loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حتى إشعار آخر

breakLine

 

حتى إشعار آخر

دلندة الزغيدي / كاتبة تونسية

 

انطلقت في الملعب طيف نسيم، اندهش لمرونة جسدها، نفخ صفّارته، فتوافد التلاميذ وتجمهروا أمامه، توهّج بؤبؤ عينيها فأشعل معركة في فؤاده وخرّ سلطان قلبه لهذه العيون، أخرج زفرة تصدّعت لها روحه وتمتم: "من أيّ الأدغال أتت؟ رحماك!". أشار للتّلاميذ فتفرّقوا، رفرف ذيل شعرها، وانساب بهاؤها السّاحر.
مرّت الأيّام والتحقت شيماء بكلية 9 أفريل، لحقها جمال مصمّما على أن يكون أوّل من يغزو كلّ ما فيها، وينعم بابتسامتها التي تكفي لتوقظ الشّمس".
لمح جمال أزواجا من الطّلبة متشابكي الأيدي، والأعناق والشفاه، فقال في نفسه: "هل سيرضى هؤلاء الشباب أن يتزوّجوا فعلا بهكذا فتيات؟". وسرعان ما طرد هذه الفكرة من خاطره.
توالت اللقاءات مع شيماء، ولم يستطع أثناءها كبح جماح أشواقه ورغباته، وفي كلّ لقاء تزداد شيماء إعجابا بأفكاره الثّائرة، المتشبّعة بفلسفة جون بول سارتر، كلماته تحلّق بها في سماء لا غيم فيها، ترحل بها إلى عالم خالٍ من القيود.
التقيا ذات ليلة مقمرة في منتزه يحتضنه جبل النّحلي حيث تكثر أشجار الصّنوبر المتشابكة الأغصان، وتتسلّل من بين أفنانها نسائم عذبة، رقّ قلب جمال وقد توغّلا في المسالك المتعرّجة لحال نسرين كئيبين سُجِنا في قفص، واجتاحته هو بدوره كآبة لمرآى إناء فخاريّ فيه بقايا ماء راكد ملوّث، قبض على قضبان القفص قائلا: "أودّ تهشيمه! لمَ يحبسون الطيور؟ أما كفاهم حبس البشر؟ لعلّكِ لا تدركين يا عزيزتي معنى أن تحبس كائنا، ناهيك عن الطّيور، فالطّيور التي تُسجن في القفص، تعتقد أنّ الطيران جريمة".
عارضته شيماء: "ينطبق هذا على الطّيور فقط، أمّا بقيّة الكائنات ففي قيدها تقنين للحياة أحيانا".
ردّ جمال: "لا تقنين، فإمّا أن تكون حرّا أو لا تكون".
أسدل اللّيل جبروته، وبان وجه شيماء قطعة ضياء، عيناها نجمتان متوهّجتان أنارتا دهاليز قلب جمال. رأته وكأنّها تراه لأوّل مرّة، بطل خرافي، انعكس نور القمر على بشرته النّحاسية، وانفرج قميصه على صدر كغابة نبتت فيها سنابل خضراء، استنشقت شيماء رائحة عرق رجالي هيّج هريرها، تشابكا كزوج من الثّعابين، وغرقا في وطن من الحروف، وقصائد من الغزل.
بين لهيب الوجد وسعير الشكّ، اندلعت ثورة في نفس جمال، أنّى له أن يوفّق بين أفكاره الجامحة وموروث استوطن ثنايا روحه، وداهمه ذلك السّؤال "هل سيرضى هؤلاء الشباب أن يتزوّجوا فعلا هكذا فتيات؟". فأفسد عليه حلاوة اللّحظة.
كلّما طرق هذا السّؤال رأسه يهرب ليتذكّر شيماء، ويتذكّر نصيحة صديقه "اعشقْ مارلين مورو وتزوجْ راهبة" فيتمزّق، ثمّ يقنع نفسه بقولة عشِقَها حتّى الجنون: "أن أتحدّى هو أن أقول لا". انتهى به التّحدي بأن تزوّج شيماء، وأنجبا زهورا.
