loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

دعاء سعد

breakLine

 

 

دعاء سعد

 

رباب هلال/ كاتبة سورية


صوت مختلف في الخارج نبّهنا، تلك الليلة، نحن الجيران القاطنين في أبنية الحي المتلاصقة. لم يحدث أيّ اتفاق بيننا في يوم من الأيّام، فكثيرون منّا لم يتعارفوا. نكاد نكون غرباء عن بعضنا. بيد أنّنا جميعنا كنّا نهرع، إلى الشرفات والنوافذ، حين نسمع أصواتاً غير اعتياديّة، من الخارج.
تلك الليلة، وبفضولنا المعهود، اندفع بعضنا للوقوف كلّ خلف نافذته. فرأينا سعد.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل، والسماء الباردة تهوي بمطرها وابلاً أو هتوناً حيناً، وينقطع حيناً آخر. كان سعد، بسنواته الستّ، جالساً على درابزين الشرفة يبكي برتابة، يعلو صوته ثمّ يخفت، حتّى يظنّ السامع أنّه لن يتوقّف عن البكاء حتى الصباح. لكنّه، فجأة، توقّف عنه، وهو ينظر إلى السماء. فنظرنا إليها. كان القمر يعاند غيمة تسعى لإخفائه، ببراعة يهرب ويبتعد، لينكشف بكامله لأنظار سعد. ضحك سعد. فابتسمنا. لكن ما لبثت أن هاجمت القمر غيمة أخرى وحجبته. ومن خلف النوافذ، رأينا كيف ازدادت الظلمة حول سعد. ارتفع صوته بالبكاء مجدّداً. فشعرنا بالأسى.
سحب رجليه الصغيرتين المدلاّتين، خارج الشرفة. نهض، كاد ينزلق! فكادت قلوبنا تنزلق. تشبّث بالقضبان، وهو يمدّ برأسه إلى الأمام، ثمّ إلى الأسفل. نظر إلى الشارع الخالي. ثمّ إلى فوق، إلى الطابق الأعلى، حيث نافذة أم فارس فارغة. ثمّ أسند رأسه إلى حديد الدرابزين البارد. 
بدا لنا بوضوح، أنّه وحيدٌ في البيت، وجدّته تسهر في مكان ما. كان خائفاً، ينتظرها.
أبو فارس وأمّ فارس، من بين من يتقصّى الأحداث في الحارة، يمكثان سويّة أو بالتناوب، خلف نافذتهما المطلّة على الزقاق، وتقع مباشرة فوق شرفة أم سعد، حيث يقضيان أوقاتاً باتت أطول بعد تقاعدهما، أو يجولان في الحارة ويصولان ويلتقطان الأخبار الطازجة. يلمّونها ثمّ يلقون بها بين البنايات المتلاصقة، على الأدراج، الأبواب، النوافذ، وفي البيوت. ويعيد آخرون بعثرتها، هنا وهناك، وكلّ يضيف إليها ما يراه لازماً.
أم فارس، هي من صوّبت اعتقاد أهل الحارة الخاطئ عن أم سعد، في أنّها جدّته وليست أمّه. غير أنّ الأهالي ظلّوا يطلقون عليها اسم أمّ سعد. والجدّة لم تبذل أيّ جهد للتصويب. وكأنّما تقول لهم: «أم سعد! أم سعد! فليكن! وإلى أسفل رجلي جميعكم!» فهي كثيراً ما كانت تنهي شجاراتها، بعبارة «إلى أسفل رجلي جميعكم!» تلك، بعد سيل عارم من الشتائم المتبادلة.
وأكّد جار آخر أنّ الجدّة مطلّقة ووحيدة، ومع أنّها في أواخر عقدها الرابع، يخرب بيتها كم ما تزال جميلة! وقيل إنّها كانت غنيّة، لكنّ زوجها الذي وثقت به، استغلّها وجرّدها من كلّ شيء، وألقى بها في الشارع هي وابنتها. ولم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه لأنّه (زلمة واصل). ثمّ قيل إنّ زوجها كان قوّاداً ويشغّلها مع غيرها من النساء، فهربت منه. كانت القصص حولها تنسرد وتتالى.
إلاّ أنّ أمّ فارس وزوجها وغيرهما من المهتمّين، لم يتوصّلوا إلى معرفة أصلها، فلهجتها مطعّمة بلهجات المناطق السوريّة كلّها. كما أنّهم لم يعرفوا، لمَ تركت أمّ سعد ابنها مع جدّته. وإن كانت هي الأخرى مطلّقة مثل أمّها. وفي أيّ بلد تقيم. فمرّة تقول الجدّة إن ابنتها في أمريكا، ومرّة أخرى في استراليا، ثمّ في بريطانيا، أو فرنسا، وأحياناً تجعلها في إحدى دول الخليج.
