loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

تقرير تغيُّب

breakLine

 

 

بسام المسلّم - قاص كويتي

 

ازدادت كراهيّتي للذّباب منذ أن فاحت من مطبخ المؤسّسة رائحة مقزّزة. ورغم رائحته كانوا يجتمعون فيه صباحاً لإفطارهم الجماعيّ. يوشوشون بهمسات تحفّها نظراتهم الحذرة وهم يمضغون لقمتهم. يتلمّظون بها. ويلعقون عظامها بألسنةٍ طويلة تطلّ من يبن أنيابهم. منهم كثر الذّباب المنبعث من المطبخ. علا طنينه المزعج في الممرّات وبين المكاتب وغرف الاجتماعات. ومع ارتفاع طنينه زاد عدد المتغيّبين عن العمل. كانوا يختفون تباعاً دون أثر. فانهالت علينا اتّصالات ذويهم بالسّؤال عنهم. هواتف المؤسّسة لم تكفّ عن رنينٍ يخالط طنين الذّباب المنتشر فيها. أهالي المتغيّبين يجمعون على أنّ آخر العهد بهم هو توجّههم إلى المؤسّسة صباحاً. ذاع خبر اختفاء الموظفين وتناقلته الصّحف. مضت أسابيع. ولم يعد منهم أحد.  

*

استدعاني الرّئيس إلى مكتبه حين نفذ صبره. طالبني بتفسير الأمر فلِذتُ بصمتي. هوى بقبضته على مكتبه مكرّراً سؤاله والزّبد يتطاير من فمه:

  -  ما هذه اللّعنة التي حلّت بمؤسّستي؟!
مرتبكاً لم أجد غير إلقاء اللوم على أولئك الذين يُفْطرون بهمساتهم كلّ يومٍ في المطبخ. فيجتمع عليهم الذّباب. ثم ينبعث منه بطنينه المؤذي ينثر جراثيمه في أرجاء المؤسسة. لم يقنعه تفسيري. هزأ كعادته برأيي:
- مازلت تعاني من عقدتك مع الحشرات!
أردتُ توضيح وجهة نظري فقاطعني هامساً كمن يخصّني بسرٍّ مرعب:

- جاءتني بالأمس المباحث الجنائيّة . . أهالي الموظفين يتّهموننا بالتآمر على موظّفينا للتّخلّص منهم!

أجبته وأنا أطرد بيدي ذبابةً شاغبتني:

- ما من مبرّر منطقيّ لاتّهامٍ كهذا!

توجّهَت الذّبابة نحوه. حامت حول رأسه ثم رست عليه دون أن يبعدها. صامتاً استلّ سيجارة من العلبة أمامه. انتصب وأشعلها. دار حول مكتبه وجلس على المقعد الذي يواجهني. لم تزل عينا الذّبابة تحدّقان بي وهي تحكُّ أرجلها فوق رأسه. ولمّا نفث كلماته تجاهي طارت الذّبابة مع الدّخان:

- طلبوا منا تقريراً مفصّلاً عن جميع المتغيّبين لاستكمال إجراء تحقيقهم الجنائيّ . .

ووصلتني أوامره تزفّها الذّبابة مع باقي دخانه:

 - أريده على مكتبي صباح الغد!

*

صباحاً عند بوابة المؤسّسة، كنت أصكُّ بيدي على التّقرير الذي أعددتُه. لم يكن الوضع في السّاحة الأماميّة لمبنى المؤسّسة طبيعيّاً على الإطلاق. الهواء يحمل رائحةً نتنة. رجال الشّرطة منتشرون. تغطّي أفواههم وأنوفهم أقنعةٌ بيضاء. يحملون أكياساً مختلفة الأحجام تقطر على الأرض دماً. كانوا ينقلونها إلى توابيت خشبيّة. تستلقي على ظهر شاحنات نصف مكشوفة. يحوم فوقها الذّباب كأسراب الجراد. استوقفتُ أحدَهم. استفسرتُ منه عن محتوى الأكياس. فأجابني على عجل من تحت قناعه:

- أشلاء وُجدت مكدّسة في ثلاّجة مطبخ المؤسّسة! أرجوك ابتعد الآن . . لدينا الكثير لنقوم به

لم أصغِ إليه. اقتربتُ من البوّابة أكثر. كانت موصدةً بالسّلاسل والأقفال الكبيرة. تتدلّى على صدرها ورقةٌ مختومة. قرأتُها:

"مغلقة لاستقدام موظّفين من أكلة لحوم البشر"

تراءت لي ألسنتهم الطّويلة. أنيابهم الحادّة. رنّت في سمعي بقايا من صدى وشوشتهم وهمساتهم الملعونة في المطبخ. تسلّلت ورقة من التّقرير لتسقط من يدي. خالط حبرها بعضاً من النّقاط الحمراء المتناثرة على الأرض .