loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

صَيد..

breakLine

 

صَيد..

 

وليد البغدادي - كاتب وشاعر عراقي

 

لست ُ بارعا في صيد السمك ..بل إني لا أعرف مطلقا ً كيف يصطادونه ..لكنّ رغبة ما دهمتني فجأة لخوض هذه التجربة حين وقفت أمام متجر لبيع أدوات الصيد ..ولأني لا أعرف ما يميز تلك السنارات عن بعضها حين بدت كلها متشابهة ومختلفة في الوقت نفسه فقد اعتمدت على ترشيح صاحب المتجر حين أكد لي وهو يرزم لي مجموعة من الخطاطيف أنها الأكثر استخداما والأقدر على جر الأسماك من قفاها ...
وخلال يومين اكتشفت جهلي الشديد بذلك العالم الغريب وأنا أشاهد الصيادين وهم يقومون بحركات لم أفهمها كأنها طقوس خاصة لإحدى القبائل المنزوية عن العالم ..حتى أنني فشلت في محاكاة طريقة إمساكهم بتلك الأداة الطويلة ورميها في الماء رغم أنها تبدو سهلة جدا ً ..لذا قررت تغيير مكاني والابتعاد عنهم والصيد على طريقتي الخاصة بعد أن امتلأت سلتي  بقهقهاتهم المكتومة والمعلنة وهم يروني أمسك العصا بالمقلوب أو أرمي الخيط دون طعوم ...
في اليوم الثالث اصطدت الكثير من السمك لكن سلتي بدت من الكبر والامتلاء ما تطلب استدعاء شاحنة لجرها ...لكن الشاحنة جرتني أنا عوضا عنها .. وحين استيقظت ضحكت كثيرا وأنا أجدني في غرفتي تطالعني سنارتي المعلقة على الحائط وهي تضحك ..
كان ذلك هو اليوم الأخير لي في تلك السفرة   ..هب هواء عليل دفع النافذة المتواربة فانفتحت على مصراعيها ..فقمت  وأنا متفاءل بصيد وفير ..حزمت أغراضي واتجهت إلى الشاطئ ..
حين وصلت الشاطئ بحثت عن بقعة خالية من البشر حتى لا أعرض نفسي لحرج اليومين الفائتين ...فأخذت أدور وأبحث حتى وصلت إلى نقطة شبه خالية ..لم يكن هناك أحد باستثناء شيخ كبير يرتدي قبعة ..لم يكترث لدنوي من منطقته ولم يلتفت .. 
حين تحررت من سطوة المراقبين ..بدا الأمر يسيرا ً وسارت الأمور بسلاسة شديدة ..ألقمت السنارة الطعم وبخفة يد أدهشتني رميتها لتغوص كسباح ماهر ..وتستقر منتظرة سمكة جائعة تفترسها ..شعرت بالفخر وأنا أنافس المحترفين وأتخذ لي موضعا بينهم ثم تداعت بي الخيالات لأراني فائزا ً بجائزة الصيد الدولية ...انتبهت فجأة بعد أن فززني ذرق لطائر استقر على جمجمتي ...لأرى عصاي على حالها ..
لم يطل الأمر حتى استبد بي الملل ..وأحاط بي اليأس ..راجعت أدواتي فوجدتها مكتملة ..ألقيت نظرة على المكان من كثب ..فصدمت ..
كان منظر البحر رائقا ً وتبدو الأسماك فيه كأطفال يلهون ..أسماك كثيرة وعديدة .. تسير مسرعة ..وحين تصل إلى سنارتي تعبرها كأنها تعبر لغما ثم تتجه بسرعة هناك ..
لم يكن ال(هناك) سوى موقع الشيخ الكبير ..لكن المسافة بيني وبينه لم تكن كافية لأشاهد  ما يجري ..لملمت أغراضي ودنوت منه ..لكنه أيضا لم يحفل بوجودي ..
للحظة بدت هيئته مألوفة لدي ..رغم أن المنظر كان جانبيا ً ولو لم يجرني حيائي لأطلت النظر أكثر أو لدنوت حتى أتبين كامل وجهه ..تجاهلت الأمر ورميت سنارتي ..غير أن الأمر لم يتغير ..الذي تغير فقط وجهي وهو يتخذ وضعيات عديدة للدهشة والحيرة ..
كان ذلك الكهل ينظر إلى البحر نظرة الموسيقي إلى نوتاته وكان يهز سنارته كما يهز المايسترو عصاه والأغرب من ذلك أن الأسماك كانت طيعة بين يديه يحركها بإشاراته حيث يشاء لكنه كلما اصطاد واحدة أفرغها وأرجعها إلى الماء ليصطاد أخرى في مشهد دراماتيكي متكرر..حتى خيل إلي أن هناك انتحارا جماعيا للسمك المتقاتل على سنارته وطعومه
أثار ذلك المشهد  حيرتي  ولولا سحنة العجوز الواثقة والهانئة لقطعت أنه مجنون وربما كان السمك أكثر جنونا منه ...
تركت ما في يدي وجلست بجنبه  ...لكنه لم يبد اكتراثا لقربي الشديد منه ..ثم نظر إلي وابتسم وأعاد كرته من جديد ...
حاولت أن أسأله لكني لم أستطع فالمشهد يزداد سخونة وتشويقا فالدوائر التي صنعتها الأسماك المتراصة بدت كأنهن في طابور منتظم لاصطياد صنارة العجوز ..عندها لم أعرف من يصطاد من ..وازدادت حيرتي أكثر حين أخذت الأسماك العائدة الى البحر الدور من جديد وكأنها دورة حياة لا دورة موت
في آخر النهار ودعت ذلك المكان وسلتي مليئة بالحيرة والدهشة  وقبل أن أغادر نظر إلي نظرة طويلة  ..ثم ربت على كتفي وسألني
هل فهمت يا ولدي
فهززت رأسي بالموافقة ..ومضيت