loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

سِنُّ بودا

breakLine

 

سِنُّ بودا

 

حيدر الناصري - كاتب عراقي

 

في الْهُرْي القديم جلسنا منصتين، لطيور الخطّاف وهي تعيد بتروٍ تأهيل أعشاشها من الوحل والقش والأرياش واللعاب، بين أعمدة السقف المرصوفة من شجر السرو والقيقب.  
قالت عمّتي: هذا الأعشاش إحدى ذخائري النفيسة، أكثر من سبعين عامًا لم تهجر أماكنها، اُنظُرْ إليها ما أبهاها: 
صدورٌ كستنائيّة، ظهورٌ فيروزيّة، أردافٌ بيض، وذيولٌ متشعّبة كسُتراتِ (النُدُل). 
أرخيتُ عقدة ربطة العنق، وبصوت مخنوق:
عليّ المغادرة، أُهَيِّئُ نفسي للرحلة، الطاقم بانتظاري.
طبعت على خدّها قبلة، وعدتها بالعودة بسرعة هذه الطيور.                      

أوّل رحلة لي، إلقاء أسطر بسيطة على مسامع الطاقم، تطلّب مني الكثير من التدريب.
إحدى المضيفات حبست أنفاسي؛ كان قميصها الضيّق يلجم صدرًا متوثّبًا، كجواد بريِّ، يحاول الإفلات من ربقة وتدٍ مغروسٍ في الأرض.. ضحكاتها المتكرّرة الكاتمة، لمحت وراءها غنجًا مفرطًا، خلع باب قلبي المطمئن، وكلماتها التسع أنهت شرودي، وأطاحت بتوازني:
"حين نحطّ على أرض (لؤلؤة المحيط)، سنغيّر قواعد المواجهة".

أقلعت طائرتي، الموشوم على دهانها الأخضر، أحد طيور عمّتي، نحو وجهتها (سيرلانكا):
جنّة آدم المزعومة، دمعة الهند المشعّة، أو(سرنديب) كما يحلو لعمّتي تسميتها، موئل: 
الشاي الأسود "المنعّنع"، والمعابد الذهبيّة، وجوز الهند، وفاكهة الجاك الضخمة، والأحجار الكريمة، والأدغال العذراء، والأبراج الشاهقة، وصخرة (سيجيريا)، والرهبّان المزدانين بأثوابٍ برتقاليّة، عاري الأقدام حليقي الرؤوس. 
بعد أن حطّ  طائري في المدرج، وفاض المسافرون؛ أقلّتنا السيّارة إلى فندق فخم، يعلو هامته علم يتوسطه أسد ملتحٍ، فاغر الفم يمسك مقبض سيف قصير.
فور دخولي الغرفة، اتّصلت بعمّتي، ما أن أثنيتها عن البكاء، وعبارات التأنيب، قالت: 
"أنت أثمن ذخائري، لا تدع إحداهُنّ تسرقك منّي".
لا أعرف كم من الوقت استغرقته في النوم، طرقات متكررة على الباب أهملتها، التعب استحوذ على جسدي، أنساني قواعد المواجهة المعدّة للتغير.
أفلتُ مزلاج باب الشرفة، وراحت عيناي تطوفان حول هذه الفراديس الأرضيّة، تغسلان روحي من وعثاء الرحلة، ومن آثام وحدة عمّتي. 
في بهو الفندق، تفحّصت الوجوه المتحلّقة حول الطاولات، لم أرَ المضيفة، أحدُ الركّاب أومأَ لي.
قدّم لي نفسه، وتدرّج في الحديث، عرفت أنه مولع  بمشاهدة النفائس أيّنما حلّت، حدثني عن المدن التي زارها وتفاصيلها، قال بزهو:
هذا المرة الثالثة أزور فيها البلد، ما يعيدني إليها مهرجانَ "إيسالا بيراهيرا" يقام تكريمًا لبقايا أسنان (بودا).  
قلت له بانشداه: أسنان؟ 
- نعم إنها من النفائس، ألمَ تسمع بأشهر الذخائر في العالم؟
رددتُ بخجل: لا. 
- ما دام الوقت يتّسع، سأتلو عليك بعضًا منها، وإن أردت ستأخذك مرشدة السيّاح: فاتنة وتتقن عدّة لغات، إلى مدينة (كاندي)، المهرجان يقام على إسفلت شوارعها.
شوّقني حديثه لرؤية الاثنين، فاستعجلته.
- لاحظْ، لا بدّ أن سمعك قرعته هذه الأشياء:
خشبة الصليب، المسامير المقدّسة، إكليل الشوك، خمار(فيرونيكا)، أصبع يد (طوماس المشكّك).
عدّل جلسته، اسمع أغربها:  
إصبعا غاليليو، ريشة طائر (هويا)، عينا أينشتاين، إصبع (پانچو ڤيا)، أنبوبة يرقد فيها نفَسُ (أديسون) الأخير، كبسولة السيانيد التي تجرّعها (الفوهرر).   
قبل أن ينهي كلامه قرّب فمه من أذني: 
أختمُ لك القائمة، بهذه الذخيرة العجيبة: (قضيب نابليون).
ضحكت بإفراط: هذا العالم يفتنني بغرائبيّته.  
فتح هاتفه، أجرى اتصالاً، وأجابني:
ستحضر المرشدة قريبًا، دفع الحساب:
"ربّما سنلتقي في إحدى الجنائن".
لاحقته عيناي حتى خرج، ومن وراء زجاج واجهة الفندق، لمحت المضيفة كانت بانتظاره، استقّلا "التوك توك" وذابا.
قلت لنفسي: ضاعت قواعد المواجهة والتغيّرات دون رجعة.

خلا بهو الفندق من النزلاء، الوقت كان كسلحافةٍ مقلوبة على ظهرها...
أنهت فوضى الصمت سبّابةُ إحدى موظّفات الفندق، أشارت إليّ وهي تتحدث لشابّة، ترتدي (الساري) الهنديّ باللون (الأوف وايت)، عاري الذراعين، وعليه نقشات ذهبيّة، تتأبط كتابا غلافهُ ملوّن. 
رحّبت بي بعربيّة متعثّرة، أوّل حديثها كان عن بابل وجنائنها، ثم عطفت كلامها عن تولّعها بقصص (ألف ليلة وليلة)، وحبّها لـسيّدة الحكايات (شهرزاد)، بعدها طفقت تروي معالم المدينة والفندق وأهمّ نزلائه، وعن مهنتها وبعض المواقف الصعبة مع سيّاح تجهل لغاتهم. 
أنا بدوري تداركت ذهولي، وبادلتها انبهاري بسحر الطبيعة هنا.
قالت: لم ترَ شيئًا بعد، أعذرني أغفلت أن أعرّفك بي: أنا (أمالا).
- وأنا (آسر)، طيّارٌ منزوع الجناحين الآن.
أسرني جمالها ورقّة صوتها، وقلادتها التي يتوسّطها سنٌّ من حجر (اليشم).
سررتُ لنفسي: 
سبحانك إلهي، لم تدع يدَ غيركَ تؤثّث هذا المكان، حتّى الإناث جبلتها من طين فريد. 
أخذتْ زمام المبادرة في النهوض، تبعتها إلى أن وصلنا سيّارتها، انطلقنا، بدأت حديثها عن معبد (الأسنان)، واقترحت أن نزور ميتم (الفيلة)، ونتّجه بعدها صوب بحيرة (كاندي)، فيكون الليل قد أرخى ستائره، وبدأ المهرجان.
طول الطريق، ظلّ فكري يطوف في وجهها، وأنظاري تتابع خطوط الحنّاء المرسومة على يديها، وانسياب الكلام على لسانها الورديّ الصغير، تأكّدتُ حينها أن طعم المكان زال، وتبخّر فجأة.
لم يكن منظر (الفيلة) المستحمّة في النهر بالشيء المغري، ولا الغابة الصاخبة، أما بحيرة كاندي، أثارنتي فيها قصّة إنشائها، وما قام به الملك من عقاب للمعترضين عليها بربطهم بالأعمدة في قاعها، خفتُ أن ألمس ماءها، وأكتفيتُ بالتحديق في القاع طويلا.
(أمالا) أحسّت بأن هنالك خطبًا يجري لي، أمسكت يدي وأخذتني إلى إحدى المصاطب:
ما لك أيّها العراقيّ أطفأت فتيل البهجة بسرعة!
أجبتها بتردد، ونظري مثبّت على سنّ القلادة:
غمرني الحنين إلى موئلي وعمّتي وطيورها... 
أفلتتِ القلادةَ من عنقها، قبّلتها وضمّتها بقوة إلى صدرها:
هذه أثمن ذخائري، تهبني الراحة والسكينة، هي بقايا من أحبّة ارتحلوا عن هذه الجنان.
آلمني انكسارها، بارتجاف وضعتُ يدي على يدها القابضة على القلادة:
كُلّنا ذخائر نفيسة في صناديق الآخرين.
كحجر هزّ بحيرة روحي الساكنة، أطلقت ضحكة...
بين زحام المحتفلين، خفتُ أن أفقدها، أخذتْ مشعلاً من أحد الراقصين، شابكت ذراعها بذراعي، وسرنا خلف موكب الفيلة المهيبة المفعمة بالألوان واللمسات المتلألئة، يتقدّمها فيل ضخم مزيّن بغطاء مطرّز، بخطىً مدوزنة ومهيبة، على ظهره يهتزّ هودج مضاء. 
بين روائح البخور، وقرع الطبول وضرب السياط لطرد المردة، وحلقات نيران قشور الجوز، رقصنا وابتهجنا حتى ذوت المشاعل، وخفّت أرجل السيّاح عن الشوارع، حتّى الفيلة تأكّدت أنها نهاية العرض؛ فانسحبت مع المربّين إلى الحظائر. 
جلسنا على حافة الرصيف نستردّ بعض هدوئنا، بعد أن طوّقتنا إحدى النساء بإكلليين من أزهار (الكميليا) الحمراء، والتقطت لنا بكاميرا (أمالا) صورًا.
قالت:
غدا في الظهيرة سنكون تحت أفياء شجرة (بودي) المقدّسة، ربّما أرسل لك شخصًا يقلّك إلى المكان. هل تعرف أكلة تاميلية اسمها (توساي) وحلوى (كورد)؟.
- لا، لكنها بالتأكيد عذبة وشهيّة وزكيّة مثل!
- مثل ماذا؟
- مثل هذا الوجه الماثل أمامي.
تداركت خجلها: الليلة أنتَ في ضيافتي يا (شهريار).
- كيف لي أن أكون الملك، وديكُ الأيّام القادمة سيستّل عليَّ سيوف الختام!
- لا تكن متشائمًا، دع الأمور تجري لوحدها.

 في الظهيرة أقلّني السائق يمتلك شاربين وفيرين، من دون أن أسأله قال:
(أمالا) بنت فريدة  من بين كلّ بنات عائلتنا. لمح في عيني نفضة التعجّب. وأكمل:
نحن من جذورعربيّة، قدمنا منذ سنوات طوال، وامتزجت دماؤنا وعَرقنا ولحم أجسادنا بهذه الأرض، نحن كالفاكهة المرتحلة عن أرضها، تخزّن بين أنويتها اسم موئلها.  
خفّ صهيل السيّارة، أشار السائق إلى مكانها، واستدار عائدًا.
وجدتها جالسة على بلاطة الحجر، تحت أقواس شجرة التين المقدّسة الواقفة بصمت ووقار..
يا إلهي! أيّ فاكهة مقدّسة هذي: ترتدي (الساري) بلون (البينك) الفاتح، مشجّرا بلون (الفوشيا). 
قالت: حائك الأقدار الذي أتى بك إلى هنا، ساق (غوتاما) إلى أفيائها، فاستحالت سهامُ وحجارةُ الشياطين زهورا جميلة، ترشق هامته.
لكَ أن تنحني أمامها وتبتغي. 
نشرت على وجهها ابتسامة مطلقة، أطبقتُ عينيّ على منظرها، في رفّة جفّنٍ شعرت أن جذور (أمالا) تمتدّ وتتغلّغل وتتفرّع وتثمر عميقًا في تربة قلبي، أنستني:
ألوان الزهور والطيور ورقّة النهر، وطعم الجوز ووهج الأحجار الكريمة، وعطر أشجار(التنوب) المعمّرة، وإلتماع (الستوبا) الذهبيّة، ومهابة تمثال (أفوكنا) الغارق في تأمّله، حتى شساعة الخضرة، ورائحة حقول الشاي.
قبل أن يرتدي اليوم ثوب الأصيل، قالت (أمالا):
لنلحق الغروب عند البحر، المنظر هناك مغرٍ جدّا.. 
توقفنا عند بائع الجوز على قارعة الطريق، ضرب البائع ثمرتين بساطوره محدثًا فتحتين صغيرتين في قشرتهما، ووضع لنا قشتّين لنشرب بهما. أكملنا بعدها حتى أنزلنا سائق (التوك توك)، أمام درب ترابي يشق حقل الشاي الكثيف، أرخت (أمالا) سيريّ حذائها وخلعتهما، سارت وهما يتأرجحان في يدها، مشينا على الرمال قاصدين البحر، كانت أنقاض الغزاة السابقين والمعابد والأضرحة مثناثرة في أوصال المكان.
بانت لنا عين الفنار المضيئة تلتف حول الحيد، وصوت مياه البحر بان واضحا وراء شرائط الرمال السوداء.
رائحة السمك المشوي القادمة من الأكواخ البسيطة، اختلطت مع رائحة البحر الباردة.  
قالت (أمالا): سنتعشّى سمك.
قصدت أحد الأكواخ ثم عادت مع أحد الصيّادين، أوقد لنا نارًا ووضع سمكة كبيرة، وعلى حافة المجمر وضع أبريق الشاي، تركناه واتجهنا صوب الحافة، تأملنا  البحر وهو يهدأ من تعب النهار الطويل، كانت أطراف الموج البعيدة، تلامس برقّةٍ حدقة القمر القريبة.  
قلت لها: ما يشغل فكرك؟
ضربت برجلها الزبد وقالت:
يا (آسر) انظر لهذه الأمواج تضرب الشاطئ مرارًا، تريد استكشاف اليابسة، تريد أن تتمرد على روتينها اليوميّ، مثلي تمامًا، أتمنى أن أسافر، عشت حيوات السيّاح، ولم أكن لمرّة واحدة سائحة.... لكن هذه الأرض لا أعرف علّتها، هل نبتُّ فيها أم نبتتْ فيّ!  
- أنا طيّار وسأعيش الترحال، أيام هنا وأيام لا أعلم أين، صحيح أني أملك جناحين، لكن لا سلطان لي عليهما، أي مفارقة هذه!
التفتت إلي والدمع يترقق من جفنيها:
الحبّ أشبه بمركب يسير دون بوصلة، ربما يتحطم ويغرق، وربما يرسو على أرض يجهلها لا تستطيبه، وربما يعود أدراجه بأشرعة منكسرة وقبطان مخذول.
يا (آسر) الحبُّ: لعبة أختراعها البشر، كي يرمّووا وجودهم الناقص، لن أدعك تمارسها، ولن أكون طرفا فيها، مرّة واحدة فطرتُ فيها قلب إنسان، ولن أكررها، ما تريده مستحيل.
أنهى اللقطة التي هزمتني وابتلعني سوادها الداكن؛ صوتُ الصيّاد يدعونا للعشاء...

لاذت هي بصمتها إلى أن وصلنا أمام الفندق، ألقت وداعًا مستعجلاً وغادرت، تسمّرتُ حتى تلاشت في الظلام البعيد.  
انقضت الثلاثة أيام، وأنا لم أفارق فيها الفندق، محاولاتي في الظفر بها ولقائها كلّها باءت بالفاشل، حتى الراكب الذي جمعني بها انتقل إلى مدينة أخرى.
الليلة ستطوى قصّتي! 
كتبت لها رسالة، وترجّيت إدارة الفندق تسليمها لها، غادرت كمطرود من الفردوس، يحنّ إلى الرجوع إليها ذات يوم. 

غمرت الفرحة عمّتي، ضمّتني إلى صدرها، وقالت بحزم:
لن أدعك ترحل ثانية، ليبحثوا عن طيّار آخر غيرك.  
بين طيّات ثيابي المنضّدة، داخل حقيبة سفري، لم يخالج فكري كيفية وصولها! لكنّ جوابي ساعتها لعمّتي، عن سرّ توهّج وجهي، وأنا ألثمُ القلادة وأضمّها بقوّة إلى صدري:
هذه بقايا من أحبّةٍ، خَلَّفَتهم في الفردوس.