loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صابغ الأحذية

breakLine

 

صابغ الأحذية

 

 سالم حميد - قاص وروائي عراقي



 

 

أرتجف الصبي من برد الصباح  وكاد ان ينزلق بوحل الطريق الذي سببته أمطار الليلة الفائتة .. فتذكر صوت المطر الذي انهمر على سقف غرفتهم المعدني ... كانت ألواح المعدن واطئة حتى انه شاهد رطوبة المعدن ، وسمع أمه تستنجد بالأولياء الصالحين لئلا ينهار السقف عليهم ، وسمع سعال والده وهو يطمئن أمه بكلمات تختلط مع همهمة السماء ... 
لكن ثقل صندوق الأصباغ الذي يحمله وألم حزام الصندوق الذي يحز في كتفه أنساه البرد والوحل ، وما ان سمع صوت احد زملاءه حتى شعر بالخجل ، وحاول اخفاء كفيه المصبوغين ، وتمتمت شفاهه بكلمات ما . فهم من صاحبه : ان المعلم يفتقده وأن أحد الزملاء اخبر المعلم بما جرى ... فعض الصبي على شفاهه المرتجفة من أشياء غامضة على فهمه ، وتساءل بصوت مسموع : ولكن لماذا اخبر المعلم باني صرت ... فربما سأعود إلى المدرسة. فقال له زميله : يقول المعلم إذا لم يستطع أبوك العمل فسيأخذك إلى المدرسة المسائية ..  لكن عندما تكبر أكثر ... 
ولما وصلت الباص وركب بها ، تلاشت من مخيلته المدرسة المسائية .. وكان يتخيل جميع التلاميذ هناك مصبوغي الأيدي ، جلس قريبا من النافذة فرأى من بعيد بوابة المدرسة و هيئآت المعلمين وهم يدخلون وبعض من التلاميذ ، فأراد ان يتكلم مع نفسه لكنه أجّلَ ذلك لوقت آخر . 
ظهرت الشمس من خلف البنايات وسقطت اشعتها على اصابع يديه المصبوغة بدهان الأحذية ، فبدت غريبة عليه هذه الأصابع وراح يفركهما ببعضهما .. فكر: لو أن السيارة لم تنفجر لما اصبح والده مشلولاً .. لو أن...   وفجأة يقترب احدهم ويضع حذاءه الكبيرة على الصندوق بينما كان يواصل حديثه عبر الهاتف ، كان الرجل يتكلم عن الرشاوى ،وبدت هذه الكلمة غريبة على ذهن الصبي و أراد ان يسأل الرجل عن معنى كلمة الرشوة ، لكن ما أن نطق بها حتى زجره الرجل قائلا له : اصبغ جيدا هذا كل ما عليك فعله . فيشعر الصبي بالخزي  وعرف أن هناك أشياءً يجب أن لا يتكلم بها مع الكبار ، و وضح الرجل معتذراً عبر الهاتف أنه كان يتكلم مع صابغ الأحذية لا غير .
يسمع الصبي صوت المؤذن في الجامع القريب ، فتذكر : أنه كان يسمع هذا الصوت حينما كان يعود من المدرسة إلى البيت وقال في نفسه : سأعود إلى البيت بعد أن يصل أصحابي إلى بيوتهم في هذه الحالة لن يشاهدوا صندوق اصباغي ولا كفيَّ الملطختين  .. آه لو أن هذه الاصباغ تزول ... ثم يستدرك : سأتأخر حتى المساء لأن ما حصلت عليه قليل .. ويخرج ما في جيبه من نقود. 
يضع أحدهم حذاءه فجأة على الصندوق ، فيفرح الصبي ويبدأ بصبغ الحذاء ، وفي لحظة فرحه هذا يرفع عينيه على صاحب الحذاء فيصيبه الذعر ويتلعثم بكلمات تتعثر في جوفه ويقف ويقول (استاد... استاد ) ويرددها بشكل اخرق .. يهدأه المعلم : لا ترتبك أبني .. انا كنت صابغ أحذية مثلك ! فيقول الصبي :  لا ... كيف اصبحت معلما أذن .. هل شُفيت جروح والدك !! تنهد المعلم قائلاً : لا .. لم يشف ولم يعد للعمل ، والدي مات واشتغلت مثلك صابغ احذية وعلى نفس هذا الرصيف ، لكن  معلم مدرستي جاءني مثلما جِئت إليك .