loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

رهاب النهايات

breakLine

 

رهاب النهايات

عبد الامير المجر / العراق

 

تكامل جمع الرجال المعزين،المسلحين، على مسافة بعيدة نسبيا من المضيف، الذي انتصب عند مقدمته بيرق العشيرة، للإعلان عن موت أحد أبنائها .. بدا الجمع من بعيد، كتلة بشرية ضخمة، وبملامح غائمة بعد أن تنقب الجميع بيشاميغهم التي تكاد تغطي الوجوه، فيما تمنطق أغلبهم بأحزمة الرصاص، وقد شهروا أسلحتهم التي باتت مهيأة للرمي، حال إنطلاق (الهوسة) وتوجه الجمع نحو بيت المتوفى ... انبرى أحدهم ليقف في الوسط، بعد أن غدوا حلقة وراح يتلو أشعاراً حماسية، تسبق (الهوسة) عادة، ولم تمر لحظات حتى أخذ هدير الصوت الموحّد للرجال الذين راحوا يدورون ويرفسون الأرض بأرجلهم، يدوي في المكان، مصحوبا بزخات رصاص راح يلعلع في الفضاء، مصاحبا صوت الرجال المرددين للمقطع الأخير من القصيدة أو (الهوسة) التي الهبت المشاعر وجعلت البيارق تهتز، ومع دورانها بأيدي الرجال، تصدر أصوات خرخشة من مكعبات في أعلى سواريها، فيتداخل الصوت مع أصوات المهوسين، والرصاص، لينتج سمفونية غريبة، تحاول أن تطغى على صوت الموت، الذي ارتفع في القرية مع عويل النساء، حزنا على رحيل العزيز الذي غادر ولم يعد بعد ذلك أبدا.
لقد مزقت صفو صباح القرية، في ذلك اليوم، صرخة، انطلقت من بيت المتوفى ، وكانت كافية لتشيع الوجوم على الوجوه، والذي لم يعرفوه الاّ مع مجيء الملا الوقور، الذي يطل عليهم، بين مدة واخرى، بلحيته البيضاء الطويلة، معتمراً كوفية تميل الى الصفرة، معصوبة من الأعلى بقطعة قماش خضراء، يحدثهم عن الموت وعذاب القبر الذي ينتظرهم، وكيف إن الملائكة يشوون جلود البشر العاصين، يوم القيامة، ويجعلون السلاسل الحديد الملتهبة تطوق الاعناق والاجساد، وغيرها من الوعيد الذي يجعل أيام الشيخ تمر ثقيلة على أهل القرية، بالرغم من مظاهر الترحيب الحارة به، وما أن يغادر حتى تعود البهجة الى النفوس، وتعود القرية الى ممارسة الأفراح والغناء.
الجثة الممددة في باحة البيت القصب، تحيطها النسوة اللاّطمات، واصوات أشعارهن المتناغمة مع أصوات اللّّطم، تبدو للسامعين في الخارج، كصوت إرتطام حجر كبير في بركة طين ، يوقظ في النفوس شعوراً خفيا، يتسلل الى الاعماق، يثير الخوف بقدر ما يؤجج مشاعر الفخر، التي تتفجر في أعماق الرجال، وهم يسمعون مآثر الراحل ومناقبه على ألسنة النساء، لكن بعد الموت، الموت الذي يتجلى اليوم أمامهم بجثة هامدة، ستنقل بعد قليل الى القبر الذي ينتظر الميت فيه كل ما كان يقوله الشيخ من عذاب ووعيد.
كانت الشمس تنحدر باتجاه الغروب، حين تقدم رجل مسن، يسحل، بصعوبة، ثمانينه، ووقف وسط الجموع، التي تستعد لتشييع الفقيد الى مثواه الأخير، وقال بقصد التهدئة من روع المعزين؛ كلنا على هذا الطريق، ومن لم يمت اليوم سيموت غداً! فتوغلت وحوش الخوف تنهش بأنياب غير مرئية أحشاء المعزين، وصاروا يتلفتون الى بعضهم، وكأن الرجل قد وضعهم على لائحة الانتظار.. تعالت صيحات الجميع، حين ارتفع النعش على الأكتاف، وانطلق المشيعون، الذين علا ضجيجهم وهم في الطريق الى المقبرة ، فيما كانت الشمس تنحدر بقوة الى محجرها، تاركة جمع المشيعين يبدون كما لو إنهم كتل سوداء تدفعها أياد غير مرئية، وحين وقفوا عند القبر المقترح، وبدأ الحفر، ضجت من فوقهم السماء بشبح المتوفى، تشظى بطريقة غريبة، وصار يقترب من كل واحد منهم، فبدا كما لو إنه يدعوه للمبيت معه! .. كان الجميع قد رأوا الشبح، دون ان يقول أي منهم للآخر، فاستعجل الحفارون ، بينما كان الآخرون يطلقون الهوسة تلو الهوسة، يرفسون الأرض، يهتفون ويدورون، ويطلقون النار باتجاه الاشباح التي صارت تحاصر جمعهم، وما أن فرغوا من الدفن، ازداد حماس الرجال للهوسات، والنساء للطم والنحيب، تاركين المتوفى، يمضي ليلته في قبره، وحيدا بانتظار الرعب القادم، بعد أن افرغوا في أذنيه كل ما تمكنت منه حناجرهم .. وفي طريق العودة، شعروا بالتعب، وبشيء من الإسترخاء.. وشعروا ايضا، بأن صدورهم بدأت تتخفف من شيء ثقيل جثم عليها لساعات، شيء يشبه ماتتركه في نفوسهم حكايات الملا، ووعيده المخيف، ومن بعيد سمع المعزون صوت شخص عابر، كان يغني لوحده، شخص مر عليهم ومضى في سبيله، لكنه ظل يغني، أو ربما تخيلوه هكذا، وكانوا جميعا مشدودين الى صوته، وهم يتجهون الى القرية، بعد أن دفنوا الجثة ، ولم يعد امامهم أثراً للموت!

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي