loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

على الكوبري

breakLine

 

على الكوبري

إبراهيم عباس / كاتب مصري

 

أمطرت السماء حتى بلغ الماء منتصف القامات، فقرر هشام اعتلاء كوبري أكتوبر، مستغلا عُطل الحال الذي يعتبره موسم الربح الأكبر. ملأ حقيبته الصغيرة ودس فيها الأصناف بعناية: المناديل، كروت شحن الهواتف، أكياس اللب، وعدد من أدوية الصداع. العصبيون وهواة الضغط على الأبواق لهم الفضل في ذلك.
بقميصه الأزرق الباهت، وياقته الواقفة عن قصد، وسرواله الجينز الأسود المهترئ، وجسده الزيتوني النحيف ارتقى الكوبري، راميا حقيبته الممتلئة خلف ظهره، فبدا كعارض أزياء صغير. لكن أكثر ما يكرهه هشام في مثل هذه المواقف؛ تلك النظرة الدونية رغم أناقته المزعومة، وانفلات الألسن بشتائم لا تصيبه وحده في الغالب، بل ربما إلى الرابع من أجداده.
أحياء دويلة صغيرة تشكلت فوق الكوبري فيها البذلة والجلابية، الحديث بالإنجليزية والفلاحية والصعيدية، وأبواق عالية، رؤوس نافذة من سياراتها، أيادٍ تسب، عيون تتوعد، حامل تتوجع، وأم يتقرقر قلبُها قلقا على ابنها وحيدا أمام المدرسة.
"صباح الخير يا باشا، صباح الخير يا هانم. نهاركم فُل. معايا عصير. معايا لِب. اشحنوا وكلموا حبايبكم" ومهما انفرجت شفتاه ببسمات تغور معها غَمَّازَتَاه؛ فإن النظرات الاستعلائية تلاحقه، ورمي المال إليه كالمتسول تطحن كرامته، والكلمات النابية تبعثر إنسانيته.
عِند السيارة التي فيها المرأة الحامل تتلوى، خاطب الزوج: "ربنا يِنْتَعْهَالك بالسلامة، خدلها مناديل، امسح لها عرقها"، سَبَّه الرجل بأمه فنكأ جرحا في كرامته.
انتقل إلى أخرى: "حبيبِك وَحَشِك يا آنسه.. اشحني وكلميه" همس بها هازًّا حاجبيه، فرمقته بنظرة على شفيرها الشرر.
طار إلى ثالث: "صدَّعت يا باشا.. خدلك بُرشامتين"، وقبل أن تصله صفعة الرجل كانت قد نزلت على جرح الكرامة.
وأمطره أحدهم سبا، وأمسكه آخر من ياقته الواقفة وصفعه صفعا، وانهال عليه سائق الحافلة الكبيرة ركلا بعد رفضه أن يبيعه السجائر.
هوى على جانب الكوبري حسيرا وجراحات طفولته نازفة. جلس يتنفس من رئة الهم سمومَ سياراتهم وألسنتهم، حتى أمست الصعداء عصيرا باردا يرجوه فلا يجده.
لكن كثرة الجراح تعلم القسوة. فصرخت فيه نفسه: "انتزع كرامتك، لن يهديها إليك أحد".. فأعلن التحدي: "هتنادوني باسمي يعني هتنادوني باسمي"..
ضحك من سمع، فتوالت النداءات: "خد يالا"، "تعالى يا زفت"، "إنت"، "قَرِّب يا وِلد المحروق".. فينظر متحديا، ويرد عليهم: " اسمي هِ شَ أ مْ ء" ينطقها حرفا حرفا ولا يستجيب.
مع اقتراب الشمس على السفر كانت الهواتف قد فرغت، وداهم الجوع والعطش، وبدأ احتياجهم إليه. رآه في عيونهم، وسمع اسمه من بعيد يتردد على استحياء، وكلما سمع همهمة باسمه شعر بالنصر.
من أقصى الأمام ناداه شيخ سبعيني: "تعالى يابني الله يرضى عنك، اديني شوية مايه اشرب"، فتعامل هشام معه كالفرسان الظافرين: "عنيا يا حاج".
أسدل الحاج ستار المعركة، وأُعلن فوز هشام، فتوالت النداءات في صيغها الجديدة. "هشام تعالى"، "من فضلك يا إتش"، "يا شيمو الوسيم" دغدغت بها فتاة مشاعره. وثَنَّت أخرى: " هِشَ أَ مْ ء". "هشام يا رجل الأعمال الصغير" أشعرته بقيمته. وقهقه منتشيا لوصف الصعيدي له ب "ابن الجنِّية".
فينطلق كالسهم مبدلا نظراته من تلك المتحدية إلى الظافرة: "أمرك يا باشا"، "عيوني"، "تحت الطلب يا أمي"، "غالي والطلب رخيص"، "كل ده تأخير على حبيبك يا آنسة؟" بنفس الغمز الأول، والكل ينظرون مبتسمين للنسخة الجديدة من لسانه الطويل.
وامتلأت دويلة الكوبري بالهتاف الواحد: هشام!
وبدأت السيارات بالتحرك، فعاد بجيوب منتفخة بالمال، ونفس منتشية بالانتصار، وهو يردد: "اسمي هِ شَ أَ مْ ء".

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي