loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

عائلة الموتى

breakLine

عائلة الموتى

 

باسم الأنصار - شاعر وكاتب عراقي

 

ولدتُّ، وولد الصوت معي. ذلك الصوت الذي جعلني أحلم بأن أصبح نهراً في الحياة، أو حكايةً بعد الموت. صوتٌ دفعني إلى كتاب أحلامي ورغباتي على الطائرات الورقية، لكي أرسلها من الحاضر إلى المستقبل، ومن المعلوم إلى المجهول.
كثيراً ما شعرتُ بأنني ورثتُ هذا الصوت من جدي الذي قطع أنهار التصوف، بقوارب الرؤى. جدي الذي سار ذات مرة، في أزقة الأحلام، خلف شبح قدّيسٍ لم يكن يراه أحدٌ من المارة سواه وهو يقول: ”انظروا إلى هذا الشبح، إنه يشبه الحكيم الصيني الذي تحلّق فوقه الفراشات‟. ثم يشير بسبابته الى الأمام، فيجعل من يراه من المارة، يلتفت الى الجهة التي يشير إليها فلا يرى أي شيء سوى الفراغ: ”انظروا إلى هذا الشبح، وشاهدوا معي كيف يتحول الى فراشة مرةً، وكيف تتحول الفراشة إلى شكله مرةً أخرى.
وحينما أدركه التعب عاد الى المنزل لاهثاً وفي يده كيس مليءٌ بالثقوب الصغيرة، كانت فيه فراشة على قيد الحياة. أعطى الكيس لجدتي ثم قال لها قبل ذهابه إلى النوم: "الموتُ، بيتنا الجميل".
وبعد ساعةٍ من نومه، ملأت جدتي فضاء المنزل بالصراخ بعدما وجدت جثة جدي هامدة على سريره وبيده فراشة ميتة. هذا ما كنت أسمعه من فم جدتي حينما كانت تسرد حكاية جدي لضيوفنا المنفيين، وأنا ما زلتُ جنيناً في بطن أمي. أمي التي جاهدت كثيراً من أجل إخراجي الى الحياة محمّلاً بالبشارة، بعد أن حلّقت روح أبي الى السماء في الشهر الأول من تواجدي في بطنها. 
قيل بأنّ عدة رصاصات سكنت جسد أبي وهو يمشي في درب كارل ماركس.
قيل بأنّ أبناء الله قتلوه بعد أن علّق أفكارهم أمامهم بحبل المشنقة. 
وقيل بأنه كان يُخرج جثة اللغة من فمه، ومن ثم يقطعها إرباً إرباً قبل أن ينثرها على الجميع. 
وذات نهار فارق أخي الأكبر جسد الحياة بعد أن تناول دواءً من صيدلية أفلاطون، فنقلوه على إثرها إلى حديقة الحكماء. وهناك أعلن زعيم الحكماء للجميع عن موته الجميل قائلاً: ”من ينطق بالحكمة لن يرى الموت أبداً".
وحينما وضعوا جثة أخي على مصطبة الآلهة فزّ من موته فجأة، ثم نهض صامتاً فاتحاً عينيه على أشدهما، وقال: ”ابن سينا يهديكم الحكمة، ويخبركم بأنه ينتظركم في غابة العدم، ولكن بعد أن ترفعوا أرواحكم من حضيض العقائد‟.صمت قليلاً، ثم قال وهو ينظر إليّ: ”لقد اكتشفتُ أسرار الموت حينما حلّقت روحي في فضائه، إذ رأيتُ الأرواح محمّلةً بالذاكرة، ورأيتها تتواصل فيما بينها وهي تهطل على الأرض وتدخل في قلوب الأحياء من البشر لتلهمها الرؤى الجديدة، ورأيتها أيضاً تسافر في الكون بحثاً عن المجهول". فقلتُ:  ”لا وجود للجنة والنار إذاً".