباب. تلفت حوله يستجلي الأمر.وجد نفسه في ممر طويل بالقرب منه مغلف كبير، وجذاذة صغيرة ملصقة عليه كتبت فيها جملة وتحتها توقيع :"أنا مثلك أكره لعب الضوء والظّلّ. فان غوخ". لم يفهم شيئا منها، فقط انصاع لرغبة ملحّة بداخله أن يدقّ جرس الباب الذي يجلس أمامه. وقف على رؤوس أصابعه يتطاول إلى الزرّ وبتصميم ضغطه، فتعالى الرّنين يقطع الصمت الرتيب.