loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

عن العشق و الانكسار ثلاثية قصيرة

breakLine

عن العشق و الانكسار
ثلاثية قصيرة

طارق عبد الوهاب جادو / قاص وروائي مصري


* صعود
الطابق العاشر .. المرة العشرين .. ولا شيء يتغير .
حين ألج من الباب ذواللافتة المدلاة والحواف المتآكلة تفاجيء عيني رؤوسهم السمراء مختبئة خلف أوراق الصحف ، يستفزها سؤالي المحموم :
- الأستاذ موجود ..؟
فتلفظ أفواههم من جوفها الآسن أبدا ً حرفين :
- لا ...
وتلوذ بالصمت .
أستجمع بقايا النبض بقلبي الذي أرهقه ألم الصعود المتكرر ، أضغط بأصابعي حكاياتي الحبيسة في طيات المظروف الأصفر وأهم بالرحيل ، لكنني قبل أن أفعل أكرر لهم – مشوحا ً بيدي – نفس العبارات القديمة التي اعتدت سماعها منهم :
" ولن يأتي اليوم .. من المحتمل غدا ً .. أترك إسمك وأية رسائل "
ترمقني عيونهم في بلاهة ، أشعر برغبة في البصق جانبا ً لكنني أهم بفعلها ثم لا أقدر . يستقر بداخلي أني قد اعتدت ذلك .
أعود هابطا ً مئات الدرجات .. قاطعا ً عشرات الشوارع الملتوية المكتظة بالسائرين ، أستنشق هواء المدينة معبأ ً بالأنفاس المسمومة فيحترق بداخلي حلم الأمس البعيد .. وأتنهد .
( أصابعك في كفي .. النيل إلى جوارنا يصحبنا ...
أقول لك :
- اقتربت .
تسألين :
- مم ...؟
أصمت مداعبا ً إياك . تهزين يدي وتكررين :
- مم ...؟
أرمق وجهك مبتسما ً وأجيب :
- أن أكتب اسمي في أوراق العالم .. وأولد من جديد .
يبدو في عينيك لمعة الزهو بي ، تتوقفين ، تصيحين :
- الكتاب !!
أصرخ معك :
- على وشك الصدور .
ترفعين رأسك إلى السماء .. فأراني أجلس على قبتها إلى جوارك بينما نلقي إلى الأرض بقصص الأحبة كالمطر .. تتساقط الأوراق على الرؤوس ، تتلقفها الأيادي في فرح ، يقرأون اسمي منقوشا ً على صفحاتها .. يلمحون اسمك بين السطور .. محفـورا ً في قلبي )
أفيق من غفوتي على أصوات الصائحين على الرصيف المقابل :
" حاسب .. حاسب "
انتبه لتلك العربة التي كادت عجلاتها تسحقني .. وأسب صاحبها :
" يا بن الــ .... "
لكنه يمرق سريعا ً ، دون أن يسمعني .
* انتظار
- كل الأحلام مؤجلة ...
أقول فيهتاج وجهك :
- أكره هذه الجملة .
" وأنا أكره إيلامك .. لكنني مدفوع بانكساري "
حدثتك مرارا ً عن البهجة التي تعلقني في قوائم انتظارها الطويلة ، عن قطار " الدور " الذي يمر بكل المحطات ولا يتوقف أبدا ً عندي . كنت دائما ً تشحذين صبري الذي يبرى حده سريعا ً فلا أملك إلا أن أتشبث بالأمل .
أميل على رأسك هامسا ً :
- آسف .
تهدهدني عيناك ، وأصحبك في رحلة طويلة عبر الليل وفوق أرصفة المدينة الشوهاء ، ترمقنا واجهاتها الزجاجية في استفزاز ، تنعكس عليها صورتنا معا ً باهتة الملامح .. بينما ترقد خلفها وحوش محنطة لآدميين يرتدون أدية السهرة . يشتعل البركان بصدري :
- أراهم كثيرا ً في الصباح .
تنتبهين :
- من ..؟
أقول مؤكدا ً :
- هؤلاء .
ألصق أصبعي ببرودة الزجاج ، أود لو أخترقه بقبضتي ، تجذبين يدي نحوك وتسكبين ماءك فوق النار .. تقولين :
- تأخرنا كثيرا ً .. لابد أن نعود .
" أعرف أني قد وعدتك بالكثير .. لكنهم لم يتركوا لي الفرصة كي أحقق شيئا ً بعد ... "
عند محطة الأوتوبيس - مرة أخرى - يقبض علينا الانتظار .

 

* سقوط
دخان سجائري ينعقد ، الأوراق أسفل عيني ممدودة بطول ساعدي ، والرأس كرة من الظل تجثم فوقها . امسك بالقلم – كما اعتدت دائما ً – بين أصابع ثلاث كانت تثير ضحكاتك إذا رأيتها .. تقولين ساخرة :
- تكتب بالقلم بصورة فريدة !!
وتزومين كطفلة .. أداعبك قائلا ً أن ما يخطه القلم أكثر تفردا ً وهذا هو الأهم ، تستعذبين معابثتي :
- طبعا ً .. طبعا ً .
تثيرين بداخلي غيما ً أود لو ينقشع ، يتوقف ذراعي عن الحركة وأفلت السن الغارق في الحبر من يدي .
لو أنك لا توقظين حواسي !!
لو أنهم لا يكفون عن منازلتي بكل الأسلحة !!
لو ..!! "
أطفيء ذيل السيجارة المشتعل بسطح " المنفضة " ، أشعر كأن شيئا ً داخلي ينسحق معه ، أنهض متثاقلا ً نحو النافذة ، أفتح شيشها مستقبلا ً برودة المساء على وجهي . أرنو إلى السماء المختنقة بين نهايات العمائر والبيوت .. أراها تزخر بالنجوم .. ولا قمر . أبحث عن تلك النجمة التي أخبرتني عنها وقلت بإصرار أنها تخصك .. تختلف النجمات بعيني .. أزداد ألما ً ...
" كنت أحلم لو انك رأيتني يوما ً بينها . "
تسقط نظراتي لأسفل ، تعاودني تلك الرغبة الشيطانية أن أفعلها .. وأنتهي ، أقاومها وأفلت . أعود إلى فراغ الحجرة الرطب ، أسبح في ظلمتها صامتا ً ، ضوء واحد فقط يظل مصرا ً على البقاء فيها .. هناك .. مسلطا ً فوق الأوراق .. أطفئه وأغمض عيني .


••


يومية غياب

 

