loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

في ذكرى الحرب

breakLine

 

 

 


عبدالأمير المجر /كاتب عراقي


 

عند أبواب بيوت معينة، تقف نسوة بأعمار مختلفة.. ينتظرن رجلا له مواصفات غريبة، يقصدهن كأنه يعرفهن جميعا .. طويل القامة ونحيف، يلف جسده بما يشبه المعطف الاسود، أنفه عال ومعقوف وشاربه ثخين يتصل بلحية تكاد تغطي صدره .. عيناه الصقريتان تثقبان ابواب البيوت الأخرى المغلقة حين يدخل الحي الذي يسوده الصمت عند دخوله .. النسوة ينتظرن مجيئه في هذا اليوم من كل عام، تحمل كل واحدة منهن طستا فيه حاجيات يحرصن على أن لايراها أحد غيره .. حين يقلّب الرجل حاجيات  كل طست تنطلق اصوات لأناشيد حماسية وقراءة لبيانات عسكرية،  تذكر أعداد قتلى العدو وخسائره الأخرى .. لكن غمغمات متقطعة لأطفال وأنين يأتي من اعماق البيوت يجعل الرجل يتوقف ويتلفت ثم ينظر الى وجه المرأة التي يقف قبالتها، ويعيد ترتيب الحاجيات التي في الطست كما لو انه اطمئن عليها، فيما تقف النسوة الأخريات ينظرن اليه والطسوت ترتجف بين ايديهن، وحين ينهي دورته السنوية يعود من حيث أتى .. لا أحدا يعرف مكان سكناه ، لكن أحد الاشخاص قال إنه يأتي بعجلة سوداء بلا ارقام ، يركنها في مكان بعيد نسبيا ويتجه الى بيوت يعرفها ليمر عليها في يوم محدد من العام .. البيوت الأخرى تغلق ابوابها ويغلفها صمت كصمت القبور، ومن فتحات ابوابها المغلقة تتلصص بعض النسوة الأخريات ليشهدن مايجري، لكن الخوف من شكل الرجل يجعل اجسادهن تختض خلف الابواب ويعدّن اللحظات لرحيله بعد ان ينهي مهمته ...
مرت اكثر من ذكرى ولم يأت الرجل  في الموعد ولم تعد هناك أمهات يقفن بانتظاره عند الأبواب حاملات الطسوت .. لقد اختفت المدينة بالكامل وتحولت اغلب بيوتها الى انقاض، وأمام كل بيت كان هناك طست كبير فيه ملابس تداخلت اشكالها بين العسكرية والمدنية، تتوزعها ثقوب كثيرة والى جوارها او في جيوبها صور لرجال ونساء وشباب واطفال، بعضها نصف محترق وبعضها الاخر غابت ملامحه تحت الغبار .. من بعيد بدا شبح الرجل يمرّ عبر البيوت التي تشابهت في خرابها، يمرّ كالطيف يحصي الأبواب ويتأمل في الطسوت التي امامها .. لقد بدا شيخا هرما لكنه ظل محتفظا بملامحه.. الأنف المعقوف والشارب المتصل باللحية البيضاء والعينان الصقريتان، وان اعتراهما بعض الذبول، والمعطف الاسود الطويل نفسه .. يتوقف عند كل طست يتفحص حاجياته فتنطلق اصوات دوي انفجارات مخلوطة بعويل نساء وصراخ اطفال، يجعل الرجل ينكفئ ويقف ليتلفت كعادته يتأمل صحراء الخراب من حوله، يتدحرج بعدها الطست مع الصوت الى الداخل كما لو انه كائن حي وينزوي في اعماق الانقاض .. يستمر الرجل الشبح في رحلته هذه بين البيوت حتى آخرها، وفي نهاية آخر زقاق في المدينة التي لم يعد فيها بشر يخرج الرجل الشبح وبيده طست وقد ضمه الى صدره وأخفاه تحت المعطف، كما لو إنه لايريد أن يعرف أحد ما بداخله.. يسير مسرعا وقد بدا عليه الخوف عندما سمع دويّ انفجارات متتالية، أتت من اماكن متفرقة في المدنية.. يسرع اكثر واكثر لكنه يشعر بان اقدامه تتحرك في الهواء وانه يراوح في مكانه ولم يتقدم خطوة واحدة .. وقف ليطالع ماحوله بذهول، فوجد إنه محاصر بآلاف النسوة، تحمل كل واحدة منهن طستا فارغا وتريد أن تأخذ ما بالطست الذي يحمله، لكنه يقاوم حتى ينهار اخيرا امام هجومهن العنيف، ويسقط فينسكب من الطست دم عبيط  على الارض ثم يأخذ بالتدفق من الطست الذي غدا بركانا، يسيح باتجاه الأزقة والبيوت جارفا امامه كل شيء، وحين وصلت سيول الدم الى الابواب اصطدمت بالطسوت الموجودة هناك فملأتها حتى تغمست موجوداتها تماما وانصبغت باللون الاحمر، ثم جفت تدريجيا ونبتت وسطها زهور صغيرة، بالوان حمر وبيض، فعمّ الهدوء والظلام كل مكان في المدينة التي لم يعد اليها ذلك الرجل مرة اخرى، ولم يرغب احد في الحديث عنه واستعادة ملامحه...