loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صندوق الأسرار

breakLine

 

صندوق الأسرار

وداد الاسطمبولي / كاتبة عمانية

 

كانت مستاءة، ملامحها باهتة، يقضم الإعياء تفاصيلها، تظن أنها فعلت كل ما بوسعي وحاولت جاهدة أن تكون كل شيء، وأي شيء لطفلتها، أو كما تراها بعينيها وبكل جوارحها طفلة، وهي قد بلغت سن النضج، ولكن تظل هناك أمور فوق طاقتها، لا تستطيع أن تقوم بتربيتها لوحدها. كان زوجها واقفا ينظر إليها، وهو يجلس بقرب ابنتها على سرير المشفى ذو الشراشف البيضاء بالغرفة البيضاء يربت على رأس البنت بكل حنان وحب، فقد أُغمي عليها وأخذها عمها إلى المشفى، وقام الأطباء بالمطلوب في علاجها، ووضعوها في غرفة الملاحظة إلى أن تستفيق من إغمائها.
لم يكن زوج رحاب بحاجة للكلام، فقد فهم من شرودها وتلك الدمعات التي سقطت على خديها، بماذا تفكر؟ وما الذي يجول بخاطرها، أشاحت بوجهها لتخفي قرارا صممت على اتخاذه، كانت نبرته عندما تحدث ممزوجة بالعاطفة وقال: لا تستعجلي في اتخاذ أي قرار تجاه ابنتك يا رحاب، فأنا معك، ولن أتركك أبدا، تأكدي من ذلك. التفتت إليه وقالت بنفس عميق: أعلم ذلك وأدركه، ولكن الفتاة كبرت الآن، بالأمس كنت أرفض أن يأخذها لأنها كانت صغيرة وبحاجة ماسة إلي، ولكن الأن مسؤوليتها كبرت، ويجب عليه أن يتقاسم معي تربيتها ونفقتها، ويلتزم بأخذها لتشعر بأبوته تجاهها، ومسؤوليته نحوها، أنا لا أتخلى عنها، او أني لست قادرة على إعالتها، بألم وكأن شيئا ما يغلي بأعماقها، لم أعد أستطيع أن أكبت عنادها، أو أن أجمح هيجانها، فهي تحتاج لوجود أبيها على الأقل لأنها تستمع إليه وتهابه.
اقتربت منه ومسكته من كلتا كتفيه: أنت تعلم يقينا ما أقصده يا علي فقد تكون فطرة الأمومة بداخلي أفسدت تربيتها.
هكذا تحدثت رحاب بكل حرقة عن ذلك الأمس البعيد، صوته في داخلها يصرخ الآن، كان الألم الذي واجهته أسوأ من أي ألم، الطلاق كان أسوأ لطمة أخذتها رحاب، وواجهتها بحياته، رحاب امرأة جمالها طبيعي، لا يوجد ما يميزها سوى بشرتها البيضاء اللامعة، وأنفها الصغير، ومبسمها الضاحك الجميل، طيبة لأبعد الحدود لا تستطيع أن تقرر أمور حياتها، كانت ضعيفة الشخصية، برغم تلك الهيبة التي كانت تختفي بملامحها الشاحبة وسط ظروفها، وعملت جاهدة لتكون المثال الأفضل لربة البيت.
كانت هناك خطوات تقترب شيئا فشيئا، وفُتحت الستارة على مصرعيها، وإذ به هاجما بكلماته وهو في حالة هيجان: ما بها؟ ماذا حدث؟ من لكنت وأنت عديمة المسؤولية، نظر إليها مطولا هل تفاجأ برؤيتها، أم الحنين بعد هذه السنوات أعاد إليها ذكرى وجودها، حينها صرخ به علي دون شعور: احترم نفسك، وانتق ألفاظك، ولا تتعدى حدودك بالكلام في حق زوجتي .
رمقها بازدراء وقال: زوجتك! يبدو إنك مغشوش بها، تقدم علي بهجمة الأسد على الفريسة: قلت لك احفظ ألفاظك وإلا لن تر خيرا بهذه الليلة، وهنا تدخلت رحاب وتصدت لزوجها علي محاولة أن تهدئ غضبه، وأنهم بمكان لا يليق فيه مثل هذا السلوك، أبعد يديها عنه وتراجع للخلف قليلا، وهنا حضر الدكتور ليطمئن الجميع بأن الفتاة بخير، فقط فقر دم يحتاج الى تغذية جيدة، وأن تبتعد عن السهر الليلي، وستكون أمورها على ما يرام، وأخبرهم أنه بإمكانهم الذهاب، وذكرهم بضرورة أخذ الدواء من الصيدلية.
ما زال الأمر متوترا والاجواء كالطقس الغائم، لا أحد يعلم متى يهطل مطره أو متى يتوقف، نزلت كلمة سوء التغذية كالصاعقة على رأس رحاب، فهي تعلم شخصية زوجها السابق، يبحث عن بذرة صغيرة ليصنع منها بركانا ثائرا، سرحت ذهنها بابنتها، ومعاناتها في سبيل تربيتها، والبنت لا تكترث لذلك، بل لم تعد تتقبل منها شيئا، تجتاحها تنهيدة تشق القلب، وهي تردد في نفسها، إنها نسخة مصغرة لأبيها، لوهلة أشفقت رحاب على أبي ابنتها، فقد بدا لها وكأنه كبر عشر سنوات، لم يغيره الزمن ما زال متغطرسا متكبرا، وجوده يثير القلق، نظرت إليه بعمق وتذكرت كيف كانت حياتها معه، حياة لم تعرف الاستقرار، يشوبها الخوف وعدم التوازن، كانت نهايتها مرسومة وواضحة منذ بدايتها.