* في الليل ...
أرقب الصباح البعيد ...
أختنق بأنفاس الآخرين ...
وأشتم رائحتهم .
إليك .. يأخذني الشوق خارج الأسوار . أفتح بابا ً وأخطو فتبلل وجهي طراوة المساء ، ينزاح عن عيني ظلام العنبر المزحوم بالأنات والرغبات المبتورة ، أسبح في بحر من الندى ، يقذفني الموج إلى الشاطيء . أعدو منهوكا ً نحو الأسلاك الشائكة الممتدة في كل اتجاه . أقـفز . يستقبلني جسد الجبل الهائل مالئا ً عيني بأبعاده الشاسعة . أتسلق . أبلغ قمته الداكنة .. وألمح من بعيد حدود المدينة النائمة . أجذب بساطها نحوي . تقترب .. وتلمع أضواؤها في الأفق ، تهمس في أذني الريح فأسألها عن أخبارك ، تحدثني بأنك مازلت هناك .. ساهرة مثلي .. تراوغين الوقت وتشحذين عقارب الساعة . أواصل العدو . تندفع بقلبي دفقات الدماء الحارة .. تخبط رأسي .. ترسم في الزوايا ملامحك .. أصافح فيها ابتسامتك البنـفسجية .. وأهدأ .
*
ثقيلة .. تمر من فوقي الدقائق الطوال كأنها قطارات الضواحي التي لا تكف عن الصفير .. معلنة عن قدومها البطيء ومحملة بأصحاب الوجوه المشققة والأردية الكالحة وسـحابات الغبار . هنا لا نتغطى إلا بالحكايات القديمة . نفردها فوق الساق والبطن والصدر . نتدفأ ببطولات الماضي . نسردها كثيرا ً حتى الملل . ثم يعقبها الصمت . تثقبه حشرجات المرضى وهمهمات المغلوبين على الأمر . بين الحين والآخر تفزعني تقلبات المكدودين بجانبي .. أحكم حول رأسي الغطاء ، وتلامس وجهي خشونته . أحاول اختلاس النوم فلا يطاوع . أنتظر .. تلك الخطوات المحفوظة خلف الباب المغلق .. والركلة الهمـجية للدلـفتين . صوت " الأمباشي " وارتدادات الريح من الجدران السوداء ...
- إصحا انت وهو .
فأعلم حينها أن فجر الأحزان قد حل .. وأن الهموم تبدأ دون اكتراث بالانتهاء .
*
* في الصباح ...
يشملني الطابور .
أقف مرتديا ً سروالي القصير .. وقميصا ً منزوع الأكمام .
تتسلل موجات الصقيع إلى جسمي فيكاد يبدو للآخرين ضعفي والنحول ، أدفس العين أمامي في طبقات الرمال .. بينما تتشكل في الساحة أضلاع المربع الناقص .
( معا ً .. كنا نحقق الاكتمال . )
في مواجهتي ينتصب القائد .. عالقا ً بأطراف النجوم على كتفيه .. ومن المنصة يتدلى حوله المساعدون . وحدنا .. نترك في الميدان .. نتفتت في الكتائب .. ولا يشعر بارتعاشاتنا أحد . هكذا .. دون إرادة مني تنبعث الحركة من أطرافي المتجمدة فتخدش الثبات . أدفس العين أكثر .. وأغوص بعنقي في الرمال .. يفجأني الصوت من الخلف هادرا ً :
إرفع رأسك .
( كنا نهتف في الشوارع ..
- يا أخي قد مضى عهد الإذلال ..
تنطلق الحناجر ...
تزدحم بنا ميادين البلاد فتصير جيوشا ً من الرجال ... الرجال . )
أسقط في قبضة من حديد .. تتداعى في رأسي آلاف الذكريات . إلى القرص المشرق في السماء تحلق الطيور .. ترف بأجنحتها المتلونة بأطياف البرتقال .. تعلو مائلة مع الجبل .. تغرس في كتلته الحمراء أحلامي الماضية وأمنيات الآت المجهول .
( أنت .. وأنا .. اثنان .. بأيدينا إحراز النصر على العالم .
كنت تقولين ...
وأصدق ..!! )
تتلاشى أسراب الطيور .. و تخطر في بالي مقاطع أغنية قديمة :
و كل شيء بينسرق مني
الحب .. والأحلام ...
والضي م النني ....
وفينك ؟
بيني وبينك أحزان .. ويعدوا
بيني وبينك .. أيام وينقضوا
تصرخ مكبرات الصوت :
الله .. الوطن .
فيندفع سيل الأوامر .
*
* إلى الظهر ...
يستطيل الوقت .
ترهقني تدريبات اللياقة فأجاهد نفسي ، بينما يتخاذل الآخرون ، ينبت في صدري ألم العناد القديم .
( كنت تصرين على اللعب .
- بس انا تعبان ...
أحاول إقناعك بالاكتفاء .
- لأ ...
