loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

قصة قصيرة

breakLine

 

 

 

لميس عثمان - كاتبة سوريّة

كان يوماً حارّا و الشمس حارقة و الرّطوبة تعبق في الجوّ و لا نسيم على الإطلاق .
وقفت تنتظر دورها لتقبض راتبها من الصرّاف الآلي .. و كان دور الانتظار طويلاً .. جعلت تتأمّل في الوجوه الكالحة المنتظرة مثلها .لا يمكن لأحد أن يخطئ أثر الهموم في تلك الوجوه ، فهو أثرٌ عميق ..و معدٍ ، و ما أن يشاهده المرء حتى يسترجع همومه بعضها أو كلّها .
أسر عينيها رجلٌ مسنّ اعتقدته في السبعين من عمره فقد حنت السنون ظهره و ألجأته للتعكّز على عصاً خشبيّة  تذكّرها بجدّها . كانت له عينان زرقاوان ثاقبتان و يرتدي بذلةً رماديّة ليست بالجديدة و لكنّها توحي بأنّه كان مهمّاً فيما مضى ..  وحتّى وقفته كان فيها شموخ من نوع ما  . أعجبت به و أشفقت عليه في الوقت عينه ..فهو إن كان كما تظنّ لا بدّ و أنّه يرى وقفته هنا متعبة جدّاً بل و مهينةً جدّاً شأنه شأن ذلك الجيل القديم الذي كافح عمراً  و هو يؤمن بأن  هذه البلاد ستكون أفضل مما كانت عليه في شبابه ،ثم صار لزاماً عليه أن يراقب هذا الإيمان يتشظّى إلى أشلاء متناثرة  ، لا روح فيها  ، و أما هو فلم ينل منه الهرم بقدر ما أثقله احتضار الأمل فيما تبقّى له من حياة . 
أشاحت بوجهها عنه و قد أرعبها أن يكون لها ذات المصير يوماً ما ، فهي تنتمي إلى جيلٍ قد نالت الحرب من إيمانه و أحلامه و احتمالاته كافّة ، فلم يعد بإمكانه سبر معالم الأفق . 
أطرقت برأسها  إلى الأرض و اشمأزّت من أعقاب السّجائر الكثيرة المبعثرة . لقد قضى التّدخين على والدها منذ خمس سنوات و كان لا يزال في الثامنة و الخمسين و لذا فهي حاقدةٌ كلّ الحقد على أعقاب السّجائر الكثيرة و لن تسامحها أبداً . لقد اتّهمت والدها لسنةٍ كاملة بأنّه هو قاتل نفسه لأنّه كان مدخّناً عتيقاً و لم ينصت لرجاء أحد ، قبل أن تسامحه أخيراً و من كلّ قلبها عندما تعاطفت مع همومه و معاركه التي زادت من شراهته لاستنشاق الدخان و نفثه . فتلك المعارك من أجل مبادئه هي التي استهلكت روحه ، لتنطفئ في النهاية مع قبس السيجارة الأخيرة .
قال لها يوماً و السيجارة في يده :
" من المؤلم أن نسبح  عكس التيّار يا ابنتي و لكن ليس لدينا خيارٌ آخر إن نحن أردنا تجنّب الغرق "
نعم لقد مات والدها من المرض  .. و لكنه لم يغرق أبداً في أيّ من المستنقعات التي تنافس أعداؤه على جرّه إليها .و هذا شرفٌ ورثته عنه و لن تفرّط فيه .
رفعت رأسها و قد جدّدت قرارها بأنّها لن تغرق هي أيضاً و لن تيأس من سبر معالم الأفق . 
أعادت النظر ناحية الرّجل المسنّ الشّامخ ذي العينين الثاقبتين  فارتاحت لرؤيته يمضي  بعد أن قبض راتبه التّقاعدي 
" لقد انتهى دوره و حان دورها