لم تطفئ السّنوات الستّ التي قضّياها معا نار شكوكه، فلئن تمشّجت روحه بنسائم حبّ شيماء، ظلّت اللّقطات الحميميّة التي استلذّها قبل زواجهما لهيبا مستعرا يحرق متعته الحاضرة، وتزوره تلك الأفكار المتناقضة كلّما خلا بنفسه، فيوقن أنّه لن يبلغ السّعادة مادام يرفض النّواميس، ويأبى أن يتخلّى عنها، طباع موروثة يكرهها، قهرته ولم يستطع الانعتاق من أسرها، تلاحقه حتّى شطرته نصفين، فلا يتذوّق حلاوة الذّكرى ولا يستمتع بجمال اللّحظة. يهرب من البيت لتتلقّفه الشّوارع، فتحاول شيماء جبر الكسر قائلة: "جمعت نجيمات السّماء وأوقدتها شموعا لتنير جوف حبّنا، حدّثت الله عنك، وأخبرته أنّ قلبي معقود بقلبك، ودعوته أن يجعل رفقتنا دائمة، ولا يمسّنّ قلبك حزن أو وجع". تزيد كلماتها في انهيار صرح روحه، وانتهى هذا العذاب بالرّحيل. عانق بحر الليل شاردا في ظلام مُصْحِر وغادر إلى العدم.
تاهت شيماء في أدغال الحياة، لم تدع بلدة إلّا ذهبت إليها بحثا عن جمال، أضحت ملحمة صبر، زرعتْ قسوةُ الحياة فيها جسارةً، فشعّ الكفاحُ من مخالبها، ذهبتْ لتستلم راتب زوجها المفقود، فصعقها الردّ: "لا يمكنكِ استلامه، إلّا إذا استظهرتِ بشهادة وفاته". تساقاطت دموعها حتّى روت الأرض، لكنّها رفضت إدراج اسم زوجها في قائمة الأموات، فأملُ العودة يحدوها، إذ لم تطلق شيماء على غياب جمال غيابا، لم تحرق ْذكرياته فلا تزال تأمل لقاء وعناقا، ستسرع لتستقبله يوما مع ذات دقّة جرس.
"ماما متى سيأتي بابا؟" سؤال يفنيها، ويجعل ليلها حدادا أبديّا، فتتظاهر بالشّجاعة وتُنوِّع الأجوبةَ لتصبّ في اتّجاه واحد: سيأتي في أيّ لحظة، قناعة ترسّخت لدى ابنتها، ثمّ تختلي شيماء بنفسها، وتأخذ قميصه لتنغمس في مناجاة: "أنا التي أشمّ رائحتك ولا أراك، أنا التي تناثرت فيّ أمراض الذّكريات، قميصك الأبيض قوافيه أنين، وحروفه ترنيمة حنين".
ظلّت متعلّقة بحلم العودة، موصدة كلّ الأبواب، وكلّما فاتحها أخوها في أمر الزّواج ثانية، ردّت مستنكرة: "بعد السيف نعلّق منجل؟". عذّبها جمال بلهيب الشّك، وستثبت أنّ شكّه مجرّد وهم.
ثلاثون سنة من فراق أنهك شيماء التهمتها الوحدة بعد أن انفضّ أولادها من حولها، وابتلعتهم مشاغل الحياة. تسرّب إليها اليأس من عودة جمال فعوّضته بجمال آخر.
في ليلة صيفيّة لمّا انشطر جسد الليل إلى نصفين، دخل زوجها ليهجع بعد أن أضناه صمتها، ظلّت جالسة في الحديقة ولم تفارق عيناها نجمة قد دنت حتّى خالت أنّها يمكن أن تأخذها في راحتيها، ودندنت:
ع الّي ماتو
يا عين ما تبكيش
ع اللي ماتو
ابكي على الحيّين
كيف تخاطو
شيّعت عيني الفوق
ريت النّجمة
زارتها نجوم منتزه النّحلي، وألحان تلك اللّيلة بكلّ تفاصيلها. قطع الجرس ذكريات ٍكعناقيد تدلّت على مقبرة الرّوح. فتحت الباب فإذا به يقف أمامها، تلاطمت أحاسيسها وتدافعت في فوضى اللّامعقول. جلدته بنظرة ساهمة، سمعت همهمة، استدارت لترى زوجها واقفا في الشّرفة، نظرت من جديد إلى جمال وقد تاهت الحروف على شفاه الكلمة.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي