loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

حيامن

breakLine

 

 



أحمد إبراهيم السعد /قاص عراقي

 

 

-1-

  لا أذكر ، ربما هي المرة الرابعة ، التي أدخل فيها المختبر . أشار ألي زميل مرضي المخضرم والذي تصدر الحديث معي منذ لحظات دخولي ، وجلوسي ، في عيادة طبيب الأمراض البولية والتناسلية قال باهتمام منفلت من حدوده : ( أفعل مثلي أذهب إلى المختبر أولاً وتأكد من نسبة قوة حيامنك بعدها عد إلى الطبيب .)
أطلب الجلوس في العيادة . أتوق لصمتها . أتلذذ بمناجاة عيون المنتظرين لبعضهم بصبر خدران . أتفهم أو أحاول فهم لغتها المتكسرة داخل أشكال الأجفان ، وزئبقية الأحداق . الرائحة .. نعم رائحة المكان .. ربما هي رائحة الأجساد .. هل هي رائحة المرض ؟ من الكذب الإقدام على وصفها ، لكن يمكن مسكها مثل قميصي الذي يعريني خلعه . في العيادة كلما طال جلوسي عرض خيالي ، وخف جسدي . أغدو مثل شبح يدخل بيوت المرضى الجالسين . يكون معهم ، وهم يمارسون عاداتهم السرية والمعلنة ، ومن سحنة وجوههم يخلق ملامح أبنائهم ، ومن حركاتهم يظهر طبائعهم . وحينما يرى بعضهم على دكة المغتسل يثقل جسده ويصاب بالعمى ، فتنتابني أنا الجالس بانتظار دور دخولي إلى الطبيب رغبة جامحة بخلع قميص الرائحة ، وثمة ندم كأنه الشعور بالذنب على وقتهم المهدور في صالة الأنتظار . بعضهم سيشيخ في رأسي بلا شفاء ، ومن غير أبناء ، وهل سأشيخ أنا وحيداً مثل كلاب البيوت ؟ أنبح .. أنبح بوفاء ، وبعد ذلك أمصمص عظمة انتظاري . ولكنني في الأخير دائماً ، وعندما أغادر العيادة أشعر بالخجل من المتعة التي أحسست بها . 



-2-
  في الصباح شعر بقبل زوجته على  وجهه ، ورقبته ، وجبينه . جانب يقظ من رأسه يقول ألم تشبعها ليلة الأمس ، وجانب نائم عالق في الحلم  بصحراء لا نهاية لها . صحراء من حجر ما خلا موضع قدميه الغائرتين داخل رمل يتغير لونه كل لحظة ، لم يحاول تحريكهما ، لكنه مقتنع بأنه لا يستطيع فعل ذلك ، كما أنه يشعر براحة وسكينة المستلقي على سرير ، وأن باطن قدميه تقفان على طراوة لحم جسد . يتحول مربع الرمل الذي يقف فيه إلى جمر بارد، وثمة سرب نمل كخط  أسود ، يسير ولا يعبر دائرة الجمر التي سرعان ما تغير شكلها أيضاً  إلى ما تشبه العين ، والنمل تجمع وسطها ليكون بؤبؤها ، ما عدا نملة تخلفت ، وبدأت تتسلق أحدى ساقيه صعوداً إلى رقبته ، وأذنه ، وجانب من وجهه ، ثم تحركت ببطء دبق على جبينه نازلة من بين حاجبيه لتستقر في عينه اليمنى . أراد أن يحرك يديه فلم يقدر ، وحينما نظر إلى الأسفل وجد قدميه واقفتين على جسد ه هو. كان عارياً ، وثمة عضو ذكري على جانب قلبه ، والنملة التي دخلت عينه  تسير بعشوائية على الجسد الممدد ، ثم اختفت ، لكنه بدأ يحس بدبيبها اللذيذ داخل روحه ، ورأى العضو الذكري ينتصب ، ويد أنثى سمراء تقبض عليه وكأنها تريد انتزاعه من لحم القلب . أخذ قلبه ينبض ، وجانب من عقله اليقظ يقول خذيه فهو مثل أفعى تلدغ ولا تسم . وجانب من رأسه العالق في الحلم يرى العضو وقد تحول إلى أفعى . 

-3-

  أنا الآن في خلوة استمناء . ما المخجل في هذه التسمية ؟ في إحدى مرات ارتيادي المختبر تشاجر رجل متوسط العمر مع أحد العاملين فيه . لم يستح الرجل الذي تبدو عليه إمارات الوقار وبقايا وسامة قروية من الصراخ في وجه الآخر : (الاستمناء حرام جملة وتفصيلاً .. هل تفهم ؟ أنتم تجعلونا نتخيل  - أعوذ  بالله – نساء غريبات نجامعهن في رؤوسنا ونقذف نطفة حرام )
  حرك الآخر رأسه بالإيجاب ، وملامحه الضخمة تعبر عن شيء آخر . أراد أن ينطق لكنه ابتسم ، ثم نطق وهو يمد بوعاء التحليل إلى الرجل  : حسناً أقذف في هذا من غير أن تتخيل .)
  وجدت من الصعب ، بل من غير الممكن أن لا أتخيل . وجهي قبالة حائط المرحاض الذي يشيع دهانه الأصفر الإحساس بالعدمية . غيرتُ اتجاه وجهتي ، سأرى حيرتي وانطفائي في المرآة ، وسأفكر بآدميتي ، وبمعنى كوني إنساناً ،وبملامحي التي يعرفها الآخرون أكثر مني حتى لو عشت ومت أمام مرآة ، سأفكر بأسطورة الأربعين الذين يشبهوني ، وسأتذكر  ذات الأسئلة : لماذا أربعون  .. ومن قالها .. وهل أبقت الحروب على بعضهم ؟ تركت المرآة خلفي وآثرت الوقوف أمام باب المرحاض المغلق عن الخارج ، والذي  تصلني رائحته أكثر من جلبته . في يدي رغوة الاستمناء وفي الأخرى وعاء احتواء المني المفترض  ، ولا سبيل غير إغماض العينين ، والبحث في سهوب الذاكرة عن نساء مثيرات. هاجس أخلاقي نحا بي هذه المرة صوب فكرة خلق وجوه تريدها نفسي . الخلق الذهني بطريقة (كن فيكن ) أوجد وجوه قبيحة في رأسي الهائم في فضائه التكويني ، وهكذا كلما لملمت ما أشتهي من ملامح وأعضاء محاولاً تركيبها لخلق امرأة خلوتي ، ولحظة أبادر لمس اكتمالها تتلاشى قيمة واحدة من اثنين أما الوجه  أو الجسد!! ماذا دهاني هذه المرة ؟ وحتى عندما كررت ما مارسته المرات السابقة  والمكللة بالنجاح العسير ، وهو استحضار نساء حقيقيات أعرفهن تبوء محاولتي بخذلان تعريتهن . رغوة الاستمناء جفت في يدي ، ووعاء المني الهين الفارغ بدأ يثقل في  الأخرى .. هل أفتح عيني ؟.. باب المرحاض القبيح المغلق يقول : كلا ، وأنا أقول : نعم مغمض العينين على أحضان بحر لا شواطئ له . 

***
  كأن بحر الخيال المتلاطم في رأسي هو الذي قذف بتلك اللوحة . لوحة الألوان الخضراء .. الزرقاء .. الحمراء .. البنفسجية .. الصفراء . لا أفهم تلك العيون المختفية وراء سحب خفيفة ، واللون الأحمر أو القاني فيها يشعرني برائحة الرمان ،والأشكال التي تشبه مرجان البحر توحي بالحلم والغوص عميقاً من أجل استكشاف المستحيل ، وزوارق ذهبية تعبر ذاكرة اللون بأجساد حوريات . رطب تعرق يدي رغوة الاستمناء ، وأثار في المكان رائحة حمامية . من أين لي بغيمة سوداء تطفئ عين القمر في اللوحة ، وتصيب العيون التي ترصدني بالعمى  كي أنزل حيامني؟ انزويت خلف شجرة ورأيت ظل الحوريات المنعكس في الماء . كانت أجسادهن تتموج .. تتموج ، والألوان تتداخل .. تتداخل ، ثم ترشحت لتبقى كالسراب الذي يثير الأطفال في مرايا الصبح والظهيرة . هل أفتح عيني ؟  الطارق على  باب المراحيض لاستعجالي يقول : نعم
  وكل عقلي يقول : ليس في لوحة حوريات العين التي أتذكرها جيداً، والمعلقة خلف مكتب طبيب الأمراض البولية والتناسلية  ظل ينعكس في الماء ، ولم تكن خلف الغيوم الربيعية في سماء جنة اللوحة عيون تتربص ،  ومن أين جاءت تلك الشجرة التي انزويت خلفها ؟ أمسكت وعاء منيي وكأني امتلكت يقين الخيال ، وفتحت باب المرحاض ومشيت إلى دنيا تقول الحقيقة أكثر مما توحي .


-4-
  بادلها التقبيل ، وحينما أزاحت الغطاء عن جسده العاري قالت : صباح الخير يا أفعى .
  طلب منها أن تعيد العبارة ، ثم أخذ يتطلع مطولاً في ظاهر يدها السمراء . كان جانب من عقله يرغب في الحديث عن الحلم ، والجانب الآخر يعتبره مثيراً لكن من العبث رويه ، أنه كمثل مصيبة نسمعها فنتأثر لبعض الوقت بصورتها الصوتية ، أما الصورية فتعيش في ذهن من رأى . أخذ يتطلع لجسدها العاري وهو يتحرك كفارس على صهوة جواد ، ولعينيها المغمضتين اللتين تسيران بها إلى عالم يجهله . عالم يقرب مسافاته جسده الممتطى . خطر له أنه لو أغمض عينيه سيتسنى له رؤية خيالها ، وقفز إلى رأسه خاطر أنه مجرد حصان ، وما يدور خلف أجفانها المسدلة رجل من صنيع الخيال أو الواقع . قالت بصوت مرتجف : لا تدع الأفعى تنام في منتصف الطريق .
  طلب منها أن تمتطيه مفتوحة العينين ، فطلبت هي تبديل وضعها : هي الجواد وهو الفارس . ولأن عيونهم بقيت مفتوحة بقيت مسافة التقائهما بعيدة ، ولم ينزل الفارس حيامنه التي لا ترى ألا في العين المجردة .

-5-
  قبل أن يشرب قدح الماء رفعه باتجاه ضوء المصباح ، وحدق فيه مطولاً ، وعندما أنزله جوفه شعر وكأن الرجل المقدس يسري في دمه ، ولحظة تذكره نصف زجاجة الويسكي التي شربها قبل يومين انتابته رعشة خفيفة ، ولدغة ندم ، واستحياء في الضمير . قال محدثاً نفسه بصوت أراده مسموعاً : كانت ساعة شيطان رجيم .
  حسب أن الرجل  قد صعد في تجواله الداخلي إلى رأسه ، فبماذا يفسر ذلك الصوت الخارج من أذنيه : الشيطان ظل الرغبة .
  أحس بألم ينبض في مؤخرة رأسه ، فتمنى لو يستطيع ذلك المبارك أن يملأ فراغات أسئلة وجوده بإجابات ختامية . فكر أن يشرب قدح ماء آخر لعل ذلك يساعد رجل الماء الصالح في النزول إلى موضع المرض ، كذلك وبدافع فيزيائي تمدد على السرير ، وتذكر أنه ضاجع زوجته وأنه عندما أغتسل لم يتل نية التطهير من نجاسة ما قذفه من مني  .. لكنه تذكر أن الطبيب قد أخبره بأن درجة حيامنه  في المني = صفر . صوت  يخرج من أذنيه :( الصفر يعني العدم .. الصفر يعني الفراغ .. الصفر يعني الطهارة .. المني الصفر ماء نحمله ولا يحملنا - ماء من غير ظل – أفعى من غير سم .. جمر بارد .. صحراء من حجر) تذكر نملة حلمه التي سقطت من عينه ، ودبت على جسده الممدد ، ثم اختفت بدبيبها داخل جسده الواقف في الحلم . أخرج هاتفه النقال من جيبه ، وبدأ يبحث في خزانة الفيديو :( طابور من الخلق ، وجوه نساء بتعبير انشراح وشقاء، عجائز ينتظرن وصول دورهن بتوسل وشكوى ودموع ، شيوخ يثرثرون بسحنة أباطرة يسيل منها لعاب النصر ، شباب كأنهم الهمم يهتفون بأراجيز حرب وحب يرقص لها تحتهم أطفال يحملون قناني  ببسي كولا فارغة .  تسجيل ثان : صنبور يتدفق منه الماء ، وأيد مرتبكة تحاول قدر مستطاعها ملء دلائها . تسجيل ثالث : الصنبور والماء في خلوة إثبات درامية ، لا شيء غير صوت خرير الماء . الكاميرا تقترب .. تقترب ، يغيب الصنبور ويبقى الماء ، وثمة أصبع تشير وكأنها تقول : أنظر ها هي صورة السيد في الماء .

-6-
  النظر بعين مجهر إلى حيامنك وهي تتحرك في عالم لزج سيذكرك بالثرثرة ، ويلوي لسانك عن الكلام ، وغايات الأحلام ، وملمس الحقيقة الخشن ، وبلا شك ستتصور نفسك وكأنك تتخبط معهم  بضعفك وقوتهم .. ببراءتهم وجهلك .. وستدرك أنك تبحث بعماك عن يد تقودك معهم إلى ثقب وجودك / فرج /  بالوعة /  قبر. 
 عندما رفعت عيني غير المجردة قررت عدم الذهاب إلى الطبيب ، وتجاهلت موظف المختبر وهو يستمهلني ليعلمني نتيجة التحليل .. كان بودي أن أشكره على منحه إياي فرصة النظر عبر المجهر ، وبودي أيضاً أن أقول له : أنا ماض إلى دنيا توحي أكثر مما تقول الحقيقة ، لكنني انشغلت بالنظر إلى حوار أب مع طفلته . 
- سأل الأب : ما هذه ؟
- قالت الطفلة : برتقالة .
- أخفى الأب البرتقالة خلف ظهره وقال : أين البرتقالة ؟
- قالت الطفلة : باح .