ذلك الليل، لم تكن أم فارس عند النافذة. فلو كانت موجودة في البيت، لكان رأسها خارج نافذتها بالتأكيد، ولتحدّثت إلى سعد. تشاجرت هي وجدّته وتخاصمتا، بعد أسبوع فقط من استئجار جدّته الشقّة. وفي العادة، حين تتحدّث أم فارس معه، يكون على الشرفة، وجدّته خارج البيت. تسأله عن أشياء تخصّ عائلته، فيجيبها بصوت خافت بما يعرفه. تلقي له بحبّات السكاكر، فيتلقّاها ضاحكاً. لم تكن أكلات جدّته الطيبة الوفيرة، تقلّل من فرحه بما يتلقّاه من أمّ فارس.
نهض سعد، ثمّ استدار مسنداً ظهره إلى حديد الشرفة، وقد بلّله المطر. ارتفع صوته بالبكاء ينادي جدّته. عاد واستدار. مدّ رأسه إلى أسفل، يتلفّت في المكان. لعلّه يبحث عن ديب بائع الغاز، جارهم في البناء المقابل. ويفكّر لو أنّه يراه فيأخذه إلى جدّته. فكثيراً ما كان ديب يصطحبه على الدراجة، يسلّيه ويضحكه، ويسأله عن جدّته، إلى أن صار يزورها في البيت، مثله مثل عديد من شبّان الحارة ورجالها. وصار يؤمّن لها أسطوانة غاز في عزّ أزمة انقطاع الغاز في البلد كلّه.
وقال أبو فارس إنّ رجال شرطة وضبّاطاً، ورجال أمن، أخطرهم يدعى أبو العز، وتجّاراً ثقيلي الوزن، وسماسرة، وأصحاب مكاتب عقاريّة، وبعض دكنجيّة الحيّ، وغيرهم، يرتادون بيت أم سعد. لكنّهم جميعاً كانوا في كفّة، وأبو العزّ في كفّة. وحده من كان يحسب الأهالي له ألف حساب. قيل إنّه هو من أخفى الشابّ المستأجر الذي كان يسكن قبالة شقّة أم سعد. لم يكن الأهالي يعرفون شيئاً حقيقيّاً عن هذا الوافد، فهو منعزل، يندر أن يتحدّث إلى أحد من الجيران. يقضي معظم أوقاته في البيت مع الكتب، ويستمع إلى الموسيقا، بحسب ما كانت تظهره نافذته.
تابعنا المشاهدة حين تحرّك سعد. وقف ومدّ رأسه إلى أسفل. بغتة علا صوت اشتباكات الحرب. كانت قريبة. ارتعش. وارتجفنا. كاد يفقد توازنه. انزلقت إحدى قدميه الحافيتين. تمسّك بالقضبان، وأطلق صرخة واحدة. فتوقّفت أنفاسنا. ثمّ قفز إلى الشرفة.
ركض ببيجامته المثقلة بالمطر، إلى غرفة الجلوس، جلس على الكنبة. كان يرتجف. وعاد للبكاء ثانية.
ولعلّه كان يتساءل، لم تركته جدّته وحيداً؟ كان عليها أن تأخذه معها. لا بدّ أنّها زعلانة منه.
يوم أمس، كان صراخها ينكبّ على رأس الصبيّ، ويخترق الآذان في الجوار. فسعد بلّل فراشه في أثناء نومه. شدّته من أذنه: «مئة مرّة نبّهتك! في المرّة القادمة سأخلع أذنيك!» بكى سعد ورفع سبّابته معلناً توبته.
نزل عن الصوفا، كاد يختفي عن أنظارنا الصامتة. توقّف عند الطاولة، ثمّة قنينة ماء. حملها، خطا خطوتين بتلكّؤ وهو ينزع سدّادتها العنيدة، تلقّف فمها بشفتيه، وكرع بقّاً صغيراً. وعلى الفور، بصق السائل، ورمى القنّينة. بدا أنّ السائل حرق فمه. ضحكنا. بكى سعد. قعد يبكي ضارباً الأرض بكفّيه وقدميه. تلمّس مكان البلل على السجّادة. ربّما شعر بالخوف. ستضربه جدّته. كان أحد أثوابها ملقىً على الكنبة. أخذه، ومسح به السجادة. وعلى عجل ألقى به، حين سمع هدير سيّارة. ركض إلى الشرفة ثانية. تسلّق الدرابزين، ووقف عليه، رأسه إلى أسفل. لكنّ السيّارة عبرت من دون أن تجلب جدّته. كانت أصوات الاشتباكات لا تكاد تتوقّف حتى تندلع من جديد. 
نظر إلى الطابق الأعلى، نافذة أم فارس ما تزال فارغة. تقوّس حول السور الحديديّ.ثمّ  رفع إحدى ساقيه ووضعها على حديد الدرابزين، ودلّى رأسه إلى أسفل. وإلى أسفل هوت أرواحنا. ظلّ يدلي رأسه إلى أسفل. هل يتأكّد من أنّ جدّته ليست في أسفل البناء، تقتعد الأرض، تسند ظهرها إلى الجدار، وتبكي؟ غير مرّة، في المساءات المتأخّرة، رآها، ورأيناها بدورنا، على تلك الحال.  أحياناً كان يناديها من الشرفة. أو يهرع إليها، يعانقها، وهو يبكي. فتهدهده، تقبّله، تأخذه في حضنها ويصعدان إلى شقّتها. وحين يدخلان تبقيه في حضنها، وتعيد إليه نومه.
لكن سؤالاً ظلّ عالقاً يوجع بعضنا، عمّا كان يُبكي تلك المرأة!
لحظات مرّت، عاد المطر يهطل، وسعد واقف يمسك بالدرابزين، إلى أن قعد. فتح كفّيه الصغيرتين وألصقهما ببعضهما، رفعهما نحو السماء، وبدأ بالدعاء. وبين حين وآخر كان يرفع سبّابته إشارة التوبة. كانت أصوات المطر والرصاص تبدّد صوته وتشتت إنصاتنا. ما الذي كان يقوله للسماء؟
رفع كفّيه نحو السماء أكثر. سمعناه بصعوبة يقسم ثلاث مرّات أنّه لن يضرب القطط بعد اليوم. وعاد المطر يطمس صوته، قبل أن يصل إلى آذاننا المنصتة.
لربّما تذكّر بعضنا ليالي أم سعد على الشرفة مع قططها العديدة. كانت تفترش البلاط، تشرب وتدخّن، تغنّي أو تبكي. والقطط تسرح وتمرح فوق جسدها نصف العاري. أيكون سبب كره سعد للقطط هو الغيرة؟ فهي كثيراً ما تحرمه من النوم في حضن الجدّة. وقد رآه بعضنا، ذات منتصف ليل، يقف خلف باب الشرفة، يطلّ بنصف رأسه، يرنو إلى جدّته، المغطّاة بقططها.
وبالفعل، كنّا نراه يضرب القطط، وأحياناً يلقي بأوعية طعامها وشرابها، في الزقاق.
جفل سعد وارتعش، قد تكون غفوة هاجمته. خضّ رأسه، كأنّما لينفض عنه النعاس. صعقت أصوات الحرب الفضاء، وبلمح البصر، حطّت به وسط الغرفة. ثمّ تقوقع على إحدى الكنبات، وتدثّر بثوب جدّته الرطب بسائل تلك القنينة الحارق.
لم نكد ننسحب من مخابئنا، حتّى أعادنا هدير سيّارة إلى مراصدنا. فقد تكون أم سعد عادت برفقة أحدهم. كان سعد قد سبقنا، واقفاً على الدرابزين، مادّاً رأسه إلى أسفل. عبرت السيّارة. لكنّه ظلّ ينزل برأسه إلى أسفل، أسفل، أسفل. سقط سعد.
وسقطنا على أراضينا، خلف النوافذ. صرخنا وبكينا. هرع بعضنا إليه. شقّ اصطفاق الأبواب الصمت، والخطواتُ الراكضةُ المرتعبةُ أقلقتِ الأدراجَ. في الزقاق، وبين الأبنية انفجر هرج ومرج.
شقّت صرخات أم سعد الكون العاتم البارد. لم يعرف أحدٌ كيف وصلت أو متى. كانت في الزقاق، برفقة أبي العزّ. انطلقت صرخاتها ذبيحة، عميقة مثل بئر مهجورة، ابتلع قاعها حكاياتٌ دبّجها القهر، الذلّ، النفور، والعجز، وحادّة مثل حدّ سيف لمع وسط الظلام وضيّع هدفَه.
اختلط الزحام والصراخ. غير أنّ طلقة واحدة من مسدّس أبي العزّ وجّهها إلى السماء، كانت كافية لإخماد الأصوات المتشابكة، وإفراغ الزقاق كلّه والنوافذ.
كانت تلك الليلة آخر ليلة نرى فيها سعد. ولم يعرف أحدٌ منّا، إن كان قد نجا من تلك السقطة.  لم يعد أحدٌ يراه أو يصادف جدّته في أيّ مكان. وحلّ، مكانهما في الشقّة، مستأجرون جدد.
لكنّنا، وبعد مرور ثلاث سنوات على اختفائهما، وفي الوقت الذي يختلط فيه الليلّ والمطر وأصوات الحرب، نسمع صوتاً يجرّنا إلى خلف النوافذ. فلا نرى أحداً، تدور رؤوسنا وتدور بذهول موجع، بحثاً عن مصدر الصوت،  صوت بكاء سعد ودعائه.