loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حكاية امرأة مبالية

breakLine

 

حكاية امرأة مبالية


فاطمة حسين/ كاتبة سورية

تصحو مع آخر النجوم المتساقطة في هيبة الفجر.. السماء تبدو في صراع بين الظلام والنور فتبدو الاشياء غامضة متدثرة في ظلام ازرق يمنحها جلالا ورصانة... تنهض.. وينهض معها اربعة عشر ربيعا.. تعدو كغزالة في هذا البيت الترابي الواسع تعيد لها الشمس ملامحها بالتدريج وتعيد الاشياء لمسمياتها بعد ان منحها الفجر اشكالا اخرى.. تخرج من الحظيرة وقد انهت المهام وعجنت العجين كي تصنع امها الارغفة الساخنة للعائلة تربط على راسها منديلا وتشد حزاماً ترفع به ثوبها المتدلي وتسوق امامها قطيعا صغيرا من الاغنام.. تسير على طريق طويل في منعطفه الاخير مدرستها التي اخرجت  منها مرغمة، بعد ان حصلت على اعلى مجموع بين الطلاب وقد كرمها استاذها والادارة في حفل مدرسي عبر  اذاعة المدرسة.. كلما تذكرته انهمرت الدموع سخية من عينيها..في  كل يوم تمر من ذلك الطريق المؤدي  للمدرسة كي تلمح الطلاب والاستاذ وتقيس دون جدوى حجم خيبتها.. فتعيد عليها الذاكرة ماقاله لها استاذها  وقد سعى جاهدا في اقناعها بالبقاءفي المدرسة وكان ينوي  مقابلةوالدها كي يثنيه عن قرار اخراجها لانها  فتاة مجدة ومتفوقةومن الغبن تحطيم حلمها  وتحنيط حياتها واحالتها لامرأة ريفية جاهلة،  ردت عليه   بأنكسار شديد والدموع تقطر  من قلبها ان الفتاة عندهم تدرس المرحلة الابتدائية فقط كي يتسنى لها قراءة القرآن.. لكن الاستاذ اصر ان يقابل والدها فرفضت بشدة خوفا منها ان يقسو والدها على استاذها  كما يفعل دائما معها... ومضت.. تاركة حلمها على السبورة وبين المقاعد.. مرت ثلاثة اعوام وهي تسير على طريق المدرسة فيخضر قلبها وتبتسم للطلاب وللاستاذ الذي يستوقفها احياناَ كي يسأل عن احوالها.. اخر مرة رأها الاستاذ قال لها عائشة... ردت دون تفكير لا انا ميتة.. هذا اسمي منذ ان رحلت من هنا. كانت محطمة القلب وسريعة العطب فأن سألها احد مابك.. انهارت باكية .. اخبرته انها سوف تتزوج الصيف المقبل من ابن عمها الذي يشبه اخيها بالقسوة والتسلط وتنتقل من خدمة ابيها لخدمة عمها الذي هو ظل آخر وصورة طبق الأصل عن والدها  لكنه اشد قسوة.. ولسانه اشد سماً... فماهي فاعلة بهذه الحياة.. وهذا الدوران في الفراغ كحصان الساقية.. تأثر الاستاذ كثيرا بحزنها وبمصيرها الذي يشبه الحكم بالاعمال الشاقة المؤبدة لطفلة كان ذنبها الوحيد انها ولدت انثى في مجمتع ذكوري ورث الغباء والبشاعة وحب الذات.. اخبرها ان تهدأ واهداها كتيب من اشعار نزار قباني كان قد جلبه لها منذ فترة لكنه لم يلتقي بها   كي يمنحها اياه، ضمت الكتاب لصدرها الصغير المليئ بالأوجاع ومضت ترعى اغنامها وهي تقرأ شاعرها بشغف.. وقد اخذت من العنوان حكمة  لأخماد نيران الاسى في روحها.. يوميات امرأة لا مبالية.. هل ستكون عائشة غير مبالية.. وقرأت
ثوري احبك ان تثوري..
ثوري على شرق السبايا والتكايا والبخور
ثوري على شرق يراك وليمة فوق السرير
كانت تعيد على نفسها الابيات وتستمد القوة منها.. حين زارهم عمها وابنه لم تخرج عليهم.. بل كانت مستلقيةتقرأ وكان غيض امها كبير.. ورفضت الخروج لأستقبالهم.. وفي الصباح حين عادت من رعي الاغنام وجدت امها تنسج حكاية طويلة  عنها لدى والدها الغاضب.. وبدأ كيل الشتائم لها والتهديد فتقمصت  بطلة نزار في اللامبالاة وهمست ببرود وأسى: لان اتزوج ابن اخيك.. فهاج وماج الاب ولم تعلم كيف تردئ عن جسدها الصغير هذا الطوفان من الجلد والضرب.. حتى خرجت بندوب في جميع انحاء  جسدها المتألم اصلا من وجع الروح المثقلة.. تنظر من نافذتها الى البيت المقابل لخيباتها.. ترى الفتيات سعيدات بمابهن من قيود.. راضيات بهذا الخواء الكبير.. تمنت ان تكون مثلهن دون احلام دون الشعور بهذا الغبن وهذا الظلم لعنت اختلافها.. فلم تطل حريتها ولم تحصل على سلامها الداخلي باستسلامها التام لذلك الجهل المحيط بها حد الغرق وهذا السواد الجائر الذي يحاصر بقعة النور ويطاردها حتى الفناء...
عادت من المرعى وقد استقلبها اخوتها الصغار يحملون عرائس الزعتر ملفوفة بورق ابيض مليئ بالكتابات على غير عادتهم.. نظرت جيدا إلى امها المنغمسة بصنع لفائف الخبز بالزيت والزعتر ووجت كتابها بجانب والدتها تشق منه الاوراق بشكل عبثي وتغطي بها العرائس.. ركضت عائشة كي تنقذ ما تبقى من الكتاب تقاذفته ايدي اخوتها ورماه احدهم في التنور الذي لم تطفئ ناره بعد.. 
وقفت بصمت ويأس كبير  واخذت تراقبهم وهم يسخرون منها ويضحكون وهي عاجزة امامهم تماماً، تنظر الى امها بحزن..( لو تعلمين  ان هذا الكتاب ينصف انوثتك ويرتقي بك من مرتبة الخدم لتاج الحرية لما فعلت هذا يا أمي) ... لن اسمح لأبنتي ان تأتي لهذا العالم البغيض وتقاسي مااقاسيه... 
بعد ايام ذهبت عائشة كي تغسل الصوف الذي سيكون فراش عرسها.. تركته خلفها واخذت تغوص في النهر الكبير لتحكي له حكاية حزينة عن امراة مبالية.. بكل شيئ مبالية حد التلاشي والتشظي ... اسلمته روحها.. فنبتت هناك شجرة صفصاف حزين تروي للعابرين يوميات عن نساء قتلتهن الجاهلية ووأدتهن احياء.