loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

عباءة على حبل غسيل

breakLine

 

 

 

 

 

                                                 ضياء الخالدي /روائي وكاتب عراقي

 

لم أعد قلقاً. لا تعنيني السيارة الزرقاء المتوقّفة أمام السوبر ماركت، ولا البيضاء أمام المقهى، ولا الصفراء، فاللحظة التي خمنتُ مجيئها أتت وقضت على جسدي القميء بالنار والغبار والدوي. تكثّف الزمن، وبات نقطة بالغة الصغر، ثم أتسع ليبتلع أناس عابرين مثلي، وباعة على الأرصفة، وقطة بيضاء مرت بالمصادفة، وفأرة مختبئة تحت قطعة كرتون. كما يمكن أن نصف الوقت بأنه تجمد في لحظة، ثم عاد وانصهر في جريانه معتاد. في النتيجة، ثمة أناس احترقوا، وآخرون صرخوا بسبب تطاير أطرافهم، وآخرون أيضاً بقرت أجسادهم بشظايا الحديد، أما الناجون الذين كانوا على بعد مسافة آمنة، فالرعب زلزلهم، وتركهم مذهولين من بقائهم أحياء.

شاهدتُ، وقبل زمن الشواء البشري امرأة تسقط من شرفة أحد البيوت الكبيرة. رفعت رأسي إليها بسبب زرقة ثوبها المثير أثناء مروري في تلك الظهيرة. ما أن أبصرتها، حتى هبطت بشقلبة إلى باحة بيتها، لأسمع صوت ارتطام جسدها بالأرض. لم تكتمل الكلمة التي أطلقتها بلا وعي. كانت صوتاً من حروف لا تستطيع أن تؤّمن معنى ما، كصوت حيوان تعرض فجأة لخطر داهم، أو أنها تعود لزعيم قبيلة بدائية تعرّضت لغزو قبيلة أخرى. كانت لحظة شاسعة وضئيلة في الوقت ذاته، مساحتها ما بين الشرفة والأرض، مشحونة بالغرابة. لن تتطابق أبداً مع لحظة إمساكنا لقدح شاي ساخن مثلاً، ثم نجفل فنبعد أصابعنا عنه. ولا لحظة سماعنا لخبر رحيل إنسان عزيز على قلوبنا، فنلطم جبهتنا لا إرادياً. ولا حتى لحظة تماس شفاهنا بشفاه حبيباتنا الرقيقات فنحاول التمسك بها. لا أتحدث هنا عن اللحظة من الخارج، بل عن داخلها. ملامحها التي تتغير، وحجمها الذي يتمدد حتى يبلغ الجبل في ثقلها.

وقتذاك، توقفتُ عن التفكير بعد تلك الكلمة الغارقة في جهلها، تحت شمس النهار الحارقة، وهززتُ رأسي لأكثر من مرّة، كأنني أصحو من كابوس، وتساءلت: أوقعت المرأة فعلاً؟

بعد تلك الواقعة بأعوام قليلة، وفي ظهيرة ثانية أشد قيضاً من سابقتها، عادت اللحظة الأثقل مجدداً لتعاشر زمني. رأيتُ عُمال بناء في فترة استراحتهم وهم ينعمون بفيء سياج عال لأحد البيوت قرب الرصيف. أراح بعضهم رأسه في أحضان بعضهم الآخر، وعندما مررتُ قربهم، سمعتهم يتحدثون عن ذكريات آبائهم بكثير من الحنين. ربما هذا ما استنتجت عطفاً على قول أحدهم "زمن آبائنا أفضل من زمننا". كان السياج مبنياً بالإسمنت، إلّا آخر صفين منه رُصف بطابوق كيفما أتفق. ما حدث، أن هراً رمادياً بخصيتين ثقيلتين كان يطارد قطة بيضاء حتى كانا فوق العمال تماماً، وعندها، أتت تلك اللحظة المدوّية الغريبة لتسقط حجراً كاملاً على رأس أحد العمال بفعل أقدام الهر الراكضة. سالت الدماء، وقفز رفاقه مذعورين، ولم يشاهدوا سوى بقايا ذيل رمادي وهو يختفي في البيت المجاور. حملوا صديقهم الذي فقد وعيه بعجالة إلى الشارع الرئيس، ثم أوقفوا سيارة عنوة، وذهبوا إلى المستوصف القريب.

أشد ما تخيفني تلك اللحظة التي كانت نادرة في مدننا، ثم تكاثرت في زمن الشواء البشري، والرصاص الطائش، كونها تنبثق من رحم مصادفات لا نستطيع التنبؤ فيها. مهما أجهدنا أنفسنا في تخمين حضورها فأنها تراوغ. نشعر بالملل والخيبة منها، ونغدو يائسين ومخذولين، فنتركها دون رغبة لتتخفى بين ملايين اللحظات الأليفة التي نعرفها، ثم تكشف عن نفسها فجأة بأشد حضور يعلن عن ضآلتنا أمامها. تأخذ معها ما تريد من أجساد، وتترك آخرين لمكان ستختاره بذاتها.. هكذا كانت لعبتها!

في اليوم الأخير، وعندما كنتُ في ساحة الميدان لم أستطع الجزم أن خطواتي ستوصلني إلى نهر دجلة، والجلوس على المصطبة الحجرية لأجل لقاء حبيبتي أماني. ككل مرّة، لا أحد في مدننا يستطيع أن يقطع وعداً لنفسه أو للآخرين، بأنه سيبلغ المكان الذي ينشده.

لكني وصلت نهر دجلة، وطالعت الفتيان والأطفال الذين كانوا يسبحون في نهاية ساعات الظهيرة اللاهبة. أجسادهم برونزية اللون، تخفيها المياه تارة، وتظهرها تارة أخرى على الضفة التي نُزع قصبها وحلفائها. نزقٌهم لا يعلم شكل تلك اللحظة وصلابتها، فيما لو اندفعت من وراء حُجبها لتُغرق طفلاً، أو أصابت صبياً بتشنجات عضلية وسحبته إلى عمق النهر الغريني، ثم تغادر بحثاً عن مشاهد رخوة أخرى، أو نوايا شريرة لأشخاص يمهدون لها المروق السريع لتخطف بالجملة بدلاً من أنفار هنا وهناك. تدرك تلك اللحظة، أن الناس لن يتذكرونها طويلاً، أو أنهم فاشلون في تخمين وقت زياراتها، فمنبهات السيارات ستواصل الرنين الممل، ونهر دجلة لن يتوقف في دفع أمواجه صوب مدن وقرى الجنوب، والشمس سيراها الناس صباحاً ويودعونها مساءً. تعلم تلك اللحظة أن النسيان لديهم هو المنفذ الوحيد لهروبهم منها، ولذلك، لو خطفت طفلاً إلى تحت الماء، فأن عائلته التي كانت تنتظره عند وقت العشاء ستحزن لوقت ما ثم تنساه، أو تُقنع العائلة نفسها بحكاية أن الله أخذه، ليعيش حياة أجمل من الحياة التي تركها.

سمعتُ نبرة أحدهم خلفي فاستدرت. رأيتُ رجلاً مسناً يحمل لوحاً خشبياً معلقاً طرفيه بحبلين في رقبته. كان يبيع السجائر والحلوى، وقبعات قش رتبها بعناية في يده اليمنى. قال لي:

- ناس مجانين. نهار يشوي البشر ولم أبع سوى قبعة واحدة!

- أعطني واحدة لأكن عاقلاً.

كان جسر الأحرار يختنق بطوابير السيارات، والتي يظنها المرء متوقفة للوهلة الأولى، لكنها في الحقيقة تتحرك ببطء. الجسر كالزنزانة، والوقت كفيل بإطلاق سراح الجميع. لا تستطيع السيارات أن تطير فتخلي المكان دفعة واحدة، أو تتسرب بعجالة عبر الفتحة الضيقة لنقطة التفتيش عند فم الجسر. وجوه عساكر الجسر فقدتْ الإحساس بالمكان وأشيائه، وبدت كل ملامح السائقين متشابهة، حتى ألوان السيارات يمكن أن تزول من رؤوس رجال الأمن وهم يواصلون النظر الدقيق إلى الجالسين الحانقين خلف المقود. يحاولون أن يستجمعوا فراستهم السريعة بتمييز الطيبين عن الأشرار. تنساب آلاف المركبات والسواق أمامهم يومياً في حلقة روتين ممل، ومع الحرارة العالية للنهار، وإرهاق الجسد بقلة النوم، وكثرة ساعات الواجبات، تستطيع تلك اللحظة التي أعرفها أن تنسل خفية لتدمر مقتنيات الجسر كلها..

لا تضحك أيها الولد وأنت تقفز إلى النهر، عليك الحذر!

حدقتُ في ساعتي، فوجدت موعد اللقاء بأماني أبتعد نصف ساعة. لماذا تأخرت؟ لاحق بصري عباءات سود كثيرة لكن دون جدوى. ربما لن تأتي وحدث لها طارئ ما، كقدوم لحظة ثقيلة مثلاً وأخذتها العمق. منذ أربعة أيام لم التق بها، ولم يصلني صوتها وحروفها التي تخطئ في قواعد الإملاء، لكنني أبقيت جسدي على المصطبة الحجرية طارداً هاجس التأخر من الوقت. لقاء اليوم ليس مثل كل اللقاءات السابقة، لأنني سأخبرها بما كانت تنتظره. اكتملت قناعتي بالزواج منها. لم يكن تمنّعي طيلة الثلاثة أشهر الماضية كونها غير جديرة بي، بل تعلّق الأمر بما أعيش من ظروف حتّمت النظر إلى سعادتنا الكاملة، ولأنني وحيد وأعيش في بغداد بعيداً عن أهلي، ولأنها يتيمة الأم، ومكسورة الحال بأب سكير ينعتها في أوقات الثمالة بأنها عاهر، أردتُ أن يكون هروبها وزواجها مني نجاة مؤكدة لكلينا.

تجاوز الموعد ساعة كاملة. لم يصلني صوتها الخافت باتصال هاتفي، ولا عبر رسالة الـ SMS، وهذا معتاد لأن أبيها وزوجته يقومان بتفتيش شبه يومي لهاتفها النقال. أحياناً تتم مصادرة الهاتف لأيام، قبل أن يعود إليها، كما أنها حذرتني من الاتصال بها، لذا، لا أملك سوى الانتظار والسياحة في ذهني لتخمين ملامحها عند سماعها الخبر، وسأضيف لها، بأننا سنترك بغداد والمدن التي يمكن أن تطاردنا إلى الأبد. ستطير من الفرح حتماً، وتحلق أكثر بمعرفتها أننا على بُعد أيام قليلة لتحقيق ذلك. سأطلب منها المغادرة فوراً، والرجوع إلى بيتها مع قبلة طائرة في الهواء، وربما سأغامر بمسك يدها المكوّرة العِرقة قبل ذلك، وأفتحها قليلاً، ثم أتركها تعيش أحلام يقظة لذيذة.

لكنها لم تأت، فكرت بالعودة إلى غرفتي في الفندق العفن؟ بيد أنني لم أستطع النهوض دون رؤيتها. كان جسر الأحرار لا يكف عن استقبال السيارات، وكأن اللقطة متوقفة كالحياة التي أعيشها. لا معنى للوجوه المختلفة، ولا الذكريات التي تحملها كل جمجمة في ذلك الطابور الذي لا يتغيّر. لو شاءت تلك اللحظة الثقيلة أن تأتي بنيرانها فسيقول مقدمو نشرات الأخبار إن انفجاراً ضرب جسر الأحرار ببغداد، وهناك قتلى، وجرحى بالعشرات، وحتى لو تم تحديد الأرقام بدقة، فأن الحدث يبقى غير قادر على مد المشاهدين والمستمعين بالانفعالات الحقيقية الموازية لفعل الزوال.

أضفت نصف ساعة أخرى فوق الموعد ولم تهل أماني. لملمتُ جسدي مودّعاً الصبية السباحين، وهواجس تلك اللحظة الثقيلة تزداد في رأسي. قالت أماني قبل أن أودّعها آخر مرة: لم أعد أحتمل، سأهرب!

أين الهرب والمدن مقفلة في البلاد؟ كل غريب متهم ببيع أمثال تلك اللحظات المجنونة؟ كم عدد المرّات التي دخل فيها رجال الأمن فندقنا في الحيدرخانة بعد منتصف الليل؟ كنا نبعد النعاس عن رؤوسنا، ولا تكفي بطاقات الهوية حتى نكون خارج المساومات أو الاتهامات. دائماً ما كنتُ أُقدم جواباً عتيقاً مكرراً لأحدهم، وكلما قرأ مكان ولادتي في البطاقة الشخصية: جئت للعمل في العاصمة.

في ذلك النهار، عدتُ ثانية إلى سوق السراي الرطب بظلاله، ودلفتُ يميناً حيث شارع المتنبي. ذلك المكان الذي تركته بعد الظهيرة بقليل حينما أنهيت عملي، ولملمتُ بسطة الكتب القديمة، ووضعتها في الأكياس الكبيرة المخصصة لها، ثم حملتُها بالرغم من آلام فقرات الظهر لأصعد بها درج العمارة الرطب، حيث المخزن.

كنتُ أنظر لكل عباءة تمرق على رصيف شارع الرشيد لعلها تكون أماني. ربما لم تستطع الخروج وحبسها الأب السكير. لا أعرف إن كنت سأعود لغرفتي القريبة، أو أريح جسدي على تخت خارجي في مقهى حسن عجمي، لكنني قررتُ الجلوس أخيراً.

شربتُ الشاي المهيّل في نهار بغدادي كئيب، وبين وجوه أدمنت المكان. كان الوقت يمضي، والسابلة تقّل أعدادهم، كظاهرة معتادة منذ انفلات القانون ورؤية قطع السلاح تباع على الطاولات، أو تلمحها معلّقة في أحزمة المتبخترين على الأرصفة. وقت العصر في شارع الرشيد لم يعد كما كان موعداً لخروج الناس، وتبضعهم من الدكاكين القديمة. بات غروباً، أو ليلاً مشبّعاً بقانون حظر التجوال. كما تزداد الوحشة أكثر بسماعنا أصوات الرصاص في السماء، قد يسقط جسداً مضرجاً بدمائه فتلتف حوله بضعة أنفار، ثم يغادرون سريعاً، أو تهوي فاختة أو عصفور سيء الحظ. الرصاص، والرجال الذين سرقوا أزمان غيرهم يجبران النسوة والأطفال بعنفهم للبقاء في البيوت، أما نحن، فنراهن على ما نملك من عزلة بالخروج والخطى في الأزقة التي كانت تعرفنا، ولم تعد تتعرّف إلينا إلّا عندما نمدها بقائمة من الذكريات.

كان عليّ إعارة تلك العباءة التي رأيتها الاهتمام الكافي، لعلها أماني. كانت تسرع بخطواتها صوب ساحة الرصافي كأنها تهرب، فالنساء يزودن بعضهن البعض الإحساس بالأمن في الشوارع، وعكس ذلك، ترى الوحيدة منهن نفسها على وشك الخطف أو الاغتصاب كلما أوغلت بعيداً عن بيتها. تلك العباءة المنفردة عن قطيعها، دخلتْ وخرجتْ من دكان علّق قلائد التين المجفف وشرائح قمر الدين في واجهته، بزمن لم يتجاوز الدقيقة الواحدة، ثم اختفت في زقاق ضيق قريب. كنتُ قد نهضت إليها، ملاحقاً أطراف عباءتها التي تكنس الأتربة، كأنها ليست على مقاس الجسد الهارب، وعند وصولي فم زقاقها، لم أجد بشراً.

رجعتُ حيث مقهى حسن عجمي ثانية. طلبتُ شاياً آخر، فكنتُ لطخة في لوحة المقهى بذلك المساء الأخير. وجود الشمس يمد نسوة أخريات بالجرأة، فأطالع عباءة أخرى تقف عند الفرن، وكالعادة سرعان ما تبتلعها الأزقة الضيقة. عباءة ثالثة ترافق بنتاً صغيرة تحمل بيدها اليمنى دمية صلعاء تخرجان من زقاق ثم تدلفان في زقاق آخر. عباءة رابعة بعد نصف ساعة ترافق شيخاً مسناً، وخامسة معلقة على حبل غسيل في شرفة!

أتت لحظة من تلك التي أخشاها، لكنها، ومن حسن الحظ أنها بلا خبرة، وتتلمس تجربتها الأولى، غضة، غير قادرة على الفتك بالناس. تمثّلت بسقوط شحاذ مسن في صندوق القمامة القريب من المقهى. ربما تعثر بلوح خشب، أو حجر، أو أطاحت الخمرة به، فدخل رأسه ونصف جسده في المكب. هرعنا إليه نحن الجالسين على التخوت الخارجية للمقهى، مدفوعين بالحزن لرؤية نصف ساقين نحيفتين تجاهدان في الوقوف تحت دشداشة بنية قذرة، وعندما اقتربنا منه، كان منكس الرأس وسط قشور الباذنجان والخيار وأوراق الشاي القديم للمقهى. سحبناه برفق، لكنه بدا عاجزاً عن الوقوف على قدميه ثانية. أجلسناه عند عمود حجري، ورحنا نستفسر عن حاله. لم يجب، بكى فقط.

أخرج أحدنا كفّية ناصعة البياض من جيبه، ومسح رأسه ووجهه، ثم رُميت في المكب. زالت القمامة ودموعه بيد أن الأوساخ القديمة بقيت ملتصقة على بشرته. ربما لم يستحم منذ فترة طويلة. كان يلهث ويبكي كطفل طاردته الكلاب أو أشخاصاً سيئين، ما جعلني أثني ركبتي بموازاته والبقاء عنده قليلاً، عكس الآخرين الذين رجعوا إلى أماكنهم وهم يحملون إثارة حياتية يمكنها أن تتفرع إلى أحاديث متشعبة فيما بينهم. سألته إن كان جائعاً، أو عطشاً، أو تعباً. لم يتكلم سوى أنه هز رأسه من اليمين إلى الشمال مرتين، ففهمت أنها كالنفي. نزعت قبعة القش من رأسي ووضعتها على رأسه كتاج لتتويجه على مملكة لم يعد فيها رعايا، ومضيت حيث أريكة المقهى.

من جديد، عدتُ أحصي عباءات شارع الرشيد النادرات، ولا أثر لعباءة أماني، وبما أن الشمس انحدرت أكثر، فأن عدد النساء بات ضئيلاً. أحدق بفتحات الأزقة البعيدة نسبياً، لأن أماني كانت تخرج منها، وتمضي إلى مكان لقائنا. كم من المرات التي حاولت فيها إقناعها أن أتتبع أثرها، لأجل معرفة بيت أبيها. كانت ترفض، وتخبرني أن ذلك خطر للغاية، فالغرباء لا يدخلون زقاقها. ليس الأمر مبالغة منها، لأن العديد من الشباب قد تم ضربهم وسلب نقودهم وساعاتهم اليدوية من قبل شقاوات محلتها. بالفعل، سمعت الكثير عن تلك الحكايات في الأزقة الضيقة، وتبدأ بالصدام مع الغرباء بحجج مطاردتهم لفتيات محلّتهم، أو رصدهم للأهالي من أجل اغتيالهم أو سرقتهم.

خرج طفلان على دراجتين هوائيتين من فتحة زقاق أماني، أو بالأحرى الزقاق الذي تخرج منه إلى شارع الرشيد، ثم سرعان ما غاب الطفلان في داخله. بعدئذ، ظهرت عباءة تبدو صاحبتها أقصر من حبيبتي أماني، وأكثر امتلاءً منها، وبالرغم من علمي بذلك، فأنني نهضت خلفها في محاولة تخطئة نفسي، والتشبث بأمل رخو. كنتُ أسير بخطوات واسعة، وحينما وصلت، ألقيت نظرة جانبية إليها، فبدت المحاولة عبثاً.

لم تكن أماني ولا عباءتها، وإنما امرأة عجوز ضرب الوشم يديها وجانباً من حنكها، فتذكرت العجوز الخرفة مزنة في بلدتنا الريفية، والتي ماتت قبل مغادرتي لأهلي وعشيرتي والقرية. تلك المرأة الحالمة بزوج لم يأت، عكس النساء أقرانها اللائي تزوجن منذ فترة المراهقة، وبقيت تنتظر الرجل لأكثر من أربعين سنة. السبب أنها قبيحة المنظر، وجهها كالحصان، ولها حدبة وظهر مقوّس. لم أر شبابها في صورة فوتوغرافية، لكن ملامحها عند الكبر وشت أن الطبيعة ورغبات الرجال لم يكونا رحيمين بها. كانت تحلم برجل يكشف لها أسرار الفراش ومذاق القبلة الأولى. هكذا تصورنا أمنيتها نحن المراهقين وشباب القرية، قد يكون ذلك حقيقة، أو غير ذلك، تكهنات عكست رغباتنا الأولى، وعززتها سخرية وحكايات أهالي القرية عنها حتى شيخوختها، والتي أدركنا قسوتها ما أن لفحت وجوهنا سموم السنوات التي تبعتها.

لم أعد إلى غرفتي في ذلك اليوم. جلس اليأس بجانبي على أريكة المقهى، وراح يخبرني إن أماني لن تأتي، حتى أن اليأس أمعن كثيراً في التأكيد بأنني لن ألتقي بها في الأيام المقبلة. نهضت، وتركت اليأس في مكانه وذهبتُ نحو ساحة الميدان، التي لا تزال تجذب الرجال أمثالي، الطامحين إلى نسيان الوقت ومقتنياته بخمور مغشوشة رخيصة، وخمور حقيقية غالية الثمن لن أحلم بتعاطيها. ذلك المكان الذي تراه مزدحماً بالباعة، والزبائن، والبضائع القديمة صباحاً، ثم يتحدد عصراً وما قبل الغروب بتلك الأجفان المنتفخة، أو الخدود المتجعدة قرب علب الفلين البيضاء عند الرصيف، مستنكرة باستمرار عن ارتفاع الأسعار ورداءة المنتج. جدال يومي ما بين الباعة والزبائن ينتهي دائماً بابتسامة ومودّة، ثم سرعان ما تزول المحاورة بإخفاء الزجاجات في الأكياس الورقية وأكياس النايلون السوداء، والمغادرة.

وأنا أمضي إلى ساحة الميدان القريبة كنتُ أفكر بتلك اللحظة الخشنة المميتة، التي سربت إلينا قبل أكثر من ساعة لحظة غبية، وغير متمرسة بحيث لم تستطع الفتك بجسد الشحاذ. ماذا لو تجمّعت تلك اللحظة مع مثيلات لها في الخبرة بالتدمير، واتحدت لتكون عملاقة، أشبه بكتلة حديد تسقط من السماء بحجم بغداد فتكبسنا بالأرض دون حرق أو ضجيج. تطحن المباني والعظام والحيوانات والذكريات في مشهد خارق للعادة، ونمضي مع قلقنا الدائم إلى حيث الغياب المؤكد، ولو اتسعت كتلة الحديد تلك وأمست بحجم البلاد كلها فإننا سنمضي إلى العمق في حركة قد تثير انتباه الآخرين خارج الحدود، الذين ينصتون إلى حكاياتنا بالتجزئة في نشرات الأخبار كل يوم. سوف تأخذهم المفاجأة، وربما يتساءلون: كيف اتحدت لحظاتهم المحرقة لتبدو بتلك القسوة؟

في ذلك اليوم الأخير كنتُ مُخطئاً بانتظاري أماني عند النهر، وكيف قضيت الوقت بتتبع أثر العباءات في شارع الرشيد، فحبيبتي، كانت تخطفُ باستمرار من أمامي بالعباءة دون أن أراها. كانت تطير فوق الصبية السبّاحين الضاحكين، وبين شناشيل البنايات القديمة. كل عباءة على حبل الغسيل كانت لها. هكذا أخبرتني بعد حدث ساحة الميدان، وبعدها، رحلتُ معها حيث قريتي الهادئة، حيث الأحلام البعيدة التي أدخلتني في بيت أهلي المزدحم بالفتيان الراقصين، والنسوة اللائي يزغردن بلا انقطاع. كنا، وسط الحلوى التي تنهمر مثل المطر فوق رأسينا، والأطفال الذين يجمعونها بأكفهم الصغيرة ما بين سيقاننا. في ذلك العرس كانت العجوز مزنة حاضرة وتنثر ماء الورد على ملابسنا، برفقة المرأة التي سقطت من الشرفة في ذلك النهار القائظ البعيد، حتى عامل البناء كان ينشد الموال، وفرحت، لأنني سمعتُ وقتها أنه مات بعد أسبوع واحد من حادثة الهر العاشق.

اختليت بأماني الحبيبة لأول مرّة، وعانقتها دون خوف من أهلها أو شقاوات محلتها. كنا طيفين يمسكان بأيادي بعضهما البعض، وفي قلب لحظة لا تشبه لحظاتنا التي تركناها إلى غير رجعة. لحظة بلا ثقل. طافية في بحر شديد الألفة. لن ينتهي زمانها بوصولها إلى الشاطئ، وغير معنية بالآخرين لأنها ملك لنا. نحركها كيفما نشاء، ونمضي بها حيث الشغف الذي حرمنا منه.

كان ذلك بعد اللحظة الثقيلة الكريهة التي حطت على ساحة الميدان بباعته وزبائنه، وعلى جسدي الباحث وقتها عن نسيان في زجاجة رخيصة.. رأيت كل شيء، وأدركت أنني نجوت.