loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

رحلةُ أطرافٍ مع جسد واحد

breakLine

 

 

 

مبارك المبارك/ كاتب عراقي

 

فوق كتف القرصان يقف ببغاء، وإحدى عينيه مفقوءة، أما كفّه اليمنى فعبارة عن منجل حديدي لامع: أيَدي القرصان مبتورة أم أنّه يتظاهر فقط؟
هذا المشهد طالما أرقني في طفولتي، وكنت أخافه وأتذكره لحظة الغروب، و خاصّة عندما يومئ القرصان بيده، ويظهر نصل المنجل. 
استذكارٌ لمشهد تلفزيوني، مع حكاية يبدأها جعفر حيث يقول لأطفاله الأربعة الملتفين حول سريره في مستشفى (فاقدو الأطراف والمعاقين):
- الكف تتجمع مع كفوف أخرى أتت من فوق إحدى سطوح المنازل المقابلة لفضاء الساحة حيث اتفقوا أن يتجمعوا فيها، بعدما انفجرت قذيفة هاون على السطح الذي كان يشكل ثكنه للجنود ، حيث  أن قوة الانفجار  فصلت بعض الأطراف عن أصحابها، كفّ أخرى غير معروفة المصدر بإصبع السبابة الوحيدة الدامية المتبقية فيها  تشير عليهم  بأن ينتظروا المجموعة الثانية من الأعضاء قبل أن يبدأوا مسيرهم باتجاه النهر، وكان الكف بالكاد يتمكن الناظر من رؤيته، المجموعة الثانية تخلفت عن الاولى في البداية، بحكم تيبّسهم الشديد، لأنهم أنقطعوا من  اجساد اصحابهم منذ زمن ليس بالقليل، والتصقوا على أسفلت الشارع وعلى الجدران، بسبب حرارة الشمس الحارقة، فهم عبارة عن قطعة من لحمٍ وشعر متبقية من صدرِ شهيد، أُذُن، جزء خلفي من دماغ لضابط من أهالي البصرة اخترقت جزءًا من  رأسه الامامي رصاصة ، وغيرها من قطع لجنود متبعثرة هنا وهناك... 
تجمعوا عنوة، بهيئة كرة لحم بشرية شكلتها يدٌ غير مرئية من روح مجهولة كانت تائهة في تلك الانحاء قربهم، بعدما اتفقوا على اصطحابها معهم، وأباحوا لها بسرّ، فالمكان المتوجهون إليه فيه باب أزلي مقدّس، تصعد الارواح التائهة من خلاله الى السماء. 
وصلت كرة اللحم والكف والروح المتبقية من المواطن الشهيد، الى المجموعة الاولى التي كانت تتجمع في الساحة التي تطل على نهر دجلة، فالرحلة سوف تبدأ في العاشرة الا دقيقتين من ليلة الخميس الى الجمعة، فالوصول والدفن وصعود الروح سوف يكون مباركًا في ذلك التوقيت للشهداء وللأطراف الشهيدة على السواء. 
وقبل ان يبدأوا المسير تذكرت كفُّ (جعفر) السمراء المختنقة بالتراب وبرائحة الرصاص شيئًا مهمًا جداً: إنهم يحتاجون زورقًا أو (عوّامة) يطفون من خلالها على النهر، وكذلك دليلًا يبصرون من خلاله الطريق الذي سوف يشقّونه، على شرط أن يكون الدليل طيرًا أو حيوانًا آخرَ طاهرًا، عسى ان لا يصيبهم بأذى. 
جميع الحاضرين اصابتهم الحيرة من أين يحصلون على عوامة؟ وتملكهم يأس شديد، فالرحلة قرب موعدها. 
فجأة لمعت في رأس (روح الشهيد) فكرة، وقالها بصوت متقطّع: إن جسدي المادي الذي خرجت منه يرقد هناك، وأشار نحو باب موارب لمنزل في الطرف البعيد للساحة. 
-  كيف ننقله الى النهر… قال الكفّ مبتور الاصابع إلا من اصبع السبابة. 
- قال كف (جعفر): لا أعلم؟ 
مجموعة من نوارس غير معروفة العدد، تنتشل الجسد بمناقيرها، تصعد به الى أعلى ثم اختفت، الكل تفاجأ...  من ضمنهم روح الجسد.
وازداد البكاء!
لا شيء ينقذنا، يا أخوت اللحم المتشوه، لا أهلَ نحتمي بكنفهم، لا أرض تحفظنا، الكلّ سَيان، حتى دجلة تجرد من عاطفته وصار نهرًا مظلمًا شاحب المياه، كم ابتلع أجسادًا على مرّ الأزمنة، منذ الجدّ الأول (أريدو) وحتى نحن، وانتِ الاخرى أيّتها النوارس المحلّقة: كم وقفت فوق الجسور عندما كنت ضمن جسدي أنثر لكِ من أرغفة خبز أطفالي قطعًا لتأكلي؟ ألا تذكرين… ألا تذكرين؟
وتفطّن الكفّ الى قول جدّته حيث كانت تردد دائمًا مثلها الشهير: (لا غزر ولا فـــــــاد).
وجاء صوت آخر غير معروف من كرة اللحم، قد يكون لقطعة دماغ الضابط... حيث يظهر أنّه كان ملمًّا بالشعر وخاصة الثوريّ منهُ... حيث قال... 
- حاصر حصارك لا مفر.. *
اضرب عدوك لا مفر..
سقطت ذراعك فالتقطها
وسقطت قربك فالتقطني
واضرب عدوك بي
فأنت الآن حرٌ وحرٌ وحرٌ
وصمت الصوت بعدها... ، فتذكر  الكلُ أحبائهم، وأصابتهم جميعاً حالة عارمة من النوستالجيا، وتوق الى ماضٍ غير عائد.
الجميع، أرادوا العودة من حيث جاءوا، واستسلموا لليأس، حتى كرة اللحم من بقايا الشهداء والمصابين، سالت منها كميةُ من الدم، وشارفت على التفكك... 
نعيقٌ عالٍ، من جانب النهر، انتبهت جميع الأعضاء… نورسٌ ينادي عليهم:  
(كف خالد، أصبع سارة، أيتها الاذن، كرة اللحم، أيتها الاقدام... تعالوا جميعكم).
جاء موعد الرحلة، رَكّبت جميع الاعضاء المبتورة، فوق جسد الشهيد، حيث أن النوارس طارت به الى طرف  النهر وأصبح كأنه زورق او سفينة أسطورية، و رحل السرب بعدها إلا من نورسٍ واحدٍ بقى كدليلٍ للرحلة نحو شط العرب، قاطعين أغلب محافظات الوطن، للسلام على الاهل بصورة لا مرئية، 
واختاروا شطّ العرب تحديداً! فبالاضافة الى بوابته المقدسة نحو السماء، فإن كثافة الملح في تربته تحفظ الاعضاء المبتورة... بطريقة تكفل بقاءها الى يوم القيامة، حيث النشور، وقصاص كل شهيدٍ من قاتليه.... 
قطعَ الحكاية، صوتٌ ينادي: جعفر عزّ الدين، فانتبه الاطفال الأربعة... وأخرجهم هذا الصوت من سكونهم: 
-  قال جعفر (نعم).
- الطرف الصناعي الذي سجلت عليه، غير متوفر مع كل أسف، فميزانية الوزارة، لا تسمح بهكذا نوع من (كفّ لامع).
أصواتٌ اخرى اختلطت جميعها في الممرّ أمام غرفة جعفر التي يرقد فيها، إنها لجنود آخرين أتَوا من المعركة توًّا، وكانوا جميعهم أنصاف أجساد، وبجنب كل منهم جزؤه المبتور.

▪︎▪︎▪︎
*مقطع من قصيدة محمود درويش، مديح الظل العالي