loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

شيءٌ ما يحدث

breakLine

 

شيءٌ ما يحدث

نتالي دليلة / كاتبة سورية

 

يدهُ اليمنى تُمسك بالحائط بينما اليسرى على صدرهِ
تستشعر دقّات قلبهِ المتسارعة ..
صمتٌ مريب يعمّ المكان ، غارقاً وحيداً في ما لا يعلمهُ إلّا الله
هَل حان الأوان ؟ يسأل نفسهُ بخوفٍ شديد
أنفاسهُ باتت بطيئة و طويلة .. و الدّوار كان قد تملّك كيانهُ البشريّ الضعيف ..
خَدَرٌ مرعب يجتاح أطرافه .. يحاول النهوض طلباً للنّجدة إلّا أنّه بدأ يفقد السيطرة على جسده ..
كأنّ أحاسيسهُ تُسلَبُ منه دقيقةً تلوَ الأخرى
و مع كلّ نبضةٍ مُتعَبَة من قلبه المتسارع .. تجتاحهُ هجماتٌ من الضعف غير المعتاد ، و الإرهاق العقيم المدمِّر

شيءٌ من الشّلل يتسلّل إلى أعماق تكوينه ، كــسُمٍّ سريع التأثير بدأ يستعمر جسدهُ بخبثٍ مريب
جسدهُ لا يستجيب ..
كأنّ هناكَ من قام بحبسهِ و تعذيبهِ لأشهر
إلّا أنّه لم يحدث شيء من هذا القبيل
فلطالما عاشَ حياةً كريمة منعمّة ، حاظياً بالمحبّة الحقيقيّة أينما ذهب..

كان يشعر بنبضاتٍ صاعقةٍ من الكهرباء المخدِّرة تسير في عروقهِ
من رأسهِ إلى عقبيه كلّ دقيقة
باتَ التّنفس أمراً عسيراً شاقّاً على ذاك الكيان الهزيل
ما زالت يدهُ اليسرى على قلبهِ إلّا أنّه لم يعدُ يشعر بضرباته ..
هامشٌ من القلق و الحزن انتاب روحه المُستَسلِمة
بدأ بالسّعال ، ذاكَ السّعال المُستعصي عالي اللّحن و الصوت .. المستمرّ القويّ الذي لا مفرّ منهُ ولا مهرب ..
قطرات العرق تتسابق على جلد وجهه الذي باتَ شديدَ الاحمرار ..

ها قد بدأ يظهر شريطُ حياته أمام عينيه الدّامعتين المشوّشتين ..
لا مفرّ ممّا سيأتي .. قالَ لنفسه ..
بدأ يرى كلّ شيء ، منذ أن أقبلَ على هذهِ الحياة الشاقّة التي - صدّق أو لا تصدّق - كانت سعيدة في يوم من الأيّام ..
نظرات أبويه لهُ بعد ولادته ،، و كأنّهُ كنزٌ ثمين لا مثيلَ لهُ ، عَثرا عليه بعدَ عقودٍ من الضياع
دموعُ والدتهِ و هي ترضعهُ للمرّة الأولى
و دموع والدهِ و هو يطعمهُ للمرّة الأولى
البسمة التي ارتسمتْ على شفاههما عندما نطق كلماتهُ الأولى
عوّداهُ أن ينامَ بينهما ، خوفاً عليهِ من بردٍ قد يأتيه أو جوعٍ قد يبكيه ، و بعوضةٍ قد تزعجُ نومَهُ البريء
فلا حبَّ - يا عزيزي - في هذه الأرض كـ حبّ الأبوين لابنهما .

أصبحَ عمرهُ ست سنوات
يعودُ كلّ يومٍ من المدرسة ليتناول الطعام مع العائلة التي تستقبلهُ بدموع الحنان الغارق بالشوق الملهوف ، و كأنّهُ عادَ -و أخيراً - من سفرِ سنينَ طويلة .. طويلةٍ جدّاً ..
كانت تجلس أمّهُ بالقرب منه و تشاهدهُ أثناء قيامهِ بواجباته المدرسيّة ، تشاهدهُ بكلّ فخرٍ و حبٍّ و صفاء.. بينما يعودُ والدهُ من العمل ليجلس الجميع على العشاء فتعمّ الضحكات أرجاء هذا المنزل ، الذي -صدّق أو لا تصدّق - كان في يومٍ من الأيّام سعيداً ..

لحظاتٌ سريعة تمرّ بشريطِهِ القاسي الحزين
(( أوّل حفلة ، أوّل حبّ ، أوّل دمعة ، أوّل نجاح ، أوّل فشل ، أوّل سفر ، أوّل كتاب ، أوّل أغنية..))
.. لم يستطع إكماله
قلبهُ يتباطأ..
نبضهُ يتوقّف
حرارتهُ تتخفض
وجههُ باتَ شاحباً عديم اللون
روحهُ بدأتْ بالاستسلام ..

إنّه الســــــــرطان يا سادة
قاتلْ من لا قاتلْ لهُ
مدمّر الأحلام و كاسرُ القلوب ..
ذاكَ المرض الذي لا يعرف الرّحمة و لا يفقه معنى الرّأفة ، لا يفرّق بين شابٍّ و معمِّر أو غنيّ و فقير
إنّه الموت البطيء الخبيث يا سادة
عذاب الاحتضار المقسّم على سنواتٍ طويلة من الكآبة و التعاسة و الإعياء و التعب
سنواتٍ طويلة من الدموع المتتالية التي تودي بصاحبها إلى الغرق في موجات الحزن العقيم و اليأس الشّديد
سنواتٍ طويلة من الآمال الكاذبة و الأوهام المعلّقة و المخاوف القاتلة
إنّه السُمُّ الخبيث طويل الأمد
الذي يقتلُ كلّ جزءٍ من جسد محتويه البريء
موصلاً إيّاه لـــأنْ يتمنّى الفناء و الزّوال طلباً للراحة المطلقة النهائيّة ..
الضّياع المتلبّس بالحقد ، قاتل الأبرياء و معزّب الأرواح الضعيفة
و أخيراً ..
أُناشدكَ أنت
أنت أيّها الإنسان ..
ذو الصّحةِ الكاملة و الحياة الطبيعية و العائلة الطيّبة التي تشاركك تفاصيلك الأصغر
لا يَحُقُّ لكَ أن تحزن ، لا يَحُقُّ لكَ أن تشتكي فالصّحة هي ثروة الإنسان العاقل.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي