loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حصان القصب

breakLine

 

حصان القصب


 أزهر جرجيس - قاص عراقي

   لم يعد قادراً على مواصلة الكلام، فتوقف عن الترجمة وصار يبكي مثل طفل. كانت تلك المرة الأولى التي يصمت فيها أثناء جلسات التحقيق. لقد استمع لآلاف الحكايات من قبل وترجمها دون تأثّر، فقد اعتاد أن يتظاهر بالجَلادة أحياناً، والبَلادة أحياناً أخرى، وكان لا يكترث لمشاعر المهاجرين وهم يروون قصصهم وحكاياتهم. المترجم كالطبيب، يخلع قلبه قبل أن يلج صالة العمليات. لكنّ حكاية الشاب نبيل فوزي المؤسية، كانت قد آلمته كثيراً، ولم يقدر منع نفسه من البكاء.
   كان نبيل مطارداً بسبب ثأرٍ بائت لجريمة لم يرتكبها، فقد كان أبوه يعمل سائقاً بين المدينة والأرياف، وفي ظهيرة ساخنة دهس عجلاً وهرب. لم يكن الأب قادراً على دفع الديّة، فقرّرت تلك الجماعة أن تكون حياة الابن ديّةً العجل المدلّل. حياة العجول أغلى من حيوات سيّئي الحظ في البلدان الساخنة. أفلت نبيل في ذلك اليوم الصاخب، ولكن الأقدار أوقعته في قبضة جماعة أخرى اقتادته إلى جملون مهجور خارج المدينة. أُلقي مكتوفاً هناك وحُرم من الطعام لثلاثة أيام. حاول أن يفهم ما يدور حوله لكن دون جدوى، فالحرّاس متكتمون وكبيرهم "الباشا" لم يصل قبل ثلاثة أيام بلياليها. وحين وصل كان برفقته طبيب.
   "دكتور شوف شغلك." قال الباشا بعد أن أمر بإحضار نبيل، فأخرج الطبيب أبرة مخدرة غرسها في ذراعه ببرود. نام لساعتين تقريباً، لكنه حين أفاق كانت عينه اليمنى معصوبة، والصداع يكاد يفجّر رأسه. "وين عيني؟ وين عيني؟ وين عيني يا أولاد الكلب؟" كان نبيل يهتف ولا أحد يجيب. لقد سلبه الباشا عينه اليمنى وغادر. صرخ المسكين بعد ذلك، لطمَ، ناحَ، ولولَ، بكى وفي النهاية همدَ. لقد صار أعور العين وعليه أن يقضي حياته بعين واحدة. "لا بأس." قال في سرّه وهو ينتظر أمر الباشا للإفراج عنه بعد أن يئسَ من عودة عينه. لكن الباشا لم يعد إلا بعد عشرة أيام، ولم يكن بمفرده. لقد عاد برفقة الطبيب ذاته، "دكتور شوف شغلك."
   حاول نبيل الفرار هذه المرة لكن دون جدوى. كان مشدود الوثاق. وبعد ساعات أفاق من البنج. هَذى ثم بكى بعد أن شعر بألم في خاصرته. لقد ذهبت كليته اليسرى وصار لزاماً عليه أن يقضي حياته بكلية واحدة بعد أن تُرك وحيداً في ذلك الجملون القذر.
   إلى هنا، لم يتأثر المترجم بالحكاية ولم يتوقف عن مواصلة نقلها إلى الألمانية. كان يترجم الكلام ويضحك في سره: "هِه، كلاوچي، يريد يقشمرهم." فالمهاجر كاذب حتى يثبت صدقه، هذا ما يؤمن به العاملون في دوائر الهجرة عادة. لكنّ قصة الشاب نبيل فوزي لم تنته بعد. لقد تعكّز على الأرض وخرج من الجملون. كان عليه أن يُكمل الطريق بأيّ ثمن. زحف حتى وصل إلى الجادة الرئيسة. رمى بنفسه على الإسفلت علّه يحظى بمنقذ. مرّت الساعات، والطريق فارغة. سقط قرص الشمس وحلّ الظلام. انفتق خيط العملية وتضاعف الألم فأُغميَ عليه. وفي الصباح أفاق ليجد نفسه في المشفى. لقد عثر عليه أحدهم في الليل ونقله إلى هناك. وحين استعاد وعيه قدّم شكوى لدى الشرطة، لكنها قُيّدتْ ضد مجهول. المجهول هو المجرم صاحب الإضبارة الأكبر في مراكز الشرطة. كسل المحققين جعله المتهم الأول في العالم.
   آمن نبيل في تلك اللحظة بأن لا مكان له في وطن سلبه عينه وإحدى كليتيه وأضاع حقه مثل قشة في حقل شوفان، فدفع كل ما يملك من أجل أن يعبر الحدود نحو أوربا. سافر بجواز مضروب نحو تركيا ومن هناك سيعبر الضفة نحو اليونان. لكنه، لم يزل سيء الحظ، فنشب بينه وبين المهرّب الساقط خلاف جعل الأخير يضمر له، وفي بداية الطريق أسقطه من الزورق ليعود سباحة نحو الشواطئ التركية. أمسكت به الجندرمة هناك وأودعته السجن ثم أُلقيَ على الحدود العراقية ليقع بيد الاستخبارات. نام في واحد من سجونها المظلمة لعامٍ ونصف العام ذاق فيها ما ذاق. فكان أسوء ما ذاق هو أن يُلاط به إمعاناً في إذلاله.
   كان مطأطئاً يروي كيف أمر المحقق الحرّاس بتعريته واللواط به، وكيف أنّ الأمر قد تكرر عشرات المرات حتى بات لا يقاوم حين يؤمر برفع عجيزته. كان حين يؤتى به من الزنزانة إلى غرفة التحقيق معصوبَ العينين، يقترب منه ذلك المحقق ليهمس في أذنه: "اعترفْ لا أشُقّك." ولأنّه لا ذنب لديه ليعترف به، كانت النتيجة أمسيات عذاب أبطالها حرّاس ساقطون يتسلّون به ثم يضربونه ويبصقون بوجهه وهم يهتفون: "خائن.. خائن.. خائن.."
   "خنت من أنا؟!" يتسائل نبيل بانكسار بعد كل فصل من فصول حكايته المؤسية، مما أثار مشاعر المترجم الذي توقف عن مواصلة الترجمة وشرع بالبكاء، فأمر المحقق حينذاك باستراحة قصيرة، اصطحبه المترجم فيها إلى البالكون وقدّم له سيجارةً وقدح قهوة وطمّنه بأنّ النتيجة ستكون في صالحه وسيحصل على اللجوء في ألمانيا.
   "كيف وصلت ألمانيا إذاً؟" وجه المحقق سؤاله بعد استئناف جلسة التحقيق، فكان جواب نبيل مختصَراً: "حصان القصب"! أعاد المترجم عليه السؤال: "كيف وصلت ألمانيا؟" فرد بحزمّ: "قلت لكم: حصان القصب." حينئذٍ نقل المترجم الجواب حرفيّاً وهو يتبادل نظرات الاستغراب مع المحقق، ثم طلبا منه أن يشرح ذلك، فاعتدل نبيل في جلسته وقال:
   "حين خرجت من السجن، عدت إلى القرية متخفياً. اشتريت قصباً وحبالاً واتخذت مكاناً سريّاً خلف الدار. رسمت على الورق حصاناً عالياً بجناحين عظيمين، ثم بدأت بالتنفيذ. وبعد ثلاثة أيام من العمل المتواصل كان حصان القصب شاخصاً أمامي. نصبت في اليوم التالي أفخاخاً للغربان، فكان في حوزتي بعد ليلة واحدة ستةٌ وستون غراباً أسود. ذبحتهن وصبغت بدمهن حصاني، ثم وضعت في فمه عظمة هدهد موصولة بسيرٍ جلدي، ودسست في مؤخرته قرن فلفل حار. اعتليته بعد ذلك ممسكاً باللجام وهمست في أذنه، فطار."
   مندهشاً كان المترجم وهو يستمع لتلك الرواية، بينما ينشغل المحقق بتدوينها على الـ كي بورد. طلبا منه أن يسترسل، فأردف وهو يرفع يده مزهواً:
   "نعم نعم، لا داعي للدهشة أيها المحقق الجليل، فأنا ابن حضارة تطير فيها الثيران، فما بالك بحصان رشيق؟! لقد حلّق بي حصان القصب هذا بعيداً حتى رأيت العراق بحجم كف! ورغم أنّ الأقدام قد وطأت جبهتي فوق أرضه مثل نملة، إلا أنني قد بكيت تلك الأرض واعتصر قلبي ألماً حين أشحت بوجهي عنها. كفكفت دمعي إذ ذاك وأدرت الدفة غرباً، فحلّق بي حصاني العظيم لخمسة أيام كاملات حتى رأيت علماً بثلاثة ألوان: أسود، أحمر، أصفر فقلت له انزل بنا يا صاح فإنّي قد سمعت أبي ذات يوم يقول بأنّ في هذه الأرض امرأة قدّيسة، تشرب البيرة وتُتريع المروّة. فهبط بي حينئذٍ حصان القصب واحترق."
   أنهى المحقق الجلسة وأمر بتحويل الشاب نبيل فوزي إلى مستشفى الأمراض النفسيّة. سينام هناك تحت رعاية ملائكة رحيمة قد يُنسينه ما حلّ به. وفي المصعد نحو الطابق السفلي، اقترب منه المترجم وسأله عن الكلمة التي همس بها في أذن الحصان حينذاك، فقال نبيل: "طيرْ لا أشُقّك."