loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حارس غاضب في مدينة بيضاء

breakLine

 

حارس غاضب في مدينة بيضاء

عزيز جمال يحياوي/ كاتب تونسي

 

لم يأتِ "دجّو". غاب كما تغيب الأمطار مخلّفة معها كمًّا هائلا من الوحشة والركود. ربّما هو الشهر الخامس  أو السابع أو الثاني لاختفائه. لا أعلم تحديدًّا، الأيام متشابهة ومملّة هنا  كحصص الرياضيات في الطفولة .

كلّ ما أحتاجه من "دجّو" تلك المداعبة الخفيفة على كتفي،  أغنية من أغاني فريقي الإنجليزيّ المفضّل "بانك فليود"، بعض الأخبار عن القريّة ووعن أمي التي هجرتها وتركتها وحيدة في قبضة الشيطان. لقد زارني عديد المرّات لا أنكر هذا فلست جحودًا إنما ما  يغيظني ويحزنني في آن اختفاؤه المفاجئ والطويل وهذا كاف لكي أمحو من ذاكرتي  كلّ دقيقة عشتها معه، أعلم أنّ الأمر ليس بتلك السهولة لكنّني سأحاول وأتمنى أن يجاريني رأسي في ذلك وإلا قطعته!

الوقت يركض بلا هوادة هنا، لقد مرّت سنة ونصف منذ رحيلي عن القرية، ابتلعتني  المدينة  وصرت مثلها  باردًا  وخاويًا، عند مجيئي اكتريت منزلًا صغيرًا مطلًّا على البحر في حيّ غارق في البياض والتراخي، لم أجد أيّ شكل من أشكال التعاطف أو الترحيب التي عهدتها الجميع كان يحدجني بنظرة حادّة ومقرفة وكأنّني قتلت واحدًا منهم، عزوت الأمر في البدء  إلى  كوني غريبا ومتطفلا ولكن أدركت  فيما بعد أنّ ذلك لم يكن تجاهلا بل تقيّدًّا بالعادات التي يفرضها  هذا المكان فعلينا جميعا أن نلتزم بالصمت ونتجنب  الحركة قدر الإمكان نهارا وعلينا أن نكبت انفعالاتنا الجيّاشة التي يمكن أن تنفلت أيام الأعياد أو أثناء تلقي الأخبار السارّة وعلينا كذلك وهو الأهمّ أن لا نكلّم بعضنا البعض أو نتبادل الرسائل أو نهمس حتى، وبهذا الشكل المروّع والاستبداديّ تولد الوحدة والكآبة العامة ويقلّ مع كل ثانية نعيشها منسوب الحرارة في أجسامنا فيتجمد كلّ شيء  ، يبقى الليل متنفسا للسكارى  وللعائلات التي وهبها الحظّ أو المال منزلا موّحدًّا لتعيش فيه، يحقّ لهؤلاء ببعض الضجيج وأحيانا الاحتفال حسب مزاج الحارس العجوز، أما  أنا  فأقضيّ ليلي في تصفّح كتب الذاكرة  التي يظهر دجّو في كل كلمة  وفصل وجزء منها، لقد كتبنا الحياة معًا وقد كان شاهدًا على أوّل قصّة حبّ صغيرة وخاطفة أعيشها وأول سيجارة أدخنّها وأول كأس خمر احتسيه وأوّل علاقة حميمية أنعم بها، لقد كان شاهدًا على البدايات والنهايات أيضًا لكنّه لم يأتِ

وأعتقد بأنّه لن يأتي بتاتًا.

الساعة 16:45:

توّقفت الشمس عن تعذيبنا ، كان خلاصنا الهواء الرطب المنبعث من الأشجار والبحر الذي  عالج بلطفٍ  اللسعات والحروق، رجعت الطيور الثرثارة التي كانت جاسمة على أجسادنا إلى بيوتها، حينها خرج الحارس العجوز وعضوه المترّهل يتدلى من  فتحة بنطلونه المفتوحة ليعلمنا بأنَّ لنا الحرية  الكاملة اليوم في فعل ما نريد،  وهكذا سرعان ما اندفعت الأصوات كسدّ فتح لتوّه، وتصاعدت معها أصوات المنسيّين والغارقين في الذكريات والحالميين والشبقين الذين يتقون إلى فتح المحارات من جديد، لقد خرج الوضع عن السيطرة إذ صار من الصعب أن نميّز   أنّات الأجساد المتلاحمة  عن الضحكات والنواح، اختلطت الأشياء ببعضها مستغلّة فرصًة لن تتكرر، وفي خضم هذا المزيج النادر والمثير ارتفع صوت الحارس يأمرنا بأن  نسكت فورًا،  أطبق الصمت سريعًا  وامتدّت الأعناق لكي تسكت الفضول الذي اعتراها، كنت أعلم بأن القادم جار جديد  ولكنّني لعنته في سرّي لأنّه أتى في  ساعة متأخرة وأفسد بذلك أشياء نادرة الحدوث، فتُح المنزل المقابل لمنزلي وتمّ نقل الأغراض إليه، كلّ ما أتمناه الآن بأن لا يكون جاري الجديد ثرثارًا فلا طاقة لي للتحمّل .

-       فؤاد إنه أنا دجّو!

-        من؟

-       إنّه أنا دجّو لقد رحلت أنا أيضًا

-       يا الاهي! دجّو  كيف رحلت!!

-       قصّة طويلة سأقصّها عليك لاحقًا

-       أنا سعيدٌ بوجودك هنا لا أصدّق ما أرى

لدينا الوقت الكافي لكي نصدّق هههه أليس كذلك!!!؟ إنّه عالم جميل لكي نحيا فيه معا!  -

-       لقد أصبح جميلا الآن جميلا  بوجودك يا دجّو

-       حسنا فلتسكت الآن لديّ الكثير لكي أقصّه عليك

لقد أصبح مزاج حارس المقبرة متكدرا طوال الوقت لأنّ القبران المطلّان على البحر لا يسكتان البتّة  متجاوزين العادات والقوانين التي تفرضها المقبرة.