loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

شي غيفارا يدخل السيستم

breakLine

 

شي غيفارا يدخل السيستم

 

سفيان رجب/ كاتب تونسي

 

 

أفاق شي غيفارا من أحلامه الثورية، فوجد المكان حوله مقفرا، ليس هناك سوى بعض حكماء عميان وبعض حيوانات تجترّ السراب. قال:
- أين رفاقي؟
فأجابه حكيم عجوز كان يربّت على رأس كوبرا:
- رفاقك كلهم دخلوا السيستم.
نفض شي غيفارا التراب عن بدلته العسكرية، ثمّ استوى واقفا. فكّر مثل ذئب وجد نفسه في جزيرة كلها عشب وفواكه ومياه ولا طرائد فيها: هل يتحول إلى كائن عاشب، أم يدخل المحمية الوحيدة الموجودة في الجزيرة والتي تتوفّر فيها الأيائل والغزلان؟
قرّر أخيرا أن يدخل السيستم، ويبحث عن رفاقه هناك. في مدخل السيستم وجد لافتة مكتوب عليها: انزع عقلك قبل الدّخول. لكنه تجاهلها وحاول أن يدخل بعقله، لكن اعترضه حارسان عملاقان، ودون أن يتكلّما، أشارا إلى اللافتة المكتوب عليها: انزع عقلك قبل الدخول. نظر شي غيفارا إلى ملايين العقول الملقاة أمام مدخل السيستم، وكان بعضها جديدا نظيفا وبعضها الآخر مهترئا، قال في نفسه: ماذا سأخسر؟ سأنزع عقلي، وأدخل سريعا، لأحرّض الرفاق القدامى على الثورة، ثم أخرج برفقتهم من السيستم. 
امتثل شي غيفارا لأوامر اللافتة والحارسين، وبمجرّد أن دخل، اعترضته بوابة عالية، مكتوب عليها: اخفض رأسك لتمرّ فأنت زرافة ذكية. فأطاعها فورا، وأخفض رأسه. ثمّ وجد بوابة واسعة جدّا في إحدى أركانها بركة قذرة، مكتوب عليها: اعبر سباحة في البركة فأنت تمساح رقيق. فامتثل لأمر اللافتة، وعبر مبتسما. ثمّ وجد بوابة مكتوب عليها: اعبر مرفرفا بجناحيك فأنت غراب جميل. فعبر مرفرفا بيديه. بعد تلك البوابات التي مثل فيها أدوار كلّ الحيوانات، وجد رفاقه يقفون أمام الواجهات البلورية، بعضهم يشتري ما يُعرض فيها، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة. أعجبته أشياء كثيرة معروضة، وحين حاول أن يأخذها، قال له صاحب المغازة: 
- لا بدّ أن تدفع نقودا مقابل هذه الأشياء التي تريد أخذها.
- لكن لا أملك نقودا.
- يمكنك أن تعمل عندي يوما مقابل هذه الأشياء.
نظر شي غيفارا إلى قارورة عطر مرسوم عليها صورته:
- وهذه يمكنني أخذها؟
- هذه باهظة الثمن، لن تأخذها إلا مقابل سبعة أيام عمل. 
ولأنّ عقله لم يكن في رأسه، لم يفكّر أبدا في عرض صاحب المغازة، وعمل ثمانية أيام كاملة عنده، وأخذ الأشياء التي أعجبته. بعد ذلك كان يلبي رغبة الحيوانات الصارخة داخله:
- أحبّ قطعة جبن 
يقول الفأر داخله. ويلزمك عمل يوم في مصنع الأجبان لتوفيرها.
- أحبّ سمكة.
يقول القط ّ داخله. ويلزمك عمل يوم في مركب صيد لتوفيرها.
- أحبّ قطعة لحم كبيرة.
يقول التمساح داخله. ويلزمك عمل يومين في محلّ جزارة لتوفيرها.
- أحبّ صحنا من العسل.
يقول غرير آكل العسل داخله. ويلزمك عمل ثلاثة أيام في منحلة لتوفيرها.
- أحبّ كيسا من الموز.
يقول القرد داخله. ويلزمك عمل خمسة أيام في مزرعة موز لتوفيره.
- أحبّ مسدّسا.
يقول حيوان غريب داخله. ويلزمك عمل سبعين يوما في مصنع أسلحة لتوفيره. بعد ذلك يضعه في خاصرته، ويطلق النار على الحيوانات المتوحّشة التي تطلّ من عيون الأشخاص الذين يعترضون سبيله في طريقه إلى الحانة أو إلى المعبد. تطارده الشرطة ثلاثة أيام، ثمّ تلقي القبض عليه وهو يتبوّل على مركز السيستم. يقضي سنوات في السجن، يضعون له طعامه مع رنّة جرس. يلعن السيستم. ثم يتعوّد على ذلك، ويألف الرطوبة والسجائر الرّديئة. يُطلق سراحه، يقول: السيستم ليس أسوأ من خيانة الرفاق. يعود إلى تلبية رغبات الحيوانات داخله، يقول له القنفذ داخله:
- أحبّ كأس ليموناد.
يستغرب: ماذا يفعل القنفذ بكأس الليموناد. لكنه لا يرفض طلبه. يشتري كأس ليموناد مقابل ربع ساعة عمل كقاطف ليمون. الطقس ممطر، يترشف شي غيفارا كأس الليموناد، ولا يعرف لمَ جاء إلى هذا المكان؟