loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

علامةُ التعجب

breakLine

 

 

 

ضاري الغضبان/ قاص عراقي

 

 

 نهضت (!) من النوم وانسلت للخارج بخفتها  المعتادة، الفجر يسود، والضوء  يهزم الليل المتقهقر، لم تتعجب لهذا، فالأمر معتاد ، لكنّها تعجبت وبشدة لعدم وجود مدمنين ينامون على الناصية، في مرات سابقة  حتى الضحى ينتشر على أرصفة المدينة كمٌ  من المتهالكين والمرميين كيفما اتفق وهم عرضة لصراخ الباعة المتجولين وسائقي الأجرة وربات البيوت السمينات الحوامل الذاهبات للتسوّق والثرثرة، لا تفسير لدى علامة التعجب لخلو المكان من المدمنين.
اِلتفتت لليسار وظهرت أمامها منارة الجامع الكبير وتذكرت حديث الإمام بمناسبة ودون مناسبة وهو ينصح ويدعو لتلافي الإدمان ويشتم دائما  الإدمان وأهل الإدمان، ويذكرهم بعذاب القبر واليوم الآخر لكنها بالوقت نفسه   تذكرت زيارة رجل معتد بنفسه للجامع، عرفت لاحقا أنهُ باحث اجتماعي، وللقاء  بالشيخ الإمام ـ والذي تناقلته ألسن المصلين ـ ومنحه ملفاً به خطة عمل متكاملة للحد من ظاهرة الإدمان في المدينة ، وكيف أن رجل الدين في حينه رفضَ الخطة لأن الملف لم يبدأ بعبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) ثُمَّ اعتلى المنبر وشتم العلمانية ولابسي أربطة العنق وحالقي اللحى مما دعا الباحث للهرب وهو يسمع صيحات المصلين من آباء وإخوة المدمنين وجيرانهم ...
أبعدت (!)فكرة أن يكون لبيت الله  دور في خلو المدينة من المدمنين، وذلك لأن نصح سماعات المئذنة تتلاشى مع الصدى، لذا توجهت نحو المقهى وجلست بموقعها المعتاد في الأعلى من المذياع التراثي المهجور، وأرهفت السمع للمتقاعدين وهو يدخنون ويثرثرون في السياسة ويلعبون الدومينو أحيانا أكثر، أرهفت السمع لأول مجموعة، كانوا أربعة مُعلمين مُتقاعدين منشغلين باللعب والتدخين والثرثرة، ركزت عليهم لكنهم لم يذكروا شيئا عن المدمنين، كذلك سمينان في ركن يكملان الفطور في قدر متوسط الحجم للكبة المسلوقة، سمعت منهما صوت قضم البصل وبعض التجشؤ ورائحة تحصيل حاصل تصدر دون صوت وتنتشر قريبا ثم تتلاشى مع حركة المراوح، وهي معتادة في المقاهي إن لم يصدر معها صوت، آنذاك تسود زوبعة من الضحك والهمس ثم يتركز النظر على المجموعة التي صدر منها الصوت المثير،  ثم يحدد الشخص من خلال تصنعه اللا أبالية ويحسم الموقف النادل بحركة أو خبر حقيقي أو مُصطنع ثم يُنسى الأمر ..
ساعات ولم تصل علامة التعجب  لنتيجة وقررت الخروج نحو السوق، لكن دخول الباحث  المعتد بنفسه  والأنيق هذا اليوم بشكل مفرط، حتى إنه يمسح بأنامله على ربطة عنق حمراء مميزة ـ وهو لم يضع الرباط منذ حادثة الجامع ـ و يتأبط  صحيفةً ويسير بثقة وثمة عاصفة عطر مميز تتبعه .
دخول الباحث جعلها  تتكئ على الراديو العتيق وترهف السمع ،توجه  إلى شخصين صامتين وقربهما كتاب مفتوح ،جلس وهو يقرأ في خبر في الصفحة الأولى...
هرعت (!) لتسمع عسى أن يكون الخبر عن المدمنين المفقودين، لكنها رجعت بخيبة أمل، فالباحث يقرأ عن تحليل لرئيس التحرير عن ميزانية العام المقبل وكم متوقع أن يكون العجر فيها ،ونهره الكهل الأشيب صاحب الكتاب المفتوح ونصحه بترك السياسة والاقتصاد والتركيز على علم الاجتماع، ورد عليه الباحث  بأنه مصاب بالإحباط ؛لأن لا أحد  يسمع طروحاته، فنصحه الآخر وهو يتثاءب بأن يقلب الصحيفة للصفحة الأخيرة ويقرأ في الغرائب والمنوعات وهكذا كان.
لكن زادت إثارة علامة التعجب كون الباحث الأنيق ما أنفك يتعطر بعلبة عطر بحجم السبابة تستخدم عادة من قِبّل المعممين وهو يمرر طرفها الكروي المتحرك على عنقه وخلف أذنيه .  
خرجت علامة التعجب  في حيرة تامة، وتوجهت إلى السوق  التي كانت  صاخبة بصراخ الباعة وضاجة بالترويج  لبضاعتهم ..
{ طماطه حمرا يا حلو ،هلو هلو دادا هلو، أسود بكَد بيض الغنم ،حشي يجاره أم الفِهم ، ريحان إسمه كافي عيوني أم حسن عوافي ، طرشي محشى بالثوم يرهم وي كل مقسوم ، زاهدي وبيه كل البلا مقوي لزوجـﭺ بـُلبله ............}
ضحكت كثيرا للمروّج الأخير، وهو يدعو السيدات لشراء التمر، للقضاء على العجز الجنسي عند  أزواجهن ،خصوصا كون علامة التعجب شاهدة على الكثير من حالات الطلاق بسبب هذا العجز المؤسف المنتشر بين أصحاب الكروش تحديدا.
دارت بين الباعة من دون نتيجة ، بعدها توجهت خلف السوق حيث  خربة اعتاد المدمنون على التبول والأكل والتعاطي بها ،وكانت المفاجأة غريبة جداً، إذ لم تجد في الخربة مدمنا واحدا، فقط هنالك  كلب يدور هاربا وقط يتبعه في الأسفل، وذبابة معلقة بشباك عنكبوت في الأعلى تحاول الخلاص بينما العنكبوت يهملها وهو ينام بتكاسل، وذبابة أخرى تدور قرب العنكبوت بتحدٍ واضح .
خرجت(!) في دوامة, لكنها انتبهت لعدد من الصِبية يهرعون باتجاه واحد ومن أزقة مختلفة، فتبعتهم، حتى باب ينخفض عن الناصية بنصف متر يتجمع أمامه الصبيان  ومراهق سمين يطردهم بيد، بينما يأكل من صحن بين ساقيه، بيد أخرى وصوت موسيقى من الداخل يصدح بتناسق ...
انسلت علامة التعجّب نحو صالة البيت العتيق فوجدت حفلا نسويا قبل يوم من زواج اِبنة إمام الجامع من زوجته الأولى ـ صحيح أنه بنى بيتين أحدث لزوجتين أصغر لكن الأولى رفضت ترك البيت العتيق الرطب لغاية في نفس العجوزـ وكان هنالك عدد من الجارات بمختلف الأعمار واللائي أعتدن على الخروج محجبات أو منقبات كما هي بنت إمام الجامع، جميعهن اليوم بملابس شفافة بألوان تفاؤلية  وبراقة ومثيرة، تستر من وسط الصدر حتّى أعلى الركبتين.
الزوجة الوسطى للشيخ الإمام  تطبل وطيف من المراهقات يرقصن لحين ما صعد الحماس لدى الشابات، فدخلنَ دائرة الرقص، ثُمَّ نهضت الزوجة الصغرى بحماس وأخذت  تهتز بطريقة خارج الإيقاع  وتسحب معها الزوجة الأولى ويهتز البيت العتيق على إيقاع رقص زواج بنت شيخ الجامع .....
وهكذا غرقت علامة التعجب في الرقص، وتناست موضوع فقدان المُدمنين خصوصا قد أمكنها هذا الحفل التعرف عن قرب على الألوان الحقيقية لأجساد نساء المدينة دون أصباغ [ لا إشكال شرعي  في الموضوع  فعلامة التعجب أنثى والحفل للنساء وكل شيء مباح دون عيون الرجال]
بهذا الأمر كلمت نفسها ثم انتبهت للعروس وهي ترد على الهاتف المحمول الأنيق وتهمس للمحيطات بها، فيتم إخراج عباءات وأغطية رأس من كل حدب وصوب ويسود نوع من الحشمة المصطنعة  ممزوجة بالهمس والترقب، لحظات حتى يدخل المراهق السمين وهو يمسك بيد موزة ويوسع بالأخرى  للباحث الاجتماعي الأنيق بربطة عنق حمراء، خطيب ابنة الشيخ إمام الجامع ......
لم تتعجب علامة التعجب، فهي معتادة على التناقض في هكذا مجتمع متقلب لكنها أرهفت السمع لعانس تهمس لمطلقة بجانبها ما مفاده { بأن الباحث الاجتماعي على علاقة سريّة ببنت الشيخ وقد تكون العروس حاملا بالأشهر الأولى وهذا الزواج لستر الموضوع } بينما ردت المُطلقة بأن الباحث جبان لا يجرؤ على ذلك والدليل بأنها جربّت غوايته مرات عديدة  وبدا  رعديداً  في هكذا مواقف 
انشغل الباحث باِلتقاط الصور مع العروس وهو يتصبب عرقاً، بينما انسلت علامة التعجب خارجاً ..
كان إمام الجامع يردّدُ أدعية ما قَبل صلاة الظهر عِبر مكبرات الصوت الأربع والعشرين من المنارة؛ عندما هربت علامة التعجب لطرف المدينة، حيث البساتين بنخيلها الباسق وهي  تلفظ أنفاسها الأخيرة .
وسط أكبر البساتين الذي دفع ثمنه أحد السياسيين الصاعدين، وصار ملكاً صرفاً له ومُسيج بسور عالٍ، الثري الجديد والسياسي الصاعد أهدى أخته التوأم  للشيخ الإمام، زوجة صغرى في اِلتفاتة إيمانية واضحة، صحيح أن الثري ـ نسيب الشيخ ـ  كان كريم العين، لكنه أصبح  حلما لكل جميلات المدينة من بواكر وثيب معا؛ لصعوده السريع في عالم المال والسياسة ..
لكن في قصره الفاخر المطل على النهر، يتكلم المتطفلون عن عددٍ من النساء من جنسيات مختلفة،  يُقال إن بعضهن للطبخ أو المساج والخدمة، وبعض المغرضين كتبوا في (الفيس بوك) أن له فصيل من الأطفال من زوجات غير شرعيات، واستدلوا برواية قابلة مُحترفة أفشت سرَ السياسي مع  أن القابلة ماتت قبل شهور بظروف غامضة، لكن لا شيء مؤكد .
المُؤكد فقط ما رأته علامة التعجب، فقد كان السياسي الصاعد يجمع كل مدمني المدينة في حضيرة كبيرة ويوزع لهم لفافات الأفيون مجاناً، بينما مساعدته الأنيقة تلقنهم طريقة التصويت له في الانتخابات القادمة، الوشيكة.
وهي  تلفظ أنفاسها الأخيرة .
وسط أكبر البساتين الذي دفع ثمنه أحد السياسيين الصاعدين، وصار ملكاً صرفاً له ومُسيج بسور عالٍ، الثري الجديد والسياسي الصاعد أهدى أخته التوأم  للشيخ الإمام، زوجة صغرى في اِلتفاتة إيمانية واضحة، صحيح أن الثري ـ نسيب الشيخ ـ  كان كريم العين، لكنه أصبح  حلما لكل جميلات المدينة من بواكر وثيب معا؛ لصعوده السريع في عالم المال والسياسة ..
لكن في قصره الفاخر المطل على النهر، يتكلم المتطفلون عن عددٍ من النساء من جنسيات مختلفة،  يُقال إن بعضهن للطبخ أو المساج والخدمة، وبعض المغرضين كتبوا في (الفيس بوك) أن له فصيل من الأطفال من زوجات غير شرعيات، واستدلوا برواية قابلة مُحترفة أفشت سرَ السياسي مع  أن القابلة ماتت قبل شهور بظروف غامضة، لكن لا شيء مؤكد .
المُؤكد فقط ما رأته علامة التعجب، فقد كان السياسي الصاعد يجمع كل مدمني المدينة في حضيرة كبيرة ويوزع لهم لفافات الأفيون مجاناً، بينما مساعدته الأنيقة تلقنهم طريقة التصويت له في الانتخابات القادمة، الوشيكة.