loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

في المقهى

breakLine

 

 

في المقهى

أغصان الصالح / قاصة عراقية

 

 

في الوقت الذي ينشغل معظم الناس في ساعات الصباح الأولى في مطالعة الجرائد أو مشاهدة الأخبار أو حتى قراءة كتاب، أنشغل أنا في قراءة وجوه من حولي. 
أبتدئ نهاري بوجه جاري اللطيف الذي لم يعد يحرّك شفتيه عند تحيتي، وأصبح يكتفي بالتلويح بيده فقط.  أنظر إلى وجوه الرجال والنساء التي ألمحها عندما تكون إشارة المرور حمراء.  انظر إلى الوجوه التي تكون جانبية. تغتنم النساء هذه اللحظات لرشف القهوة أو وضع أحمر الشفاه، بينما يقوم الرجال بالضرب على عجلة القيادة تذمّرًا بوجه يملأه الغضب.  عندما أصل إلى المقهى المفضّل لديّ تستقبلني النادلة ذات الوجه الملائكي، بابتسامة نابعة من القلب.  هي تعرف ماذا أشرب وآكل، أدفع النقود وأجلس في مكاني المفضل.  لكني اليوم وجدت مكاني قد شغله رجل وامرأة، لذلك اضطرت أن أجلس قرب النافذة الكبيرة المطلّة على الشارع. وفيما أنا أرتشف قهوتي، لمحت انعكاس صورة الرجل الذي جلس في مكاني على الزجاج.  إنّه رجل في كامل الأناقة والهندام، يجلس بهيبة وحضور قوي وهو يستمع لحديث المرأة التي معه.  لم أستطيع أن أراها، لأنّ انعكاس صورتي قد غطّي عليها بالكامل.  إذا تنظر إلى الزجاج من الخارج يهيأ لك أنه يجلس معي أنا.  وفي الوقت الذي أحاول فيه قراءة وجهه، بدأت أسمع صوت نسائي.  صوت أسمعه لأول مرة داخل رأسي، لا أعلم هل هو صوت من تجلس معه أم امرأة أخرى.  تحدّثه في مواضيع غريبة فتقول له: في الصباح وبعد أن أعددت القهوة ووضعتها على الطاولة، بدأ هرّي بمداعبة ساقي، فيلتفّ حولها ويدعك وجهه بكاحلي مما دعاني لأن أجلس على الأرض واللعب معه.  بعد أن انتهينا من اللعب، كانت قهوتي  قد فقدت سخونتها.   فهي عنوان يومي، إذا شربتها باردة، فقدت الأشياء والطعام لذته، وإذا رميتها فكأنني رميت يومي بأكمله.  لذلك تركتها على الطاولة، وجئت كي أتناولها معك. وإذا بالرجل يبتسم باستحياء، يمرر أصابعه بين خصلات شعره كأنه يبحث عن شيء ثمين يردّ به على كلامها هذا.  أمّا هي فتداركت الموقف وباتت تحدّثه عن الكعكة التي امامها: إنّها لذيذة جدًّا، تستخدم الطاهية في هذا المقهى الفراولة الطازجة ومبروش جوز الهند بالحجم المتوسط وهذا ما يميزها، لان مبروش الجوز الكبير يعلق بين الأسنان، أمّا الصغير فإنّك لا تستطيع الإمساك به.  المبروش المتوسط الحجم تمسك به بأضراسك فتطحنه، وتخرج منه نكهة جوز الهند.  –
.  جذبني هذا الصوت المبتهج الذي يبدو وكأنّه أول مرّة يسمح له بالكلام، إنّه صوت عتيق، قادم من بعيد، يبحث عمن ينصت له.  لكني شعرت بالحيرة، ترى لماذا هي تتحدث عن هذه الأمور التي بلا قيمة وهي برفقة هذا الرجل، لماذا لا تتحدث معه عن السياسة أو الاقتصاد أو حتى عن الانتخابات وحزبه المفضل؟  الغريب أيضا هو ان الرجل ينصت لها بشغف!  ان قراءة الصوت هذه المرة هي التي شغلت تفكيري.  لمحت هاتفي وهو يومض ويهتز.  لقد وصلني بريد الكتروني من طبيب الأنف والأذن والحنجرة يذكرني بموعد زيارتي الدوري له.  بعد أن انتهيت من قراءة البريد لم أر انعكاس الرجل في الزجاج، بل رأيته من خلال الزجاج وهو يعبر الشارع مع المرأة التي لم أر وجهها. توقف الصوت في راسي أيضا ولم اعد اسمعه.  وضعت هاتفي في حقيبتي، لملمت فتات كعكتي ووضعت كوب القهوة في المكان المخصّص له.  قبل أن أخرج استوقفتني النادلة لتسالني مستعينة ببعض الحركات بيديها عن طعم كعكة الفراولة بجوز الهند؟  اجبتها بلغة الإشارة التي أتحدث منذ الصغر: أنّها لذيذة جدًّا