loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

خارطة وادي الجمل

breakLine

 

 

 

 

جابر خليفة جابر/ قاص وكاتب من العراق

 

وادينا هذا كما ترونه - أمامكم -  على الخارطة واسع ومترامي الأطراف ويتميز بصفات وخصائص جعلت سكان الأودية الأخرى يسعون إلى الاستيطان فيه، وقد جرت على مر العصور محاولات محمومة بهذا الاتجاه باءت جميعا بالفشل نتيجة لتكاتف أهل الوادي وانصياعهم لأولي الأمر منهم، أما هذه الصحارى الكبيرة التي تستحوذ على حصة الأسد من مساحة الوادي والتي إذا ظننتم أنها غير ذات فائدة تكونون كمن جانب الصواب فهي إضافة لما تختزنه من ثروات لا تقدر بثمن تتمتع بظروف مناخية صعبة لا تحتملها إلا جمالنا مما جعل من العسير على كثير من الوحوش والكواسر دخول وادينا وبالتالي افتراس جمالنا التي - كما تعلمون - لا سبيل لنا للعيش من دونها، والأمر المهم الذي أود ذكره لكم في محاضرتي هذه وأرجو من كل قلبي أن تعملون به وتحثّون عوائلكم وأترابكم على الأخذ به، هو عدم تصديق ما يدور الآن همساً في طول الوادي وعرضه من إشاعات وأقاويل حول تلك البقع المضيئة أو البقع السوداء كما يحلو لمروجي الإشاعات أن يسمونها والتي ترونها أمامكم مبثوثة هنا وهناك على خارطة وادينا.
وعليكم يا تلامذتي الأعزاء الا تتخوفوا من تواجد بعض (الروبوتات)  - وهنا بدا على الأستاذ وكأنه يستهين بعدد الروبوتات - فكي تستمر البقع المضيئة بالعمل وتسعفنا بالإشعاعات الضرورية لتقدمنا تحتاج إلى هذه الروبوتات لتشغيلها .
ثم إن فقدان بضعة جمال كل يوم ليس بذاك الخطر الكبير الذي تتصورونه أو صورته لكم الإشاعات التي لا يراد منها سوى خلق الفوضى بين صفوفنا وبلبلة وادينا؛ وعلينا يا صغاري أن نكون واقعيين ونقرّ انه لابد للروبوتات من غذاء لتستمر في إدامة وتسيير شؤون البقع المضيئة وبالتالي إسعافنا بمزيد من الأشعة المفعمة بالطاقة القادمة على إذابة هذه الطبقات الجليدية المتراكمة التي تغلف عقولنا وهي السبب الوحيد لتفشي الجهل في ربوع وادينا، فبسببٍ من حالة الجهل هذه عم الفقر وادي الجمل وعشعشت الكائنات الطفيلية في واحتنا الخضراء التي تحتل موقع القلب من الوادي الكبير، وكي نطهر الواحة من تلك المستوطنات الطفيلية علينا أولا التفوق عليها علمياً ولإحراز مثل هذا التفوق لابد من الاستفادة مما تدّخره الروبوتات من شروط العلم والرقي، وهنا يتضح لنا بشكل جلي أهمية التعاون مع الروبوتات وضرورتها الملحة لنا، وأول خطوة نخطوها على هذا الطريق هي ألا نسمحَ لأحدٍ منا كائناً من يكون بالانتقاص من مهمة الروبوتات أو التقليل من شأنها سواء أكان ذلك بقصد أم دون قصد وأن نخبر المسؤولين عن حفظ الأمن في الوادي عن مثل هؤلاء .
وأرجو الا تنسوا - يا أولادي- أن من أصول الضيافة في وادي الجمل أن نحتفي بضيوفنا ونكرمهم أيما أكرام حتى أن كنا لا نجني من أولئك الضيوف فائدة تذكر، فما بالكم بهذه الروبوتات عظيمة الفائدة والضرورية لتطورنا، إننا ملزمون باقتفاء أثر أجدادنا والاقتداء بسخائهم الحاتمي الذي ضربت به الأمثال, لذا يتحتم علينا أن نقدم للروبوتات عن طيب خاطر ما تحتاج إليه من جمال ولا نتركها تجهد نفسها في القنص والمطاردة كما يحدث الآن - مع الأسف الشديد - الأمر الذي سيلهيها عن واجبها الأساسي وهو تشغيل البقع المضيئة وستستهلك تبعا لذلك قدر كبير من الطاقة التي نحن بأمس الحاجة إليها لإضاءة الوادي الكبير .
ولا أذيع سرا إن قلت لكم يا صغاري إن حصول الروبوتات على فرائسها من الجمال سيتم سواء أقبلنا أم لم نقبل، فَلِمَ لا نرضخ للأمر الواقع ؟ ونظهر بمظهر الكرماء حتى وان كنا غير ذلك، بدلا عن أن تأخذ منا ما تحتاجه بالقوة.
وفيما استمر الأستاذ في محاضرته وأطنب في كيل المديح للروبوتات وتحدث عن أمله بتلاميذه وإعجابه بفطنتهم وثقته بأنهم سيؤثّرون ايجابياً على مواقف وأراء الآخرين، دار رأس تلميذنا الصغير - جِيم - واهتزت قناعاته بعد أن أجرى إحصائية بسيطة استخلص من خلالها انه بتقادم الزمن وبواقع فقدان بضعة جمال كل يوم سيتناقص عدد الجمال في الوادي إلى حد يهدد بانقراضها، إذ أن نسبة الوفيات إلى الولادات ستكون 4/1 وهذا يعني إننا لن نجني أية فائدة من أية مشاريع تطويرية إن لم نضع في حساباتنا الحفاظ على حياة جمالنا التي تمثل الشريان الحيوي للحياة في وادي الجمل، وأن ما قصده الأستاذ بتطويرنا هو من دون شك تطوير لحياة جمالنا وتوفير للأجواء الملائمة لتكاثرها لتزداد عدداً وتعيش أعماراً أطول. ولكن، كيف يمكن تحقيق مثل هذا التطور وتوفير هذه الأجواء والوفيات أربعة أضعاف الولادات ؟
في الأمر لغز ربما عجز عقله الصغير عن إدراكه، ومما يزيد المسألة غموضا أنه لا يرى في البقع السوداء أو المضيئة كما يسميها الأستاذ ما يراه أستاذه؛ فالإشعاعات الصادرة عنها ليست إلا إشعاعات ذات حرارة حارقة لا تحمل أي قدر من الإضاءة والدليل إلى ذلك ما تتركه مساراتها من خطوط متفحمة تزداد عمقاً وسعة وطولا بإطراد، ثم أن كل واحدة من هذه البقع تسعى الآن إلى الاتصال بالأخريات عبر تلك المسارات المتفحمة مما سيؤدي إلى تقطيع أوصال وادينا الكبير وعزل أجزائه عن بعضها مما يسهل بعدئذ على الكائنات التي تحتل قلب الوادي أن تمدَّ اذرعها السرطانية وتلتهم وادينا قطعة إثر قطعة.
والغريب أن هذه البقع السوداء التي قال عنها الأستاذ بأنها مضيئة وأنها ملزمة لنا للتغلب على الكائنات الوبائية لا تنفك عن مغازلة تلك الكائنات من وراء ظهورنا وأحيانا يصل بها الصلف إلى مغازلتها علنا، بل أن هناك من يتحدث عن عمليات اتصال جنسي عديدة تمت بين الطرفين سراً وأن ثمرة هذه الاتصالات الجنسية ستكون دون ريب مخلوقات هجينة لا تقل خطورة عن آبائها علينا وعلى جمالنا.

ثم ان هذه البقع حين تزداد مساحتها ستحتاج إلى مزيد من الروبوتات وهذه بدورها ستحتاج إلى افتراس المزيد من الجمال شئنا ذلك أم أبينا !
ترى هل غاب عن ذهن الأستاذ أن الوادي لن يستطع العيش من دون جمال !؟ 
لا ذلك غير وارد، لأن الأستاذ أكد استحالة الحياة في وادي الجمل الكبير بغير جمال !
أعاده إلى متابعة المحاضرة صوت أستاذه الذي بدا متحمساً وحاد النبرات وهو يتحدث بإسهاب عن فوائد الروبوتات والبقع المضيئة وعن كرم وطيبة الأودية التي جاءت منها وتطرق في حديثه إلى قلق التلاميذ من التقاء بعض القطع وتجزّىء خارطة وادي الجمل إلى أجزاء عديدة منفصلة عن بعضها وطمأنهم عاداً ذلك من الفأل الجيد قائلاً: إن الروبوتات فعلت ذلك وستسعى لمزيد من التقسيم وفق طريقة التكاثر بالانشطار ليسهل لها تطوير كل جزء على حدة....
رفع (جِيم) سبابته مقاطعاً الأستاذ الذي بدا ممتعضاً من تلك المقاطعة.
- تسنى لي يا أستاذ أن أفحص عينة من الأشعة الصادرة عن إحدى البقع فوجدتها عكس ما وصفت لا تحوي أية فوتونات أو ذرات مضيئة وهي ليست إلا أشعة حارقة لا تترك أي أثر للحياة في المكان الذي تمر فيه.

تململُ الأستاذ كمن لدغته أفعى فيما ساد هرج شديد وانقسم التلاميذ بين مؤيد ومعارض ومشكك بما قاله زميلهم ( جِيم )
زعق الأستاذ محاولاً السيطرة على الموقف ..

- صه..لابد أنك استقيت هذه المعلومات المضللة من أولئك البدو الصعاليك الذين رفضوا دعوات التحضر التي وجهتها لهم وتكفلت بها الربوتات ولابد وأنك بأمس الحاجة إلى توجيه وتنقية لأفكارك من هذه الطروحات الفوضوية.

وفيما كان الأستاذ يواصل تقريع (جِيم) وتعنيفه اقتحم القاعة أحد الروبوتات وهو يقول أن معلومات وردت حول تمرد وشيك وأنه مكلف من قبل العدالة باعتقال زعيم هذا التمرد. وفي الوقت الذي كان فيه الروبوت يضع الأصفاد الفولاذ حول معصمي  (جِيم) الصغيرين، كانت خارطة وادي الجمل قد تجزأت إلى أكثر من عشرين قطعة وراحت كل قطعة تبتعد عن شقيقاتها متنافرة معها، فيما أحاطت بكل قطعة مجموعة من الروبوتات والكواسر المبتهجة وهي ترقص فرحاً، والتي لم ينغّص عليها فرحها ذاك سوى أن عدداً من الجمال الجامحة التي لم ترضخ للأمر الواقع طوحت أثناء ثورتها بأحد الروبوتات وأن مجاميع جديدة من البدو الصعاليك بدأت بالظهور وهي تعلن تمردها .