loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حلمٌ بعبقِ النارنج

breakLine

 

حلمٌ بعبقِ النارنج

ريم قيس كبة / كاتبة عراقية

أشجارُ نارنجٍ موغلةٌ في الذاكرة.. أتفيّأ ظلَّها وأشمُّ رائحةَ ورقِها وهي تصطفُّ على جانبيّ طريقٍ ترابيٍّ قصيرٍ جداً.. لكنه يطولُ بعينيَّ إذ يعبرُ البابَ الأماميَّ لحديقةٍ متراميةِ الخضرةِ والماءِ والقلوبِ الحنونة.. أتطلّع حولي ولا أرى منها إلا وجهينِ باسمين.. وكثيراً من وجوهٍ اندثرتْ وحلَّ محلّها صمتٌ وترقّبٌ وأشياءُ اُخرى لا تشبهُ طفولتي ولا أولَّ حبي أو آخره.. ووجوهٍ اُخرى لم تعدْ تشبه نفسها إلا بالاسمِ وقد اضمحلَّ فيها الفعلُ المضارعُ وبقيَ الماضي على حالِهِ برغم شوائبِ الذكرى.. 
..
اُحسُّ أحياناً أني لستُ إزاءها أكثرَ من نسخةٍ سيّئةٍ عن نفسي.. نسخة احتلتْها الحروبُ وأوغلَ في أفكارِها الدمُ وملأتْها أشلاءُ الجثثِ وصورِ النازحين.. وأتساءلُ كيف أني كنتُ ذات يومٍ أتراقصُ واُحبُّ على أنغامِ الرصاصِ وصوتِ دويِّ القنابلِ وأنا اُصرُّ على حياتي؟.. هل كان للحياةِ معنى في ظلِّ أوّلِ الحروبِ ولم تعدْ كذلك الآن؟
..
اليوم وهنا.. صارت المعضلاتُ تتخذُ حجماً أكبرَ من حقيقتها ألفَ مرّة.. حتى بتُّ ألفي نفسي مرّاتٍ وأنا اُغمضُ عينيَّ وأصمُّ اُذنيّ وأصرخُ صرخةً مكتومةً وأنا اُغلقُ ملفَّ القلبِ وأكتبُ عليه عبارة: "حالةٌ ميئوسٌ منها"!
..
أتلمّسُ ظلمةَ اليومِ باحثةً عن حماسةِ الأمسِ فلا ألقى أمامي سوى طينٍ ووحولٍ تغرقُ فيها خطاي.. طينٌ لا يشبهُ تربةَ أرضي التي غابتْ ولن تعودَ في أقصى أقاصي الحلم.. أجرُّ النسخةَ السيّئةَ مني وأضعُها في الفراشِ وأنا اُحاولُ النوم لأتشبّثَ بحلمٍ من عبقِ النارنج.. أبحثُ في أعضائي عمّا تبقّى من تعايشٍ سلمي قد ينقذُ ما بقي من ريشٍ وأجنحةٍ اُرمّمُها برسمِ الطيران.. أصحو بعد ليلةٍ من كوابيسَ تصارعُ أملاً متردّداً.. لتتنازعني مشاعرُ متناقضةٌ مضطربةٌ تؤثّثُ يومي بتقلباتِ أنوائِها وعواصفها وساعاتِ صفوها.. اُحاول أن أتوازنَ بخطواتي وأنا أسيرُ على دربِ الدقائق.. فأقطعُ الساعاتِ مترقّبةً أو منفعلةً أو غائبة.. 
..
أقفُ صاغرةً على قدميّ.. اُسمّرُهما بالأرضِ علنيّ أمدُّ فيها جذوراً تقوّي عزيمتي ولو سقيتُها دمعاً سخينا.. اُعدّلُ من استقامةِ جذعي وأنا أتشبّهُ بنخلةٍ كنتُها ذات شاطئ.. اُحاولُ بإصرارٍ وأنا أتذكّرُ مصائبَ العالمِ أن أهوّنَ على جسدي وطأةَ مصائبِه.. واُردّدُ مثل تلميذةٍ تحاولُ أن تعوّضَ مافاتَها: "شكراً لكل لحظةٍ كانت وكل لحظةٍ أحضرُ مراسيم لقائِها.. شكراً لكل شيءٍ جميلٍ لم يحدثْ بعد.. وكل قبيحٍ يحدثُ رغم أنفي.. شكراً لكل حروبي فقد صرتُ بها أقوى.. شكراً لموتي فقد كبرتُ به عشرين حولاً وصرتُ أكثرَ حكمة.. شكراً لأوجاعي ولساقي التي انكسرتْ فجعلتْني اُدرك قيمةَ رقصي.. شكراً لبسمتِكَ التي منحتْني السَكينةَ بعضَ الوقت.. وشكراً لغدرِكَ الذي جعلني أعرفُ نفسي أكثر.."
..
يتلبّدُ الغيمُ أسودَ في سمائي فيحجبُ عن رئتيّ أنفاسي.. لكنني أبقى أنتظرُ المطرَ وأنا أحتمي بعبارةِ جدّتي بأنّ المطرَ خير.. أترقّبُ الريحَ وهي تعصفُ عاتيةً فأحتمي منها بذراعيّ أو أختبئُ تحت جناحيّ بانتظارِ مرورها.. وما أن أشهدَ الخرابَ وأبكي على أطلالِ أرضي حتى اُتمتم: "شكراً للريحِ التي اقتلعتْ شجرَ روحي فمنحتْني أرضاً خاويةً وأملاً بزرعٍ من فرحٍ وحبٍّ جديد!"
..
المأساةُ أكبرُ من حجمِ قلبي لأستوعبَ فداحتها.. لكنني أجدُها في أحيانٍ كثيرةٍ أصغرَ من ابتسامتي بكثير!.. هكذا اُعلّلُ النسخةَ الأصيلةَ من نفسي.. وبالأحلامِ أملؤها.. وأبقى مصرّةً أن أرنو الى انبلاجِ فجرٍ جديد..