loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

طوارئ...!

breakLine

 

طوارئ...!

خالد محزري / كاتب من المملكة العربية السعودية

 

عاد وليد من عمله المسائي، الساعة تقترب من الواحدة ليلا، ركن مجموعة من الكتب على رف مكتبته، أشعل سيجارته الإلكترونية.

*
تمدد بلحظة استرخاء، تلاشى الإرهاق تماما، ولكن غصة خانقة حبست أنفاسه، تغلغل الظلام في خلايا جسده، حل السكون على مشاعره، أضناه الشوق، تأهب لاستقبال زائره الليلي، اقتحمت طيفه فجأة، غيوم تعج السماء خلسة، ازداد اسوداد الليل، إبريق القهوة يرتعش على مواقد الفرن.

في صمت ظل يرتشف قهوته كسر أبو نوره بصوته الشجي رتابة الليل في روتين يتصاعد بالعادة يمضي سريعا.. هذا الليل يجر الويلات تظهر الآهات فيكتمها قسرا ، بدأت أنوار الطرقات تتلاشى، والرغبات تقتاده إلى باطن الحي القديم.
*
في قلبه شوق لا يقتله الرصاص، فحيح تنفثه وردة ذابلة، نداء خفي لا يجرؤ على التوقف، عبر دهاليز الحي القديم بسيارته الفارهة سار كمخمور، انتهى به الطريق بعد منعطف خطير .. ترجل من سيارته سيرا على قدميه مد بصره يمينا و شمالا متفقدا خطوات المارة ، رصد طفلا على مسافة بعيدة يجوب الأزقة بادره بسؤال عن الشايب الأقرع ؟
فقال له: إن وجدته فلتقرأ عليه السلام من صديقه رشيد.
فأردفه بعينين محدقتين : بالطبع سمعت عنه ومن تلمظ لقافة الأطفال نجا.

*
واصل تمشيط الطريق بحذر ، وببطء شديد سار نحو المنزل البني، والليل يلملم بقاياه استعدادا للرحيل، كان الخوف يسيطر عليه مد بصره مرة أخرى شاخصا للسماء، ومازالت أنفاسه على صفيح ساخن، و الضجيج يشق سكون الحي وهو يشاهد ويراقب في طريقه، وعابر سبيل هناك يلقي عليه التحية، ولحظة قلق تتأرجح في الزقاق المؤدي إلى منزل هديل، حبات مطر تتساقط، خيال يلوح ثم يختفي، نظر إلى الوراء لا أثر يظهر في العتمة، كانت المسافة تطول أكثر وقرع قدميه المتوغل في الطين مرعبا، سمع هسيس بكاء خافت، عاد الخوف يتسربل مجددا حبس أنفاسه، وثقلت خطاه إنها لعبة مرمية في القمامة، أكمل طريقه وهو يتحاشى الأصوات.. انزلقت قدمه بغتة باتت دروب الطين لزجة رن هاتفه فارتدت صدى نغمته بين جدران الحي القديم، وكعادة الليل المسجى يبعث الحزن والألم في مفاصيل الجسد.

*
بدأ يتجشم عناء المخاطرة.. ماذا عليه أن يفعل؟ ولكن الوقت يمتد ..واجه في طريقه أربعة شبان يحملون (كيرما ) قرأ عليهم السلام، و أتبعه بسؤال؟
أين دكان العجوز مريم بائعة البخور يا شباب ؟
ثم صحح له أحدهم السؤال هل تقصد الداية جمعة؟
فقال له آخر : في هذا الحي ستجد كل شيء استثمر الموقف للضحك من مخاوف أسئلتهم ..ثم سار بخطوات مهدجة.

وفي صمت يحدث نفسه: كم مره تلون وجهك يا وليد؟ وكم وكم نجوت من الخطر ؟ وكم مرة ابتسمت؟ و كم مره امتعضت فمتى ستتوب عن هذا الحي؟


*
اجتاز آخر منعطفات الحي بشعور يملؤه الفوز بالسعادة.. فبدأ يدندن مع نفسه إذ في أعقابه صافرات الشرطة تدوي في منتصف الحي و أصوات عالية اكتشفوا أن هناك لصا داخل الحي.

تحول بعض أهالي الحي إلى مظاهرة صوتا و مقاومة من فرط صافرات الشرطة لا غريب يلج لهذا الحي تبا له.

*

اندفع وليد يبحث معهم سدد بصره حول مسجد الحارة أشعل كشاف هاتفه المحمول ليجد لصا خلف برادة الماء لاهثا من الخوف حثه على الجواب بصوت هامس : لكنه أقسم له بأنه لم يسرق شيئا رواغه اللص لينفد بجلده.

من فورة الخوف قضم وليد أظافره، ولبد العرق وجهه، وجف ريقه فأشاحه بصنبور الماء فهدأ من روعته خارج أسوار المسجد، سار على ضوء خافت في الحي المبعثر وجوه مغبرة تحدق في المارة ، كان يتطلع لها قبل أن تدهشه حتى تلاشى كل شيء، رفع عيناه إلى السماء ولم ينطق بشيء.. كنظرة شكر أحس بأنه هبط من سفر المعركة.

*
في آخر الحي يقع منزل هديل المخطط بالبني والأبيض، وبجواره جنان وارفة، وصرير ريح يتمايل على راحتيها أغصان المانجو المثقلة بالفاكهة وأوراق الليمون تنساب في أرجاء المكان تسللت رائحتها بخفة إلى أنفاسه، فتح عيناه متماوجا على سلامته .. وبابتسامة مرعوبة أدرك أن تسلق السور شاقا؛ لأن الزجاج مبعثر في أعلاه.. وبرشاقة تسلل على شجرة نيم، كطائر اقتنص، هبط مجرحا زاهدا في ضمادها راجيا حنانها ، متعطشا لحبق أنفاسها ، تغاضى عن جراحه البسيطة، والرضوض التي ألمت به ..بلله الطين و بقايا المطر عفنت ملابسه، وثوبه الأبيض اتسخ ، وعلى وقعه تطاير الدجاج مبقبقا، تمدد بحذر رغم الخطر المحدق به سمع صوتا و لم يرد عليه ..ثم أشارت هديل إلى كلمه السر وهي تتلوى بكشاف خلف المنزل على سدرة عجور لتنتظره بتؤدة تحتها وفي صمت مضطرب قالت:
ماذا لو عرف أحد ؟ لقد أطفأت كاميرا المنزل .. لا لا لن يعيد أحد الوقت ... مستحيل أن يعرف أحد .. أيوه أيوه .. قد رقدوا غارقون في سباتهم... فرغ صبرها.

تحت السدرة تلاقت الوجوه في وقت كهذا مذهولين بالنشوة .. وبرقة زائدة احتضنت حبيبها من شدة عناقه نفذ عطره عميقا كهفهافة غجرية احتوته كما تحتوي الأرض المطر ولم تبال بهندامه بعد المطر .

*
لم تبدأ الحديث حتى انخرطت ببكاء مرير، وعينيها محمرة من فرط البكاء.. حاول وليد ثنيها عن البكاء تطاول نشجيها المنغم أوقف إيقاعه باحتضانها حتى لا يسري الصوت، فقد ألهجته و أمطرته عتابا دافئا .. رحماك يارب هذا حبيب العمر استولى على قلبي وعلى جسدي وبصري فلا تخلخله عني...

ثم باغتته بسؤال متى ستدلف من الباب يا وليد؟ و أردفت بآخر متى تقودك خطواتك المواربة إلى باب غرفتي تحت إضاءة خافتة وعبق البخور يفعم المكان، و نحملق في التلفاز ..ثم تفرست في وجهه مليا شفتاه منقبضتان ، وفمه فاغرا.

فقالت بنبرة حزينة:
طال صبري وتراءى لي اليأس ابتسامتي واهنة أخبئ في جوفي حبا ينمو يتعالى صوته حتى أدمنت المسكنات ... لم تلبث حتى أغمي عليها.

حالة طوارئ لم تكن في موعدها .. ضمها بقوة وقبلها في منتصف جبهتها.. بللها من بركة الماء بجوار السدرة مسح وجهها.

وبينما وعيها يعود نطق وليد : أريدك ولكن... ظروفي لا تساعدني حتى أسعدك مستغيثا بلسان ضعيف غض وليد نظره عن قوامها الممشوق وهي مدبرة قد لفت نفسها صوب المنزل تعتصر حسرة وتتمزق ألما .

أدار ظهره مغادرا، وقد تملكه الإحباط، وبنظرة عين اجتازت حاجز اللحظة، أدرك أن لا جدوى من موقفه الرمادي، وقد بدت أمامه سلسلة من الأبواب المكتظة، وببطء شديد قفز من على السور بدموع مبتلة وبخطى مخضلة أدرك خطورة ما يفعله كطوارئ تضمد أشواقه مؤقتا تمتم بحروف تاهت مخارجها.. عاد إلى منزله ببؤس وعناء في ليلة استثنائية التهمه الصمت والحزن مجددا تحت السدرة.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي