loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ستوتة حمراء بثلاث عجلات فقط

breakLine

 

ستوتة حمراء بثلاث عجلات فقط

 

خضير فليح الزيدي - كاتب عراقي 

 

إنها حقا من ليالي الرعب، لم أكن عارفا فيها بعد، بأسرار التقنيات الحديثة للهواتف الذكية، فعندما حلت الرسالة المرعبة ضيفا ثقيل الظل على هاتفي، ومن دون كشف لاسم المرسل، أدركت بأن المصيبة الكبرى قد وقعت، إلا أن الأمر برمته لا يتعدى سوى إشارة خفية تأتي في حين غفلة، وتقلب المزاج، وتفسح للقلق أن يتسرب في أحاسيسي، وحسب ما أخبرني أحد الأصدقاء، بأن الحذر واجب أيضا بعد تلك الرسالة.
بدت لي أن الجهة المرسلة كانت متنفذة بصياغة الأفكار القاتلة، وهي تختار الأفراد لتنشر الرعب فيهم عبر الرسائل التحذيرية أولا، قبل التنفيذ ذلك ما يوصي به "كبير المناوئين".
كانت عبارة عن رسالة "sms" من رقم غريب يحمل المرسل إشارة مقيدة بثلاثة أصفار فقط على غير العادة. الرسالة لا تحتاج إلى تفسير خبير ألغاز في تفكيك شفرتها، لكني غشيم بالتقنيات مثلما أسلفت. فحين غرّد هاتفي برنة الرسائل كنت في فترة ما قبل النوم، لكن سلطة النوم غادرتني حتى حلّ الصباح وأنا في حالة من الهياج والرعب معا. رسائل التحذير هذه خطة مبتكرة اعتمدتها جهة الرسائل التحذيرية في تلك الأيام، إذ يكون فعلها مرعبا أكثر من فعل القتل ذاته.
المرسل 000:
((أحذر.. وإلا سيكون مصيرك مثل مصيرهم)).
ست كلمات فقط فجّرت قنبلة في رأسي. داهمتني مخاوف شتى وتخيلات جعلتني خائفا حتى عندما يرن الهاتف في جيبي لطلب وجبة "طعام ديلفري" من المطعم. أصبحت خائفا من مواء قطة البيت، ومن نبرة صوت شخير زوجتي في الليل. اعترف أنني جبان من طراز خاص، ومن تلك الرسائل الملثمة لما تحمله من جدية مضمونها وضمان سرعة التنفيذ.  كل شيء يخيف الفرد في بغداد، أصغر ملثم يخيف أكبر قامة سافرة هنا، ويجعله يعاني من الوسواس القهري.
التحذير ربما يحدث لكل واحد من الجميع هنا يوما ما من أعمارهم، ففي لحظة تبرق فيه الإشارة الخفية لتخبر "المرسل إليه" بالحذر من أمر ما، سوى كان ناشطا سياسيا أو متظاهرا أو مطلوب دم عشائريا أو مدانا بمبلغ لصاحب العقار. تأتي الإشارة كبرقية سريعة ثم تتوارى في السراب. ولا يعرف "المحذور" أقصد به المرسل إليه المسكين من أمثالي، ما يفعله بعد تلك الإشارة. قلت في نفسي: "اللعنة على الهواتف ومخترعها".
حدث هذا في أيام انتفاضة تشرين العراقية من عام 2019. في أيام انطلاقتها الأولى، إذ تفاعلت كمواطن بحماس مع سير الاحتجاجات. كنت أتابع موتهم بتلك الطريقة الفجائعية فأنفعل لموتهم وأبكي لإصابة أحدهم، واصغي بشغف لصراخهم أمام رجال السلطة المتجبرة. كنت مع الشباب المنتفض في فعالياتهم اليومية، مشاركا بالفيديوهات المصورة في الفيس بوك وأدلي بكلمة مؤثرة وبصياغات أدبية مؤثرة عن أرواحهم التي تصعد في توابيت تحملها البالونات إلى السماء.
حتى جاءت الرسالة المشؤومة لأتوقف عن التفاعل، على الرغم من أن شباب الانتفاضة التي تأتيهم إليهم عشرات التهديدات، لم يبالوا برسائل التهديد. ألم أقل لكم بأني أحمل شارة التخاذل والجبن والتردد بعد تلك الرسالة؟
من الطبيعي أن يحدث ذلك..
لكوني ببساطة أعلنت في مساء يوم 4/ 10 من خلال صفحتي بالفيس بوك عن رغبتي في الكتابة عن ملحمتهم التشرينية المشرّفة. وعلى الشباب المحتجين تزويدي بقصص الشهداء منهم عبر نافذة رسائل الماسنجر، بذلك اليوم الذي أطلق عليه بيوم القنص الجماعي. اليوم الذي انتشر فيه فريق القناصة على سطوح العمارات بالقرب من مول النخيل، لقنص ما ملكت أيديهم وما يستطيعون إلى الرؤوس سبيلا.
لا اخجل من الاعتراف بانتهازيتي. راكلا بقدمي مقدمة فكرة المبدئية ومؤخرتها. بصراحة متناهية كان عامل الخوف يجتاحني من التصفية الجسدية، وخوفي من الاختطاف، فجماعة المناوئين لا يسمحون للمختطف بالتدخين مطلقا.
كانت الشوارع تعج بأصناف عدة من المناوئين للانتفاضة، سوى بالمسدسات الكاتمة، أو بسيارات الخطف الرباعية الدفع، التي كانت تسرح وتمرح في شوارع العاصمة والمدن المحتجة الأخرى من دون أرقام. حدثني أحد الشباب الذي شهد حادثة خطف بأن أولى الخطوات التي يتبعونها سحب هاتف المختطف، ثم يأخذون علبة التدخين منه، وثم.........، وثم............، حتى يتوارى الى الأبد.
لم تسجل لمخطوف من الشباب أن أطلق سراحه، حتى لو حصل الخطأ في حالة الخطف، فعندما خُطف بائع قناني الماء في الساحة، توهم الخاطفون انه أحد شباب الاحتجاج، لكنه أيضا غاب وإلى الأبد.
*
أدرت وجهي بعد رسالة التحذير، وكأن الاحتجاج وقتل الشباب لا يعنيني. انشغلت بحياتي الشخصية، مع عدم الخروج من البيت إلا للضرورة القصوى. عادة ما انشغل في المساء بتناول بيضتي المسلوقة مع الزيتون على العشاء، وبعدها انشغل بالقراءة، وبعدها أخلد إلى النوم من دون مبالاة بما يحدث خارج البيت.  بينما الشباب يبقون ساهرين في خيمهم التي نصبوها في ساحات الاحتجاج. كنت صامتا مثل حال معظم من صمت من الكتاب "اللا – أدريين".
ككاتب يستهويني الكتابة عن العشق والغزل وعشقي للنساء الأربعينيات البدينات فذلك لا يغيض المناوئين مطلقا. لم أتقرب إلى المواضيع الحساسة التي تثير حفيظتهم، لأن التهديدات تبدأ عندهم بالرسائل، وتنتهي بالتنفيذ الفعلي حفاظا على مصداقيتهم. هذا ما خبرته عبر موجة من الاتصالات والنصائح المجانية التي يقدمها الأصدقاء والأقارب، من الابتعاد عما يثير حفيظة جيش المناوئين.
هذا كل ما في الأمر فقط.
*


في اليومين الماضيين أعادت لي جذوة هذه الانتفاضة تلك الروح والعاطفة المتفاعلة مع تفاصيلها، بعدما أصابها شيئا من برود العاطفة، بعد مرور أكثر من سنة ونصف على بدايتها. تفرقت في الشتات جموع المتظاهرين بعد الالتفاف والمكر وشيطنة تظاهراتهم البريئة، بطريقة خبيثة ووصموها بختم العمالة للأجنبي.
اتصل بي الصديق عمران بعد أربع ساعات تقريبا. تناقشنا على مدى ساعتين لاختيار أحد الشهداء المغمورين الذين لم ينصفهم الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، ومن ضاع دمهم مثلما ضاعت أخبارهم. وافقت على الكتابة وأعددت الأمر كحافز مهم للاندفاع في المشروع، ثم ترك لي حرية اختيار أحدهم.
في البدء اتفقت معه للكتابة عن أحد الشهداء المغمورين، عن شاب عشريني يدعى "كرار عدنان علي"، وهذا الشاب لم يتناوله إعلام الانتفاضة المرتبك في حينها، ولم تتداوله وسائل التواصل، ولا أحد يعرف بموته مطلقا سوى أمه المسكينة، التي أصابها مس من الجنون لقتله بتلك الطريقة الشنيعة.
كان كرار يحمل بعربته الثلاثية "الستوتة" أحد شهد الانتفاضة الذي سقط أمامه بإطلاقة بندقية أصابته في الرأس، ترجّل كرار من عربته ووضعه في حوض العربة، ثم أنطلق بسرعة إلى المستشفى. وعندما لمح أحد قناصة جيش المناوئين ما فعله كرار وجه نحوه إطلاقة أخرى من قناصته الأمريكية الى رأسه وقتله في الحال فتحول مسار الستوتة الى بيته.
مثل هذه الحادثة حدثت كثيرا، لكن الغريب أن العربة الثلاثية استمرت بالسير، إذ كان كرار القتيل يمسك بقوة على مقود العربة مبتسما كعادته سائرا باتجاه بيتهم. إذ استدلّت العربة على طريق البيت واستقرت هناك عند عتبة الباب، وهي تزمر بصوت جنوني. كانت تحمل بدل الشهيد شهيدين معا بعمر الورود.
أبقت العجوز "حنونة" على عربته التي كان يعمل عليها في الأسواق لتحميل الخضار من السوق الى بيوت الحي. أبقتها في مكانها أمام الدار كشاهد شاخص أمام الأعين وأكثر دلالة من القبر، أو لنقل كقبر من حديد على موت كرار، ومازالت آثار دمه على حافتها، إذ يقيم الذباب عليها حفلته كل يوم.
تخرج العجوز كل وقت غروب كالمجنونة تنتظر مجيئه إليها: "يمه كرير يا بعد قلب أمك. يمتى تجي مو طال الفراق؟". ولا من مجيب، حتى الله سبحانه أشاح بوجه الكريم عنها. وتركها للجنون والفراق والموت البطيء.
لكن إشارة من الغيب جاءت بتحذير مخيف من جديد هذه المرة. لم تعجب القصة الصديق عمران، أخبرني بأن البحث عن قصة شهيد آخر هي الأجدر بالكتابة. وافقت على طلب عمران على تغيير جهة الكتابة خوفا من إشارة الغيب التي بدأت تضايقني.