ودائما ً تهددين بالرحيل إذا لم أستمر .
أطوف بعينيك العسليتين .. فأرى النيل يعانق أرضي .
أمد إلى خدك المورد كفي .. أمسح حبات العرق الضاوية .. تخجلين .
وأستمر ! )
تنضخ الدماء إلى دماغي .. ساخنة وفوارة ، تغلي ، وتدق فيه مسامير الأسئلة . تلتهب الشمس .. فتحرق سيقان القمح على وجهي .. تكسر عيني . أقفز مضموم القدمين مرددا ً الصيحة :
واحد
اتنين
تلاته
واحد
أتبين أني أجرح صوتي وحدي ، وأبصق دما ً .
*
* عند العصر ...
أرتمي محموما ً داخل العنبر .
في الركن القصي يخايلني ظل " الأومباشي " .. غارقا ً في غيمة زرقاء دخانية . أتابع شهقاته .. وسعاله المصحوب بالضحكات . تسقط في أذني رخات كلماته :
- لماذا نفيق إن كنا لن نفعل شيئا ً .
يهنز الآخر بجواره ، يوميء بالإيجاب .
أود النهوض ..فرارا ً من ذلك الطقس الخانق . يقهرني المرض . وأحلم أثناء الحمى بأنني أصفع هذين المسطولين أمامي .
*
تنتهي " نوبة الغداء " سريعا ً .
تتخفى الأشياء الممنوعة في جيب السترات المموهة ، ويعود الرفاق .
على الملامح يطفو شبح الهزال .. والجوع الذي لا ينتهي ، يتخاطف البعض أرغفة الخبز المسروقة ، وأقراص الجبن .
إلى يجيء الصديق الجديد .. حاملا ً نصيبي من " التعيين "
أقول له إن كل الوجبات ماسخة .. مطبوخة بزيت الكافور . يؤكد لي إنه يفهم ماذا يقصدون .. ويضحك . يقول إن شيئا ً لا يؤثر فيه . ينفجر الجميع قنبلة من الضحك ، وبعد فترة يتوقفون . تتبدل قسمات الوجوه ، ولا تتردد على الشفاة الجافة إلا أوهام الأيام الخالية .
قال صديقي – فيما يحكي عن من أخبار عشيقته الجديدة :
- أقابلها كل مساء حين أعود .
( آخر مرة .. لم نتواعد بلقاء جديد )
وتهدج صوته :
- مارسنا الحب كثيرا ً .. في الخفاء .
( قلت لي إنك تخشين الانتظار .
وربما ...
أصابك الملل .
أضفت : إن الدنيا لا تبقى على حال ! )
هببت من الرقاد مفزوعا ً :
- كفى .
وران الصمت على الجميع .
*
لا أدري متى ...
قال أبي :
- تغيرت .
وعبثا ً كنت أريد معرفة المزيد .. لاحقته بالأسئلة .. وكان يهرب مني كعادته ، ثم .. يبسط كل الأشياء . ذكرته بملامحك .. ووعودك التي حفرتها معي على شجرات التوت .
لكنه أومأ قبل الرحيل :
- لم يبق شيء .
هتف الواقف عند الباب :
- الزيارة انتهت .
... لم أصدق .
لم .. أصدق .
*
* قبل الغروب ...
يعودون لتكرار الوقوف .
أسأل صاحبي الذي كرهته فيجيب :
- طابور الهتاف يا أخي !
أدور بالرأس دون خوف ، متخذا ً وضع الانتباه ، أبحث عن علم فوق الصاري فلا ألمس غير الهواء . أنتظر الهتاف المزعوم .. ولا يحين . في الأمام يتسمر " نوباتجية " الكتائب ، ويرتخون ، يتكاثر الكلام ...
( في الماضي ...
لا صوت كان يعلو على صوت المعركة
والآن ..! )
أتأكد أني مغبون .
وتعود أجنحة الطيور تضرب في الأفق البعيد ، أتابعها حتى تغيب مع الشمس الهاربة إلى ما وراء الجبل . ينصرف الطابور .. غاصا ً بالهرج .. متهدلا ً كأسمال الشحاذين .. تعاودني كلمات أبي .. حديثه عنها ومحاولاته المكشوفة للتملص من ذكر الحقيقة . ألوك طعم الخيانة في فمي .
- لا تفعل شيئا ً مجنونا ً .
كان يقول .. ويحذرني مرارا ً أن أرتكب الخطأ .
لكنني ....
*
* في المساء ...
أخلع أردية الخوف .
أتخلص من كل محاولات خداعي .
أقسم أن أقطع ذيل الشك باليقين .
( سوف ترين ...
حين يهبط ظل الليل كثيفا ً على المكان ...
كيف أذوب مع المتسللين إلى الجبل خلال الأسلاك .
اقتلع جذوري الغريبة من تلك الرمال ...
قاصدا ً إليك ...
وربما .. في الصباح .. يرددون اسمي في كشوف الغياب . )

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي