loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

بيت الدّبَبة

breakLine

 

بيت الدّبَبة

 

قيس عمر - قاص عراقي 

 

الزمن ينداح إلى الوراء بسرعة كبيرة ويسقط مثل خطّاف عملاق محمّلٍ بآلاف الأثقال التي تجرّه فتتلاشى فيه أنّات الزمن. هكذا كان البيت بشكله الخارجيّ مثل زمن خلفيّ راكد بعد أن سقط في القعر ولم يعد ينتبه إليه أحد، بناء رمادي ثقيل الروح لم يتح له أن يكتسي بنعمة الطّلاء يوماً، فصار علامة دالّة تشبه شطباً في جبين أحدهم أو جرحاً قديما بقيت آثاره  تقاوم تيار الزمن...، بقي البيت دون طلاء؛ ليكون وجهاً محايداً لا يمكن فهم ملامحه، هل هو مبتسم أم غاضب أم حزين؟!، هكذا تماماً كانت البيوتُ وواجهاتها بالنسبة إليّ في الأقل.
كان البيت من الخارج عبارة عن جدار كبير ومترفّع ودون أي نتوء أو نقوش أو زوايا، جدار مربع الشكل شاهق الارتفاع، ولم تكن فيه أيةُ كوّة أو شبّاك يتسرّب منه أيّ شعاع أو ضوء يُمكّن أحداً من التلصّص لمعرفة ما يوجد في الداخل. في وسط هذا الجدار الفاحش الاستقامة ينتصب بابٌ حديديّ بواجهة واحدة تعرّض لطعنات الصّدأ في أسفله، وعن يمينه وشماله حَوَّل الأطفال الجدار إلى لوحة كتابة، بعضهم كان يخطّ عليه كلماتٍ صعبة على الفهم، وبعضهم الآخر كان يتخذه منبراً يخطّ عليه التهديدات والوعيد، وبعض من المراهقين حوّله إلى متنفس للتنقيص والاحتقار والشّتم والتّشهير ببعض الصِّبية والفتيات، بعض منهم كان يستخدم الطباشيرَ الأبيض والملوّن، وبعضهم كان يرغب بترك كتابته لتكون مثل جرح غائر لايمكن للزمن محوه، فكان يكتبه بطلاء أظافر الفتيات لاسيما جُمَل التفّضيح والتهتيك الجسديّ، حافَظ جدارُ البيت – على الرغم من تعاقب السّنين – على عبارات بقيت غارقة في عمقه الرماديّ، وصارت مثل ندوب لتواريخ سريّة خرجت من مغطسها لتحلّق في فسحة مرئيّة يتداولها العابرون والسّاكنون الجدد في ذالك الحيّ، وتحوّلت بعض العبارات المكتوبة إلى أيقونات وحكايات كبرت مع مرور الزمن.
على الجدار الأيمن للبيت بقيت عبارة (بيت الدّبَبة) محفورة بقوة كبيرة، وقد تمّ على ما يبدو تعميقُها فيما بعدُ لتتحوّل إلى تميمة محفورة بقسوة على الإسمنت، مُذكِّرةً بسيرة صاحب البيت، وقد بقيت عبارة (المجانين الثلاثة) أيضاً محفورةً بقسوة، ثم عُمِّقت فيما بعد بواسطة أداة حادة بينما بقيت عبارة: (مكتبة الصّفيح، أو بئر الصّفيح)  تقاوم أثر الانطفاء الزمنيّ المكتوب بطلاء أظافر البنات، بينما على الجدار الشّماليّ للبيت كُتبت عبارات تنتمي إلى مجال التشهير الجسدي ببعض صبيان الحيّ، وبعض الفتيات، وغالبية العبارات تلاشت أو تمّ شطبها، وبقيت آثارُ خطوطها وتعرّجاتها وأخاديدها تغطس وتغيب في كآبة الجدار الخارجيّ للبيت وتنسحب من مجال الحياة وتندغم في الأفول.
بقيت سيرة ساكني هذا البيت تهرول من فم إلى فم، تختفي وتعاود الظهور مثل جمرة حارقة تُلهب وجوهَ الفصول المتعاقبة، فضلاً عن أنها تشيع طقساً من الرعب الأدرد مُستحيلةً إلى كابوس يغمر مخيّلات الأطفال، وقد استغلّت كثيرٌ من الأمهات سيرة ساكني البيت لتخويف أولادهن، وعلى الرغم من  وجود كثير من الشباب الذين يعشقون المغامرات والتلصّص إلّا أنّ أحداً منهم لم يفكر يوماً بمحاولة اكتشاف هذا البيت من الداخل أو التسلّق من بيوت الجيران لمحاولة فهم الذي يجري فيه؛ فبقي البيت الرماديّ محافظاً على غرقه السريّ وعتمته العلنية، وظلّ بئراً ومنجماً للخوف، الشيء الوحيد المُعلن من سيرة ساكني هذا البيت أنّهم ثلاثة إخوة طاعنين في السنّ: رجل واحد وامرأتان، وكلّما خرج أحدهم عاد إلى البيت ومعه علبٌ صفيحية متنوعة، كان أغلبها من علب السّمن الكبيرة، لا أحد يعرف من أين يحضرونها!، علب فارغة متّسخة تفوح منها روائح عطنة، وبعضها نظيف، كان خروجهم من البيت في السنوات الأخيرة نادراً جداً، فيبقى باب البيت موصداً قرابة عام كامل أحياناً، وكلّما طالت مدة مكوثهم في البيت وانعدم خروجهم منه انفتحت مُخيّلات الجيران بكثير من القصص والأساطير التي تُنسج حول الأخوة الثلاثة.
كنتُ أكثر أهل الحيّ فضولاً وتتبعاً لسيرة ساكني هذا البيت، وطيلة سنوات بقيتُ أحفر في سيرتهم؛ لكن لم أصل إلى شيء مهمّ سوى بعض الأخبار المبتورة من هنا وهناك، منها: أنهم أولاد تاجر تركيّ قدِم إلى الموصل بتجارة فأضاعهم في زحمة السوق الكبير في المدينة، وبقي يبحث عنهم أياماً ثم تُوفي ودُفن في مكان مجهول وتاه أولادُه بعده، وهناك أخبار تقول: إنهم ورثوا تركة كبيرة من الذّهب من أبيهم التركيّ، واضطروا إلى الهرب من الأستانة بأنفسهم خوفاً من اللصوص، واختاروا الموصل مدينة للعيش، وقد اكتشفتُ أثناء تعقّبي خبرَهم أو شيئاً من غموضهم أن الرجل هو الأخ الكبير للسّيدتين، وعرفتُ أيضاً أنهم أُحيلوا إلى التقاعد جميعاً عاماً بعد عام، على الرغم من أنّ أحداً لم يشاهدهم يوماً يذهبون إلى الدوام أو العمل، ولم يستطع أحد أن يحصر أوقات خروجهم بل كانت دون مواعيد، ومختلفة ليلاً ونهاراً، يخرجون فرادى من البيت الرماديّ ويندسون في زحمة الوجوه، وكلما عاد أحدهم كان مُحمّلاً بعُلب الصفيح القذرة،
كانت حياتهم بالنسبة إليّ كلّها في كفّة، وعلب الصفيح  في كفّة أخرى، سنوات طويلة مرّت وهم يجمعونها، حتى صرت أتخيّل مسخاً من الصفيح يعيش معهم، طعامُه عُلبُ الصفيح، وعلى الرغم من أنّ البيت الرماديّ قد صهدته الشّمس لكنّ سيرتهم لم تذوِ في رأسي يوماً، بل بقيت تشتعل وتتوسع وتتداخل مع سِيَر المسوخ والممسوسين والمنبوذين واللائذين بالعزلة، فبقيت حياتهم السرية تُخشخِشُ حولي، وتنغرز صورهم وتفيض في الظلام.


*
في تلك الليلة شعرتُ أنّ هناك شيئاً يناديني، صوت ينهض من قعٍر دفينٍ وبارد، صوت مُعبّأ بوجوههم يناديني مُتسرّباً في شقوق روحي مثل دبيب النمل، يتصاعد دبيبُه في داخلي، يحثني على الخروج  فامتثلتُ لهذا النداء. كان الدرب خالياً تماماً، تركت خطواتي تنحدر نحو البيت الرماديّ، وإذا بباب البيت مفتوح بشكل جزئيّ، لم يُرتّج، وبدون تردد دلفتُ بسرعة إلى الداخل، وأثناء إغلاقي الباب أرسل صوتاً عميقاً تسلل إلى داخل البيت كاسراً يوميات الكسل والهدوء والظلام والرطوبة، ومانحاً البيت إشارةً سرية لدخول غريب إلى بيت الدّبَبة أو مكتبة الصفيح، أو بئر الصفيح.
كان هناك ممر طويل، تمتد على جانبيه غرفتان، عن يمينه وشماله عُلبُ صفيح تم رصفها بدقة كبيرة، حتى غطّت جدرانَ الغرف من الخارج بشكل كليّ، علب صفيح بكل الماركات والأنواع امتدت مثل نبات متسلّق، حجبت الجدران وحلّت محلها، تقدمتُ أكثر وعبرتُ ممرّ البيت لأنتهي إلى حَوش مربع، وقبالتي غرفتان أيضاً متجاورتان، وفي وسط الحوش بناء دائري  مدولب مغلّف بكامله بالزجاج يشبه الفانوس تماماً، عبارة عن زجاجة كبيرة يتوسطها من الخارج بابٌ زجاجيّ، وفي وسط هذا البناء المدولب قبةٌ فانوسيّة بعرض وارتفاع مترين تقريباً، وتسري عبر الزجاج إنارة صفراء كثيفة، حاولتُ بسرعة اكتشافَ الطابق الثاني فوجدتُه بأربع غرف مثل التي في الأسفل تماماً، وجميع الجدران مُغلّفة بعلب الصفيح، تبدو الجدران في الليل وكأنها مطلية برسوم علب الصفيح من كلّ العصور، وهي مرصوفة بدقة متناهية، حوّلت البيتَ إلى فسيفساء صفيحية تشبه لوحة كونية تحاكي أصوات البشرية وهي تعبر غابات عميقة ومُخرَّزة بوجوه تحف بها أصوات المياه والأعماق المفلطحة للحياة.
*
منذ ذلك اليوم الذي دلفتُ فيه إلى البيت الرماديّ وخرجتُ بسرعة، ودون أن يبصرني أحدٌ من ساكنيه أو من أهل الحيّ مُكتفياً بمشاهدة تفاصيل البيت الخارجية من الداخل، شعرت حينها أنّ الصوت الذي يخلّفه الصفيح وهو يصطدم بالأرض أو حين تصطدم علب الصفيح ببعضها، صوتٌ غريبٌ يُولد، يكتسح عظامي ولحمي متوغّلاً عميقاً كاسراً كثافةَ الموسيقى الداخلية لإيقاع حياتي، بقيتُ مدة طويلة أشعر أنّ الصوت الذي يخلّفه الصفيحُ يحمل رسالة سرية من الأرض، تتسرّب عبر الصوت الصفيحيّ بمهارة وخفة غريبة.
بعد ذلك اليوم المفصليّ في حياتي لم أستطع الرجوع إلى الشخص نفسه الذي كنتُه، وبقيت صورةُ الأخ الأكبر (حسيب) وأختيه (خيرونة وسُدى) تتماوج في ذاكرتي، وبعد أسبوع على تلك الحادثة استطعت أن أشاهد حسيب لمرة واحدة فقط، وكذلك خيرونة وسدى، شاهدتهما مرة واحدةً فقط وبشكل منفرد، كان حسيب حينها راجعاً إلى البيت وهو محمل بعُلب الصفيح يحملها بكلتا يديه، تفوح منها روائح القذارة والعفن الذي يتسرّب من العلب الصفيحيّة، ولم أستطع إلّا أن أراقبه بدقة، طريقة سيره، ملابسه التي لم تتغيّر، البيجامة المُقلّمة ذاتها، وشعره المسترسل والكثيف، وما إن وصل إلى باب البيت دخل بسرعة وأغلق خلفه الباب غيرَ مكترث للعيون التي تحدّق فيه، ولم يُعرْ أيّ التفاتة لبعض التعليقات الساخرة من الصِبية، بل واصل سيرَه بثقة كبيرة وبعد أن أغلق الباب خلفه، دخلتُ إلى بيتي أيضاً وألقيت بنفسي على السرير، شعرتُ بندم ومرارة تسري في عروقي ذاك أني لم أفتح أبوابَ الغرف، ولم وأحاول اكتشاف ما في داخلها، ربما كان عليَّ أن أكتشف ما تخفيه في الطابقين الأول والثاني، ثماني غرف في بيت يسكنه ثلاثة أفراد فقط، يا ترى ماذا يفعل ثلاثة أفراد بثماني غرف؟!، وماذا يوجد في ذلك البناء الدائريّ المدولب وسط البيت كأنّه فانوس أو فنار بحري؟!، وهل يمكن أن يكون حسيب الآن جالساً بين أختيه يحكي لهنّ عن رحلاته القصيرة في جمع عُلب الصفيح النتنة، أم هو الآن يجلس في ذلك البناء المدولب المقبّب بالضوء الأصفر يدخّن بشراهة، ويكتب سلسلة أيامه مُقشّراً تفاصيلها على ضوء فانوس شحيح، وماذا سيفعل لو أنه كان يكتب وبين لحظة وأخرى تفوح الروائح العطنة من بيته؟!، ألن تجعله ينهض ليستحمّ من الدّبق العالق في جسده ويديه؟!، ولكن لِمَ لا يكون حسيب معلماً متقاعداً أضاع عقله في الصفوف، وترك له التلاميذُ ندوباً وشروخاً في ذاكرته كما فعلت به الكتبُ التي يقتنيها، لكن لا أعرف سببَ تخيُّلي حسيب وهو يقتني الكتب أو يحاول تشميس ذاكرته أحياناً خوفاً من أن يصاب بالزهايمر، لماذا أشعر أن دخان سجائره يصل إلى أنفي ويخنقني، يجعلني أحسّ أنه يدخن نوعاً رديئاً جداً يسبّب له سعالاً، هذا السّعال كان حسيب يفرح به أيّما فرح؛ لأنه الوحيد الذي يبقيه يشعر أنه على قيد الحياة، ثم إنّ أختيه سدى وخيرونة لماذا لم تتزوجا؟، ولماذا تقومان بجمع علب الصّفيح معه؟، هل هما فرحتان بجمع هذه العلب التي صارت كابوساً يتدحرج فوق زمني مُحطّماً تعرجاته السرية؟!.
علب الصفيح بصورها وألوانها المتنوّعة اللعينة صارت تتكاثر/ تتقافز في رأسي، أشعر أنها تكثر.. وتكثر...، وسوف تنفجر من بيت حسيب يوماً ما لتحلّق في الدروب وتحطّم البيوت بفعل عصفها، وسيكون قسمٌ منها محتفظاً بالغطاء الحاد وهو مقصوص بشكل غير هندسيّ لتمارس جزّ الرؤوس والرقاب والأذرع  وحراثة الأجساد،  لقد صارت علبُ الصفيح خوفيَ الذي أعشبَ مُعرّشاً في روحي، صرت أراها كلّ يوم تحلّق حول الحيّ بكامله والدّبقُ يتطاير منها، هذا الدبق لوحده كفيل بتحويل حياتي إلى جحيم، يصيبُ جسدي بالحكّة والتحسّس والقرف، أحاول التخلّص من هذه الصور المُعرشةِ في روحي. ومع جريان الزمن وانسكابه كان زمنُ حسيب وعُلبه الصفيحيّة يندسّ مُنسكباً أيضاً في التفاصيل اليومية والعابرة، فاتحاً بوابة من الاستفهامات حول الحياة الصفيحيّة له ولأختيه، صرتُ أختنق بحادثة التلصّص التي قمتُ بها، وفي كلّ يوم أتخيّل حياة حسيب بشكل مغاير تصاحبه حياة أختيه البدينتين، فهل هنّ ياترى مستمتعات بهذه اللعبة، لعبة جمع علب الصفيح؟!، ولكن لِمَ لا يكون حسيب مجرّدَ أحمق ومغفّل لا يدرك ما يفعله؟!، بل هو فقط منخرط بلعبة تجاهل إيقاع الحياة وهو يحشو حياته بلعب دور جامع علب الصفيح، يجمعها نهاراً ويلقيها ليلاً، ثم يعودُ إلى جمعها والتخلّص منها، وهكذا دواليك، لعبة دبقة يتخلّص بها من دبق الحياة، أو أنه يحاول أن يطوق نفسه مُلغّزاً سيرتَه أمام الناس؛ لتكثر الحكايات من حوله وتُنسج حوله الأقاويل، ثم يلعب لعبة كارثية ليتحول فيما بعد إلى شخص مشهور أو إلى رمز لهذه المدينة الكسولة، ثم تتحلّل سيرتُه الصفيحية في أنهار المدينة ومساربها المشروخة، وتتفرق حياته في الصحف ثم تغوص سيرته في أخاديد المستقبل، ولِمَ لا؟، هذا ممكن جداً لا سيما أنّ شكل علب الصفيح وغرابة ما يقوم به يتناسب مع طبيعة الايقاع الكسول لطبيعة الصوت الناتج عن ارتطام الصفيح بالأرض إذ الصوت الثقيل الحادّ هذا يشبه إيقاع المدينة في رتابته وثقله وكآبته الرمادية، ولهذا بقي بيتُ حسيب رمادياً مُصهّداً بتعاقب الشمس عليه، وكذلك هذه المدينة، بل إن إيقاع مفردة (الموصل صلـ صلـ موصللللـ...) يشبه تماماً الصوت الناتج عن ارتطام الصفيح بالأرض، أهذه مصادفة أن يكون حسيب مدركاً أنّ إيقاع الجرس الموسيقيّ الرتيب للموصل يشبه إيقاعَ علب الصفيح وهي تسقط على الأرض أو وهي ترتطم يبعضها، لكن كيف انتبه إلى أنّ المعجميين الدّهاة فاتهم ذكرُ صوت الصفيح؟، كيف يعقل أنّ (الخليل والثعالبيَّ وسيبويه) لم ينتبهوا إلى تسمية هذا الصّوت؟، لكن أيعقل أنّ حسيب هو الوحيد الذي انتبه إلى هذا الفراغ المعجميّ الموحش في المعاجم، بل يبدو أنه أدرك أنّ (رينهارت دوزي) فاته أيضاً ذكرُ الصوت الذي يخلّفه الصفيحُ في كتابه (تكملة المعاجم العربية)، ياه... أية لعبة يتقنها حسيب داخل حقول المعاجم ومشاغلها، ولكن كلّ هذه الاستفهامات في كفّة، والعبارات التي كُتبت على جدران البيت الرماديّ في كفة أخرى، فعبارة (مكتبة الصّفيح) أو (بئر الصّفيح) أو (بيت الدّببة) توحي لي أنّ هنالك من اطّلع على أعماق هذا البيت، أو أنه يدرك ما يجري خلف لعبة جمع العُلب القذرة، وهذه العبارات تنتمي إلى عقلية قادرة على تحديد المسار النهائيّ لعلب الصفيح، فعبارة (بئر الصّفيح) و(مكتبة الصّفيح) تنتميان إلى مجال تفكير واحد، وعبارة (بيت الدّببة) قد تكون عبارة صبيانيّة لأنها تحاول اسقاط شكل حسيب وأختيه ببدانتهم؛ لهذا هناك علاقة مباشرة بين الدّببة وبين أشكال الإخوة التي تقترب من الملامح المنغوليّة التي تميّز صاحبَها بالبدانة والترهل.
نمت سيرةُ البيت المصهّد كثيراً في داخلي، واحتلت كلّ حياتي حتى أقعدتني تماماً في الفراش، وصرتُ مريضاً بسيرته وأختيه وعلبه الصفيحية، وصار جسدي  يذوي بسرعة كبيرة ومعه كانت روحي تجفّ وتيبس، حاول أهلي علاجي لكن كانت محاولاتهم تُطمرُ في اللاجدوى بينما حالتي تتفاقم، وأثناء نومي رحتُ أهذي بسيرة حسيب وعلب الصفيح وأنواع الأصوات والبيت المصهّد، وصرتُ لا أتحدّث إلّا عن حسيب وعلبه القذرة وذلك السرّ الذي يغلّف البيت وغرفه الثماني والقبّة الفانوسية المضبّبة بالضّوء الشّاحب وسط البيت المصهد، صارت حكايتي تفيض من الأفواه الدفينة، وصرتُ مشرنقاً بالدّبق مثل علب حسيب، ومدموغاً بلعنة سرّية، والجميع يتخافتون بسيرتي، وصرت مقروناً مع حسيب في حكايات الصفيح والدّبق، وأنّي ممسوس، وقريباً سوف أشرع بجمع علب الصفيح مثل حسيب.
لك الآن أن تبصرني وأنا انهض من وراء حدبة الموت المهيبة رافعاً قدماً من مياه الأحلام العتيقة، وأفتح باب بيتنا تاركاً خلفي الأصوات العائلية الرتيبة تلحق بي، وتحاول أن تطرد أنين الفضول ورحيق الكسل لأهرول نحو مكتبة الصّفيح وأغمر روحي بالتفاصيل البعيدة التي كانت تربض خلف الأفق قبل أفوله، لك أن تراني متوشّحاً صيف الليالي المقمرة دافعاً باب مكتبة الصّفيح، لأجد حسيب ينتظرني ويأخذ بيدي نحو أسرار بيته المصهّد، ويتمتم مرحّباً بي وبقدمَي التي رفعتها من مياه الأحلام الأبنوسيّة، كان الموعد العمائيّ مرتّباً بشكل دقيق مع حسيب، فصرنا نتجوّل بين جدران الفسيفساء العملاقة التي تطوّق بيته من الداخل، ثم شرع بفتح أبواب الغرف أمامي وهو يشرح لي تفاصيلها المختومة بالغرق الأزليّ، لك أن تبصر الآن كيف تشرئّب الأبواب ومزاليجها للفتح، وتنهض الأسرارُ الدفينة المغبرة من غاباتها المخرّزة بالوجوه والأسماء، وتتفتت تقلباتها بين يديك، وحسيب بقربك مرتدياً بيجامته السّبعينية المقلّمة بليالي العيد وندى الحمامات العمومية وضوضائها، وفي نظاراته الطبية تنعكس صورُ التاجر التركيّ الهارب نحو الموصل وهو يجرّ أولادَه في أسواقها المعتمة وأزقّتها الضيّقة ومنارتها المائلة نحو حدبة الموت، وفي جيبه تقرقع صرةُ الدراهم الذهبية فتستفيق عينُ لص تُعلقُ التاجر التركيّ على خُطّاف قصاب بدين، تصلب سيرته المائلة، فيغيب الأبُ التركي بذقنه المقبّب ويبقى حسيب وخيرونة وسدى يهيمون في الأزقة، وتهيم أرواحهم حول المنارة المائلة.
في الطابق الأرضيّ فتح حسيب باب الغرفة الأولى أمامي على مصراعيه فظهرت ثلاثة من قردة المكّاك الأسيوية، قردة تمتاز بذكاء كبير وجسد متوسّط الحجم، شعرها غير كثيف، تمتلك قدرة وحِرفية على محاكاة السلوك الانسانيّ بسرعة، وتعيش في قطعان كبيرة في الأديرة والمعابد البوذيّة، لكن كيف وصلت هذه القرود إلى بيت حسيب؟، من أوصلها وكيف لم يستطع أحد رؤيتها في الدرب يوماً؟، وكيف لم تفكّر بالهرب وهي قادرة على ذلك بسهولة؟، ما الذي تفعله هذه القردة؟، أيعقل أن حسيب بوذيٌّ وهو يقوم بتربيتها وتدريبها مثلاً، ولهذا أُرسِلتْ إليه هذه القرود بشكل سري؟، لم أصدق حقاً أنّ قردة مكّاك تقيم في بيت حسيب!، كانت القردة الثلاثة تعمل ولم تكلّف نفسها عناء النظر إلى القادم وهو يحدّق فيها، بل واصلت عملها كأن لا وجود لأيّ شيء غريب، كان كلّ قرد يمسك مقصّاً خاصّاً بقصّ الصفيح، وقد وضعت علب صفيحية كثيرة قرب كلّ واحد منهم وراح يقصّ تلك العلب إلى أربعة أجزاء متساوية، هكذا انخرطت القردة بقصّ علب الصفيح وترتيبها بمجموعات ثم رزمها واخراجها إلى الغرفة الثانية المجاورة.
أغلق حسيب الباب وقال لي: أعرف أنه من الصّعب عليك فهم ما تقوم به قردةُ المكّاك، لكن ياصديقي إنه أسهل مما تتصوّر فقد كنت ممّن يهوون المراسلة في المجلات، وقد تعرفتُ إلى راهب بوذيّ عن طريق المراسلة ذات يوم، وتكوّنت بيننا صداقة عابرة للمسافات والحدود والخرائط، وفي أحد الأيام أرسل إليّ رسالة يقول لي فيها: ستصلك بعد شهر تقريباً ثلاثة قرود من نوع المكاك، وأنت تعلم أنها تقيم في الأديرة والمعابد بكثرة هنا ولا يتعرض لها أحد، بل إنّ الناس تعطف عليها وتحاول تجنب الاحتكاك بها، لكن هذه القرود الثلاثة في صبيحة يوم صيفيّ حار قامت بجلب ثلاث علب من الصفيح تفوح منها رائحة قذرة ملأت أرجاء المعبد، ثم صعدت بهذه العلب إلى برج الياغودا وراحت تلعبُ فوقه، ثم قامت بإلقاء العلب الصفيحية وتركتها تسقط وتهوي إلى أسفل برج الياغودا وراحت العلبُ تصدر صوتاً كسَر إيقاعَ الحياة الهادئة في المعبد، ثم أخذ صوت علب الصفيح يتصاعد وهي ترتطم ببعضها وبالأرض محدثة جلبة كبيرة ومولدة صوتاً غريباً مات على إثره كبيرُ السّدنة في المعبد، وهرب الناسُ من المعبد، ثم اكتشف الرهبانُ أنّ صوت ارتطام الصفيح بالأرض كأنّه امتصّ روح الأرض وسكينتها القارة، بل يا صديقي كأنّ علب الصفيح شربت سكينة الأرض وروحها، ولا أخفيك أيضاً فقد بقيت أصواتُ علب الصفيح غارقة في جدران الياغودا وقاعدتها السفلية العريضة، ومنذ ذلك اليوم يحاول الرهبانُ اعادةَ إيقاع الأرض إلى المعبد، لكن كلّ جهودهم فشلت، لأنّ صورة الياغودا ارتبطت بذهن الناس بعلب الصفيح، وبذلك الايقاع الغريب الذي هشّم روحها وغرق في قعرها لهذا قررنا ابعاد هذه القردة عن المعبد حتى يستعيد ايقاعه القديم، وتنسى الناسُ صورة علب الصفيح وهي تهوي من الأعلى، فأرجو منك أن تعتني بها إلى حين أن أطلب منك اعادة شحنها إليّ، وأنا أعرف أنك فهمت ما المطلوب منك وماذا عليك أن تفعل لهذه القرود، لتعيد إلينا إيقاع المعبد بدون صوت الصفيح.
سحبني حسيب من يدي نحو الغرفة الثانية وكانت مغلقة، وما إن دفع البابَ بيده حتى اندفعت روائح العفونة والرطوبة إلى أنفي ليسيطر عليّ دوارٌ كبير، لكن حسيب كان يشعر بي بشكل مذهل، لذا أمسكني مباشرة وقال لي: لا تخف يا صديقي سوف تتعود على هذه الروائح، إنها مجرد روائح يمكن لنا تقبّلها بمرور الزمن، وأردف أيضاً: إننا نحن البشر نمتلك خِسّة إزاء الروائح، فهي بالنهاية محايدة، نحن البشر نحوّلها حسب أمزجتنا إلى روائح كريهة، وأخرى منعشة، وأخرى مثيرة وأخرى نسائية، ورجالية... إلخ، هذا دولاب من الكذب والدّجل البشريّ، فالروائح في النهاية متمسّكة بالحياد، ونحن مَن نسقط عليها أمزجتنا الفاسدة ونشوّهُ الكثيرَ منها، ولجنا الغرفة أنا وهو، كانت فارغة إلّا من بئر وسطها، وقد شُيّد على فوهة البئر جدارٌ دائري بارتفاع متر واحد، تقدّمت من البئر محاولاً النظر في قعرها، لكن لم أرَ أي شيء سوى الظلام العاصف بالأعماق، وصوت ريح تدور في الأسفل بقوة، كأن البئر مفتوحة من جهة ثانية تسمح بمرور تيارات الهواء محدثةً هذا الصوت، اقترب حسيب ولمس كتفيّ وقال: ربما من الصعب على الناس فهم العلاقة التي تجمع بين صوت الريح وهي تهبّ، وبين صوت ارتطام الصفيح بالأرض أو ارتطام الصفيح ببعضه، لكن صدّقني لو فكّرت قليلاً بالجرس الموسيقيّ لصوت الريح، وارتطام علب الصفيح ستجد أنها تنتمي إلى جذر صوتيّ واحد، قد يبدو هذا الأمر مستحيلاً، صحيح أنه مستحيل لكن حاول التخلّصَ من عوالق الأصوات التي نبشت ذاكرتك، اسمعْ صوتَ الريح في البئر وتخيّل صوت ارتطام الصفيح، حاولْ وستتلمّس تلك القوة التي تربط بين أعماق الصفيح وصوت الريح، ستتلمّس أعماقاً وحشيةً من الخارج، وشفافةً من الداخل، إذ إنّ صوت الريح يشبه هبوب الموت في بادية مقفرة، وصوت الصفيح يشبه تماماً صوت قلب يسقط على الأرض، إنه صوت اللحم!، صوتٌ لحميٌّ خارج من عمق اللحم، لهذا تجد أن صوت سقوط الصفيح على الأرض يضرب مباشرة في القلب، تحسّ أنك تسمع صوت الصفيح في قلبك يعصره ويهزه، فترتجف روحك لهذا عليك أن تعيد اكتشاف لعب الحواس، وعلى كلّ حال يا صديقي هذه البئر التي أمامك في هذه الغرفة لم نحفرها نحن، إنما وُجدت في البيت هكذا لوحدها لا نعرف كيف!!، وكلما حاولنا النوم أنا وسدى وخيرونة ما استطعنا لأنّ صوت الريح القادم من أعماق البئر يمنعنا، وبعد مداولات عديدة اتفقنا أن نُلقِم البئر بالصّفيح كي نغلقه إذ اكتشفنا – فيما بعد – أن صوت الريح ينتمي إلى صوت الصفيح نفسه، ونحن في كلّ ليلة نضع مئات العلب الصفيحية في البئر لنُسكِت صوت الريح ونستطيع النوم، ونظل نُلقي علبَ الصفيح حتى نتعب، ولا يبقى أمامنا سوى متر واحد ليكتمل لقمُ البئر وينقطع صوت الريح، فيستبدّ بنا النعاسُ آخذاً بنا إلى النوم، ولكن كلما جئنا في صباح اليوم الثاني، وجدنا أن علب الصفيح قد غرقت وغارت في أعماق البئر، وهكذا نُعيد الكرّةَ كل يوم، وفي اليوم التالي تختفي علبُ الصفيح في قعر البئر، كأن البئر تبتلعها، وبينما حسيب يروي لي هذه التفاصيل عن البئر والعلاقة بين صوت الريح والصفيح، كنت أتوغل في داخلي وأتشرنق باحثاً عن الأصوات التي تتركها الريح حين ترحل، وعن الأثر الناتج عن تداخل صوت الصفيح بالريح، حقاً كان حسيب محقّاً بشأن تفاصيل كثيرة، خاصة الروائح التي نسقط أمزجتنا عليها ونحن من يصنع منها جيدة ورديئة، وكذلك الأصوات، صرت أكتشف مرةً بعد أخرى أنّ لحسيب معرفةً جيدةً بالأصوات فهو يجيد الاستماع إليها ويتقن فهم الرسائل التي يمكن للأصوات أن تحملها، ولكن: أيعقل أن يكون حسيب معلّمَ موسيقى ستينيّ الطراز مثلاً؟!، ولهذا معرفته بالأصوات كبيرة ومريبة وغريبة، حيث يستطيع وصف الأصوات بدقّة غريبة، مُمتلكاً القدرة على إيجاد الجذور المشتركة لأصوات الأشياء، ويتقن أيضاً الاصغاء إليك بشكل لعين، يستسلم تماماً أمامك وأنت تحكي  فتشعر كأنه خُلق ليكون مستمعاً بارعاً للأصوات بكل نبراتها، كأنه خُلِق ليترك لك سمعه تحشوه بصوتك، وأنا واثق أنه ينتبه إلى نغمة صوت المتكلّم أكثر من استماعه وتفكيره بالذي يسمعه، خرجنا من الغرفة بعد أن أغلق حسيبُ البابَ وراءنا، وقادني مثل أب هصور يمسك بيد ابنه نحو الغرفة الثالثة، وما إن دفع البابَ حتى تداخلت الأبعاد الهندسية للغرفة وصارت مفتوحة على الغرفة الرابعة، وبينهما يمتد ممرٌّ سرّي تمّ تمويهه بالضوء بشكل غريب، يمتدّ هذا الممر إلى القبة الفانوسية وسطَ الحوش تماماً، تلك القبة الغريبة التي طالما تخيّلتُ فيها حسيب وهو يروي لأختيه بطولاته مُدخّناً بشراهة، يرسلُ سعالَه مثل تعويذة لطرد المتلصّصين عليه، أو أنه يروي لهن شغفَه بالفوانيس العتيقة وأسرار الجلوس داخل فانوس، لا أعرف ما الذي حدث تماماً حين دخلنا أنا وهو إلى الغرفة التي يمتدّ فيها الممر، إذ تبين أنها تضمّ الغرفة الرابعة بشكل هندسيّ فريد، تتداخل فيه الأفاريز والدّعامات الإسمنتية والفولاذيّة، وتتوغل في هذه المساحة تياراتٌ ضوئية تظهر وتختفي مثل برق خاطف، كنت أحاول الاحاطةَ بالصورة الكليّة للمكان، لكن فشلت تماماً، وأدركت أنه يفهم شعوري بالضياع، فأمسكني من جديد بقوة وقادني إلى عمق الغرفة، دخلنا في الممر السري الذي أفضى بنا إلى القبة الفانوسية، جلسنا داخلها واحداً قبالة الآخر دون كلام، كنتُ أترك روحي تخوض في هذه القبة الفانوسية الغريبة المزجّجة، شعرتُ أنها بقعة تطوّقها هالةٌ من الحكايات والسعال ودفاتر الذكريات السرية، بقينا صامتين ثم انفتح البابُ الخارجيّ للقبّة، ودخلت سدى تتبعها خيرونة، جلستا قبالتي تماماً، وهنا نهض حسيب ووقف وسطنا تماماً، وصار يدور ببطء وهو يتكلّم، كنت أبصر شفتيه تتحركان، لكن لم أكن أسمع أيّ شيء، حاولتُ أن أفهم هل هذه القبّة تقوم بعزل الصوت في الداخل، أم أني ملفوفٌ بدوار صامت عميق يفصلني عن مواصلة متابعة حسيب وصوته، كنت فقط أستشعر مطراً من أصوات الصفيح يخترق قلبي الصوت...، يخترق لحمَ قلبي بقوة فادحة ويجعلني أرتعش... كان الصوت متبوعاً بوجوه قردة المكاك وهي تعمل بصرامة كبيرة على قصّ علب الصفيح، وكنت أبصرني وجهاً محشوراً في اللوحة الكونية التي شيّدها حسيب في ممرّ بيته، تلك اللوحة التي تحاكي غابة البشرية الأولى ووجوهاً مخرّزة  ببعضها، لا تستطيع فهم مَن يتبع مَن!، هل هم ذاهبون أم خارجون؟، تلك اللوحة بقيت عالقةً فيّ بكلّ تفاصيلها، وها أنا الآن لا أفهم، أأنا أدسّ وجهي في اللوحة ليحنّطه حسيب أم أنّ اللوحة المخرّزة قد دسّت تفاصيلها في وجهي وهي تتسرب عبر أوردتي وشراييني؟، كنت أفقد الوعي رويداً رويداً...، وأندس في زحمة الوجوه الصفيحية الراكضة نحو الدخول والخروج معاً.
يدور حسيب بقوة داخل القبة الفانوسية وينعكس ظله علينا، يدور حسيب بينما ظله متوقف وساكن ..يدور حسيب.. فتنهار التفاصيل ويتحول ظله الساكن لبئر غائرة،  تندس فيها كائنات اللوحة الغريبة ، يتبعها حسيب وسدى وخيرونة، يهرولون نحو البئر الذي تكون في ظل حسيب، كل شيء ينهار ويغيب في البئر صحبة كائنات بيت مكتبة الصفيح.