loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

باب الشيخ

breakLine

 

باب الشيخ  

 

 زعيم الطائي - كاتب عراقي

 

سرعان ما نسقط ضحايا التفكير في أماكن من صنعنا ، ومن خلقنا ، نرى تلك الأمكنة وهي تذبل وتتلاشى، وترفض ذلك خيالاتنا ، فكل ما في الامكان كتابته عن تلك الأمكنة هو استحالة الكتابة عنها . 
كل ما تراه في باب الشيخ من بيوت وشوارع وساحات لا يعدو كونه خدعة بصرية غير مقصودة وهازئة ،كحكمة لايؤمن بها احد , فهذا المكان يبعث ذكرياته في كل منعطف أو حدث أو حلم أو درجة من درجات سلالم أزقته الحجرية وبيوته التي نشأت على حدبات ودهاليز معتمة الرائحة ..فمابين نسائم ثلاثينياتها استهل  البياتي  دروبه حاملا حقيبة اشعاره وتجلياته واسفاره , وخط جميل حمودي على جص حيطانها اول توهجات  حروفه الملونة.
فملامح ستينياتها حشود مقاومة لاسلحة السلطة بالعصي والحجارة يوم قتل الزعيم. , حيث  اغلقت عليها ابواب الشتاء الاسود وغيبتها السجون , انها مشهد طويل ممتد لشارع يحتضن المطر  ويخترق المقاهي والمطاعم ونوافذ الشرفات والفنادق والعيادات، ستلوح لك صورتها مثل  سلسلة طويلة ومجموعة تدور حول نفسها من مخرمات الشبابيك الكبيرة والدور الخشبية التي تمسك ببعضها خوف انجرافات نهر الزمن المدمرة ,تسترها احجارها.

 تتلمس روح الشارع التائهة في صمت الليل دربها باتجاه باب المعظم بينما تتجه عطفاته الكثيرة كأنهار هامدة تفضي إلى " حواري " متدفقة اما نحو كراج النهضة حيث آلاف الجنود يوم رحلوا الى الجبهات ، وأمهاتهم المنتظرات ، أو الى ساحة السباع حيث تنهض خمسة تماثيل لأسود حجرية متشابهة تربض منذ زمن بعيد حول بركة ملساء تُخرج من أفواهها سيولاً من ماء النافورات التي تلتمع مياهها الحارقة في ظل اشجار الساحة المثقلة بالورد,تحكي قصة العمال القتلى ,احلام التراب ، ومجزرة المنسيين . والتي تحتجزها عمارات متعامدة تقضي ليلها منتظرة ذلك الهيجان السري ، ومتأملة ذلك الزئير الغامض الذي تنفثه الأسود الساكنة مع دفقات الماء المتناثر حول الأغصان .

كما تمتد عند المنطقة الجنوبية ساحة مستحيلة التكوين تذوب في قلب شارع الكفاح الذي لا حدود له ، وتندرج بيوت محلة الفضل وساحة زبيدة وقنبر علي  , الصدرية وعقد الاكراد , مع أزقتها الملتوية دون نهايات في اطار منقطع عن العالم ، مثل معبد بابواب خفية, تعلوها طبقة من غبار وجدران بلون الرماد يمكنك ان تتصورها كشبه جزيرة غير مكتملة محاطة بالأوهام . ستذهب  وتقر ر ان  لا تعود الى تلك الأماكن التي لا توجد إلا في الأحلام  ولكنك ستحملها في مخيلتك وأحلامك إلى الأبد. سأفترض أن بدوياً رأيته في ظهيرة ما  يقتعد تابوتاً قرب جدران الضريح القريب ، يتوسل بعينين قلقتين الى عيون المارة التي ترقبه بفضول ، ويعزف بربابته لحناً للموت.

لكن من قادته قدماه إلى ذلك المكان بعد ذلك اليوم الذي تلا أول أيام الحرب سيتذكر ذلك الوقت غير المألوف من جنون أيام سعاداته الضائعة ، كحلم عابر ولكنه محفور في الألم .

انتهت الأيام الهادئة ، وكمن يقتفي اثر رجع بعيد , سكن الرجل المتوحد ذلك الفندق العتيق , الذي غلفت جدرانه بأخشاب متآكلة تساقط طلاؤها منذ زمن طويل، فأخذت ترشح منه رائحة غريبة تشبه رائحة الملابس النتنة المتجمعة . ظن بادىء الأمر بأنه قد دخل كهفا افلاطونيا  مظلما يرى فيه الناس الدنيا من خلال ظلالهم  لولا المصباح النفطي الوحيد المعلق في زاوية السقف والذي أخذ يرسل نوراً شاحباً بين ذرات الضباب الذي يفصل الداخل عن عتمة الزقاق الضيق بعد اغلاق الباب.

الرجلان الوحيدان اللذان جلسا أمامه ، أحدهما بعين واحدة يبدو كشحاذ والآخر مبتور الساق  ,كان كل شيء أمامه لا لون له ، حتى انه بالكاد استطاع تمييز الأشياء المرصوفة على النافذة قرب الرجل الذي كان غافياً ومتكئاً على منضدة ذات أبواب، كؤوس  ومداليات من البرونز لمباريات خيالية ، مزهريات فخار ذبلت أزهارها الصحراوية منذ سنين ، ساعات حائطية مفضضة ومذهبة تمسكت كل منها بزمنها الفائت وسكنت عقاربها منذ وقت غابر ، كتابوت زمني ,  كما رسمت إلى الخلف سماءعميقة الزرقة تسبح في فضائها طيور اسطورية ذات أجنحة عملاقة .

مرة أو مرتان استمع الرجل المتوحد أثناء الليل إلى أنات ربابة تمتزج مع أزيز الطائرات المنفر وتكسّر الزجاج وحداء البدوي ينطلق من احدى الغرف الموصدة ، كأنما يملأ الليل بدوّيه العنيف ، مصاحباً الغارات المتوالية ، صوت يأتي من بطن آخر البوادي الموحشة النائية ، وكأنه يترقرق على ضفة غدير سماوي في عمق صحراء سرابية شاسعة ، موسيقاه أضغاث وقع خفاف نوق بعيدة تتهامس حولها وتهتز الرمال ، ومع كل رنة أحس السامع ان حبال حنجرة رجل الابل تتقطع مع الحداء الليلي المسحور .

 عند الصباح لم يجد أثراً للبدوي الذي انطلق يطارد الموت من جديد في مجاهل صحراوات غائبة مع آخر حداء لفظته حنجرته قبل الاختفاء الأبدي الأخير.

 يتيبس طين الطلاء حول الجدران المتآكلة خلف المقبرة وبين الأبواب التي يلتف حولها الغرباء والمرضى والشحاذون، ويتأكسد لون الحناء الأحمر فوق الباب الأبنوسي العريض قرب التكية الأخيرة للدراويش المعتصمين بخناجرهم ( الكزنزانية) وابتهالاتهم المضنية ، وهم يصلون لشعاع سينطلق بعد لحظة أو بعد آلاف السنين من شمس مستقيمة تتأجج في فراغ أبدي من المستحيل .

وتبتهل حمامات الحضرة الكيلانية برفرفة أجنحتها المضيئة ، نافضة عنها ندى كآبة الصباح  المفجوع فوق القباب البيض المتعددة والمنارات المستطيلة المتلاشية بين دخان بقايا الغارات والحرائق البعيدة ورماد البساتين .