قلب رحاب الكبير المتسامح، الذي يحمل أسرارا صغيرة تجاه هذا الرجل الثائر، لم يُفلح في معالجة الأمور وإصلاح طباعه، كان غروره الشديد وشعورها بواقع معاملته لها كواجب يثير اشمئزازها، صندوق الأسرار أقفلت عليه قلبها، فقد أرهقتها سلوكاته، ولم تتخذ أي صديق لتفضفض له عما يخالج سريرتها، أخفت جميع عيوبه، فأثقلت كاهلها وجعلت حياتها بلا طعم.
سافرت رحاب مع ذكرى ماضيها وزواجها الأول، وفجأة ارتعبت من تلك اليد التي ربتت على كتفها، وإذ بصاحبها يقول: لا عليك، هذا أنا علي، رحاب مكوثك هنا لا يليق بك، هيا ننتظر خارجا، ففعلت، جلس الاثنان خارجا على كرسي قريب من غرفة ابنتها، أشاحت بوجهها عنه لتكمل حديث سريرتها: وأنت يا علي ليس الوقت مناسبا لغيرتك الآن، فهذا الرجل لم يعد يعني لي أي شيء، وكأن حديثها قد انتقل إليه فيحدث نفس: لماذا ينظر إليك بهذه النظرة كلما وجد فرصة للنظر؟ برغم إفراطه بكلامه اللاذع، إلا أن تلك التأتأة حين يراك لها مغزى آخر، الأحمق، التافه.
اطمأنت رحاب لقدوم أخيها، فقد كان هو الحبل الذي يبقيها متماسكة، وقد يخفف وجوده حدة الاضطراب الذي اعتراهما، وبادرها بالسؤال: رحاب كيف هي الآن؟ ورحب بصهره فقالت: بخير والحمد لله، طمأننا الطبيب عنها، فقط ننتظر انتهاء المغذية، وسنغادر، إنه سوء تغذية أدى إلى فقر الدم، وأنت تعلم يا أخي جيل هذا الزمن وطريقة أكله، ثم صمتت وأردفت: وأنا يا أخي تعبت، فأنت أعلم بحالي امرأة منفصلة، لا أحد ينصفها ويقع الأمر كله على رأسها. بتذلل تقول لأخيها: أطلب منك طلبا يا أخي في أن يأخذها فترة معينة، ويأتي بها إلي فترة أخرى فالأب يمتلك الحزم وأنا لا أنكر هذا، اعترض علي كلامها: بإمكانه أخذها بدون مشاورة، إنها ابنته يا رحاب، حدجته، تخبره بعينيها أن يسكت، ولا يتكلم في هذا الأمر.
وقف متمتما وتركها هي وأخاها : يبدو أن الأمر كما أوحت لي عينيها لا يعنيني،
وضع أخوها كلتا كفيه على وجهه، مررهما على شعره، ثم تنهد بعمق وقال: لقد قسوت على علي، وأنت تعلمين إن ابنتك قريبة منه أيضا.
حولت نظرها إلى غرفة الملاحظة وهي تقول: علي إنسان متفهم، وأنا لا أريد إقحامه بهذا الامر.
أحاول فقط أن أعيد صياغة ما بقي من إرث حياتي السابقة، وأرتبه، فنحن الاثنان لم نكن على تفاهم فيما يتصل بابنتنا. رفع سبابته في وجهها وهويحاول أن يتحدث بهدوء، دون غضب: إياك أن تقول عن نفسك شيئا، فأنا أعلم أختي جيدا وأعلم أسلوبها، ثم حضنها بشدة ،فآثار بحركته شجونها.
تحملت رحاب نظرات الشفقة من الآخرين، وعانت على ما يبدو من ندوب ضعفها ، وتراكمت في مسيرة حياتها الأسرار، وقاست في سبيل تغطية ما تقوم به ابنتها من أخطاء، لتتدارك ثورة أبيها وإمكانية حرمانها من حضانتها، فهو لا يتفهم الأوضاع، فكانت تتستر على أخطاء ابنتها، التي كان يمكن أن تتحاشى الكثير من الأمور لو أخبرت أباها، لأن هذا الجيل الصغير المنغمس في الحياة العصرية وعولمتها، أصبح جيلا صعبا، يحتاج الى جهد وصبر في تربيته, كل هذا كان هذا صندوقا مغلقا من صناديق الأسرار، التي أثقلت كاهلها مع مرور الزمن.
ابتسم أخوها لها بحنان، ومسح تلك الدمعة التي مازالت عالقة على خدها: لا عليك يا رحاب، سوف أتحدث مع أبيها بهذا الامر، وسنتناقش بشأنه لاحقا، وسنخرج بنتيجة مرجوة ترضي الجميع.
تنفست الصعداء: جل ما أتمناه هو تربية ابنتي تربية صالحة، قائمة على التفاهم بين جميع الأطراف. صعدت رحاب وزوجها وابنتها السيارة، ورمقت ابنتها بابتسامة هادئة من خلف الكرسي، ثم فتحت شباك السيارة الزجاجي لتستنشق الهواء، وتحدث أعماقها برضاء تام:
لا أنتظر الأوامر الآن، ولكني تعلمت من مواجهة حقيقتي أن أصمت، تطلقت نعم، ولكني ثابرت لأُكمل دراستي، لم يكن الطلاق بالنسبة إلي فشلا، وإنما كان طاقة دفعتني لاثبات وجودي، تطلقت نعم، ولكن الله أنعم علي بعوض جميل وحياة أجمل، طلاقي كان لحظة فارقة تحررت فيها من أسرار أثقلت كاهلي وآلمت مضجعي، كشفت لي حقيقة نفسي، ودفعتني لأقبل على الحياة بعزم وروح واثقة.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي