loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

زَيــــد الـنـــار

breakLine

 

 

زَيــــد الـنـــار

إلى : طه عبد الرزاق ..





جابر خليفة جابر - كاتب عراقي 


زيد النار


أهبط درجات السلم العباسي ...
وجه المتوكل عليه، بصمات العذارى الناعمات, سياط الأتراك القاسية، و روائح العبيد .
أدوسها بحذائي وأهبط نازلا إلى قصر البركة, سامراء فوقي, تتصاعد درجة, درجة وأنا أهبط وطه معي.
وكما لو أن رسالة وردتني منه, من حفر الباطن أو ... أهبط , ويهبط قلبي. رأيت إنني أغادر بريد العشّار, كنت خارجه أتمشى , جدار واطئ يتراجع خلفي , أمزق حاشية الظرف وأقرأ ...
خذ إليك رسالتي ...
خذها يا صديقي لعلها ليست الأولى ولا الأخيرة , خذها إليك إن سلمت واجتازت البر بكثبانه المتحركات وبعطشه , وليسلمك الله وأنت تقرأ وتأمل ..
فستصلك_ إن وصلت _ بيضاء إلا من حبرها وإيحاءاتها, ممهورة بلغاتٍ شتّى و أختام حمر, عليها من غربة المخيم ألوان، ومن حسراته بصمات, تطرّزها خدوش الأسلاك الشائكة وحراب البدو والمارينز وتنز من بياضها العراقي الحزين , جراح الأسر و ذرات الرمال .
وتمهل يا صديقي وأنت تقرأ ..
   كنت مسرعا مع إيقاع القراءة الراقص لهذه الرسالة , فتمهلت وأنا أقرأ رسالة تطوي بأسطرها آلاف الرسائل وتخفي كلماتها تلالا من الكتب, وتحت حروفها أحد الحروف المنقطة تحديدا , تتحرك الأسرار , تحيا وتتنابض، تتداور وتتماوج حول نقطة لحرف ما, فيها يكمن السر البسيط, سر الرسالة وجوهرها ...
فأنتبه وتأمل .. باء البسملة أم باء البصرة ؟
   كدت أقع, وتعثرت, قال طه: انتبه. فانتبهت وتأملت, السماء زرقاء لينة، ونتف بيض غيمات صغار يمرحن فوقنا, وسامراء تتصاعد, درجةً درجةً كلما أهبط, تنشد لسمائها وانا أهبط، وطه معي, قال: انتبه، وقال: تأمّل, سيظهر لك المعنى مرة أو يتجلى, ويختفي مرات، يخفّ ويتخافت، تتشربه حروفها ودلالاتها وتتكتم عليه, فتشبث به إن بدا, وإن توارى اسع كل السعي في طلبه ...
وستقرأ وأنت تقرأ ...
وكنت أقرأ الرسالة ماشيا, لا أرى الرصيف المحاذي لحديقة الشعب ولا مشنقة ( الحاج جيتا ) أقرأ الرسالة، وأرى المنابر مشنوقة في ساحة أم البروم، انعطف تجاهها واخترق الزحام إلى شارع الكويت وطه يطل برأسه من بين السطور, يطل ويكرر: وسترى وأنت تقرأ , فترى الحبر لكنك لا ترى شقائقي ولن تشعر بقلبي وستجهر, ربما, بقراءتها أو تخافت, إلا انك لن تسمع نحيبي لحظة الكتابة ولا تستحضر روحي, وستصلك رسالتي إذ تصل ..
ولم أصل البركة بعد, السلم طويل, وطابوقه عتيق ومتصخر, ومويجات تراب عباسي ناعم على زوايا درجاته, كأنه رمل.
وأزقة العشار تدخل في بعضها وتخرج, زوايا أرصفتها تراب, وجوه المارة عليها تراب و أحذيتهم، أقرأ خرائط الألم على وجوههم وأتصفحُ أطالس الجوع. أدخل شارع الكويت, عريض ومحدب فاخترقته إلى سوق الهنود, يتعالى عطاسي وأنظر إلى الرسالة, إلى هنا وصلت ..
وستصلك حين تصل , عبر أيام من الرمل وأيام من الحدود , صيفا تصلك , مادة وروحاً, ولولا إنك قارئها الذي تريد , قارئها المرتجى لما وصلت إليك .
فخذ إليك _ يا صديقي _ رسالتي .
خذها جُملاً قصاراً راقصاتٍ، وخذها كلماتٍ أو قصصاً, تهجدات خذها و آلاما, حرفاً إثر حرف ونقطة تلو نقطة, خُذها بمجامع قلبك وأقاصيه، وستجدني أجهد النفس بتذكركم ولا أفلح إلا نادراً, أنتم أصدقائي الطيبين, لا أتذكر وجوهكم, وأهلي وأطفالي لا أتذكرهم, سبحان الله, بيتي, مكتبتي العزيزة, زوجتي, أنساها أيضا أو أكاد ..
     ظلام حفر الباطن يلفني, واسعاً كان وعنيفاً, وأسماؤكم أحرفٌ ملونةٌ ونقاط لينات, تطفو على ظلامه وتنبض, تشرح القلب بهجة والصدر ينشرح، ربما من فرح أو من خفة تطفون, وربما من ألم، فانقبض تلتمّ روحي مختنقة ويتمزق الكبد لكم، أتضاءل حتى أغدو حبة رمل في مزارع الطماطة، أو حنطة حين تجوعون، وأتضرع (( أمّن يجيب المضطر .. )) وأبكي .. لكم الله يا أهلي, لكم الله, أمازلتم تجوعون ؟ تأكلون أجسادكم وقلوبكم وتجوعون ؟ أطفالكم جوعا ونحافة وأقدامهم حفاة, أراهم وأراكم من فرط النحافة بلا ظلال، ومن فرط المحبة تغوصون بوجوهكم السمر الممصوصة وبدمائكم، وأحياناً في غاية الثقل أراكم, بالغي الكثافة كثقوب سود, تغطسون حتى القاع القصي لقلبي, تلامسون طينه وتستقرون هناك، في الأعماق الحزينة تستقرون, تزيدوها حزناً وسواداً وبطمأنينة تسكنون، وكما لو كنتم شذرات فيروز أو عقيق أحمر حيّ تشعون تشعشعون الروح باخضراركم وتضيئون الذاكرة, احمراراً ناعماً ولطيفاً, تضيئون جماعةً، وتشع أنت كلّك، تشع في ظل لا جاذبية فيه, لا يشدّك شيء إليه، ولا تنشد لشيء, طيفك وحده ألان يملأ المعسكر, يقطع الأسلاك، يمسحها والأسرَ والباديةَ ويجيء, يمحوها فتأتي إليه، تتماوج وحدك من دون الجميع وتمضي, تنطفئ وتضيء فأسألك : لماذا يا أخي ؟ أسألك واصرخ : لماذا ؟ وتحترق الذاكرة, رمال رفحا تحترق, مخيمات الأسر أيضاً, سياط الحرس الملكي ودم الجنوب, جميعا تحترق ويشبّ سؤالي, لا نار فيه, لكنه يحترق فأعطش, أعطش إليك أريدك, تغيب عني, أغيب معك، أغيب معك أيضا وأمضي ...
أسهو بأسري وغربتي, بألمي واغترابي, أمضي فتحضر, تحضر بقوة وتحضر بوضوح, ترجّني وأراك, تحت ضريحٍ مُذهبٍ أراك, تحت قبته, تقبّل الأرضَ وتتضرع, تحبو وتحلّق, تبكي وتتضرع, حتى لا أكاد أصدق أنك معي حقيقة وأنني معك, نقف معاً أو نتمشى وكنت أمحو الأسرَ حينها, أمحوه تماماً, بأسلاكه ومعسكراته كي أراك, أُبعدُ الجنود والبدو والمجندات, أشطب وجوههم وبنادقهم لأرى حضورك, كنا معاً يا صديقي، وكنت مع الضريح وتحت قبته ...
تهبط الأرض إلى ما تحتها, على درجات السلم العباسي تهبط, تتذكر البصرة, زيد النار يحرّق بيوت العباسيين، تشتعلُ البصرة, تتمناه، تتمنى زيداً، تشد الرحال إليه, تراه, وتصّاعد روحك وتصّاعد البصرة معك, أشعر بها معك، بقلبك تنبض وبقلبي, كلانا ينبض لها, لانتفاضة الزنج، أو انتفاضة 17-آذار-1999, ولزيد النار, لحرائقه في البصرة ولضريحه على الفرات، تتذكره وسامراء فوقنا ومعنا, تتدحرج وتهبط, حولنا وأمامنا, تحيط بنا وتتدحرج بأجسادنا, تصبغ السلّم فتلوّن حوافهَ بالخضرة وتتكسر عليه, ترابُها يتكسّر، والطابوق أصفر، أصفر وخابط والسلم طويل, طويل في انحداره وفي صعوده, وفيه روح ما, نبض سري وجاذب, يسحرك ويأخذ بك, يأخذنا خفيفاً إلى عوالم أنقى ودرجات عالية، مقامات تذهل فيها, عن نفسك وعني تذهلُ، وكنت أنا منتبهاً، وكنت تختض, أنظر إليك, تهبط مأخوذاً, جسدك ينزل وروحك تتعالى, درجة, درجة تنزل بك قدماك، ودرجة درجة تتعالى, يشدّك الضريح المذهب فتهفو إليه, وأصبر, أنظر إليك, تختضّ وترتعد, وجودك مغيب، وهيأتك حضور, أمامك بركة المتوكل، تنزاح عن مكانها أو تترجرج, لا أعرف كيف, تغادر حوضها مقتربة منك, تنهض إليك, بمائها الغائب وإمائها الغائبات, ويتحرك القصر العباسي تحت سامراء, سامراء تتحرك والأرض كلها تجاه قبة الذهب, والبركة أمامك و مقاصير الجواري, ولكن, لا أتراك ولا خلفاء, وحده الطابوق المتصخّر والتراب, عطش وأحمر, والبركة تقترب فتذكرت ابن السكيت والمتوكل , أحسست بك تتذكرهما, فقد نظرت إلى نعلك وسكت, تنهدت وسكت, كأنك تنظر إليه وهو يقول ( إن شسع نعل قنبر خادمهما أحب إلي منك ومن ولديك ) كأنك تنظر ولسان ابن السكيت يلون السلم العباسي بدم شهيد, يقطر ويقطر حتى الآن وأنا أنظر إليك وقد نسيتني على الدرجة الأخيرة من السلم تركتني مرتبكاً ونسيت, أين كنت ؟ وإلى أي زمان مضيت ؟
لعلك خارج كل أينٍ ووراء كل متى، ولعلك لم تكن أنت ؛ ولكني حقيقة أراك وأشعر بك, بأنفاسك, أحاطني المعسكر بوحدته وحدوده وأنت قربي, تحرر وحدتي وتطلق الحدود، هادئاً تسبح كنت أراك, ليناً وملوناً تغادر القصر, البركة, إلى أين؟ البصرة تحترق قلت لي, والجنوب نار, تعال معي، قلت ورفعتني من إبطي فطرتُ, رفحا بحراسها البدو تحتنا, والبصرة أيضا, حراسها البدو, وساحة سعد, زخات رصاص ورشّات دم, ومنهم من ينتظر, قلت لي, سمعتها منك, ونظرك شاخص، تحتك حي الحسين, تشبّ حرائق، وعلى المصلى سجدت المنارة مع الشهداء, قلت لي: ستقتل إن لم تغادر, رأيتك تغادر, وأنت تقف قريباً مني, وأي قرب، كنت ذاهلاً عن كل شيء, عن ذاتك ووجودك وعني, عن الأرض وعما يحيط بنا, كلمتك, لم ترد، وربتّ على كتفك وكنت تعلو وتبتعد, طيرانك نور, منجذباً إلى نور, قلت لي نور على نور، تراءى لي أنك قلت شيئا كهذا: نور على نور فأخفتنى, ما بك ؟ ما دهاك؟ سألتك بفزع وهززتك، فتوقفتَ عن القراءة, قراءة رسالتي, رأيتك تتوقف وتبكي ...
توقفتُ عن القراءة, سبحان الله, أحدهم هزني، طه قربي, شعرت به والتفت إلى الأعلى, نحو بداية السلم ورأيتهم قادمين, بأرديتهم الزيتونية وبرشاشاتهم, وأنا على الدرجة الأخيرة من سلم القصر العباسي, هل كنت أقرأ شيئا؟ رسالة ربما؟ أمامي كانت بركة المتوكل, تحت سامراء وأذيال الماء ترشّ ساقي، تبلل الحذاء والجلد رديء، تمسني الرطوبة فأقشعر؟ شط العرب قارس أواخر شعبان _ قال طه وأقشعر _ أنظر إلى حذائي لحظات, وإلى الماء، أتذكّر نعل قنبر على وجه المتوكل, أتذكره وأراهم ينزلون مسرعين، ولسان ابن السكيت يقطرُ دماً, تتوردُ البركةَ بألوانه, تحمّر, تغدو ناراً وهم ينزلون قفزاً, قفزاً ينزلون, أرديتهم, رشاشاتهم, وأنا على الدرجة الأخيرة والبركة ملأى, دامية وملأى, تغص بالخليج وبشط العرب, ناعماً وأزرق، بارداً ومُميتاً يقول طه في رسالته: شط العرب قطعة ثلج, تقرص بقسوة وأنا أعوم, صاحبي يعوم ويغطس, أمامي يموت, شط بارد وعريض, وورائي الموت، حرس وسلاح، والحي يحترق، البصرة كلها, بيتاً بيتاً, والجنوب نار، أعرف أنهم سيأتون فقصدت الشط, أعرفهم, الصدور المطرزة بالرصاص أعرفها أيضاً، أعرف الجدران المدماة المخدشة بالرصاص وأعرف شط العرب, المد عالي وبارد والحرس يقتلون أية حركة ولو ليمامة أو سمكة, أعرفهم _ يقول في رسالته_ وأعرف الجرف الأخر فأعوم, أكتم الصوت وأسبح, أضرب الماء الشط وأسبح وصاحبي ينهار, يسبح وينهار, يكاد يغرق, يصرخ يغرق ويصرخ, والمد قوي وصاحبي ينهار, أعود به؟ أعود, نعم أعود، أعوم به وأعود، والحرس ينتظرون، رأيتهم يقتلون أي حركة, أي حركة ولو ليمامة أو سمكة وينتظرون، صوبوا رشاشاتهم وكادوا, لولا أنني رأيتها, شقّت الظلام فرأيتها كأنها فجر, شقّت الشط وأنا أسبح وصاحبي يغرق, يغرق بالرصاص وأنا أسبح, كأنها فجر, رأيتها, سفينة من بياض, بيارقها خضر خفاقة والظلام من حولها نور، فتذكرت _ يقول طه في رسالته _ تذكرت قصتك ( الرجل الغريق ) وتذكرت (طريدون ) باخرتك البيضاء أو كتابك القصصي, تذكرتهما وتمنيت لو أنك كنت معي, والمد قوي وسفينة النجاة تقترب, الفجر يقترب ,أسبح تجاهها وتقترب, قبة الذهب فوقها, سامراء فوقها وهي تقترب, بيارقها خضر والحرس على الجرف، يقتلون أي حركة ولو ليمامة وأنا اقترب من الفجر ... وتمنيتك معي .
فأغلقت القراءة، رسالة طه أغلقتها, ونظرت إلى أعلى السلم العباسي لقصر البركة, كانوا يقتربون, الحرس العباسي يقتربون، بأرديتهم السود _ بضع درجات _ وبرشاشاتهم ورأيتها, رأيت سفينة النجاة, تعترض الأمواج، ترد ارتطاماتها وتنتفض, على قلب الحمرة المشرقية رأيتها قبة من ذهب وبياض, قلت: من ركبها نجا, وقرأت على صاريتها ( صدر الزمان ) بأحرف من رضا, قرأتها وقفزت إلى الماء ...