loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

قــارئة وقــارئة

breakLine

 

قارئة وقارئة ...!

خالد محزري / كاتب / من المملكة العربية السعودية

 

على مشارف المساء الممطر، عاد مرهقا من عمله، نضا ثوبه، وألقى بالجزمة والجوارب بعيدة عنه، وولج إلى غرفته الصاخبة بالموسيقى، والمملوءة بالكتب المنداحة، فأشعل سيجارته ليطفئ لهيب الوحدة، وأوقد شموعه الحمراء، وكعادته شعر بصداع يزوره من حين إلى حين تتكرر نوبته المثقلة، تناول حبة من البنادول الأبيض؛ عصب على رقبته بخرقة من القماش الأخضر المبللة بالماء، وتأمل في حزن قاتم لوحته الرمادية، ونظر في تفاصيلها المتناثرة، ثم أطفأ مصابيح غرفته، وأغمض عيناه الناعستان بعدما آوى إلى فراشه مبكرا ، وأرسل زفير احتبسته رئتاه طويلا، وهو يسأل الله أن ينيم عنه كل شر، بضع ساعات، وهو على حاله!...

 

*

غرق في خيوط الحياة بين غمامات السواد، واشتباك الظلام، وهمس الضجيج، ثم بدأ يتساءل في حيرة هل يستمر في وساوس خياله، ونشراته المفصلة؟

ثم أفزعه صوتا منصدعا من جدار غرفته، لم يعره اهتماما، كوابيس وأحلام مفزعة تزوره ليلا فتناهى الصوت مرة أخرى من خلف ستارته البيضاء ينادي بخفوت، ومن كوة صغيرة خرجت فتاة ما أملحها، أشعل إضاءة غرفته البنفسجية، وارتدى ملابسه على عجل، دار كالرحى حتى تسمرت قدميه؛ فابتلع ريقه الذي جف من الخوف، وأوشك أن يصرخ في وجهها، فأماطت لثامها، ومدت يداها، وأنارت غرفته بابتسامة حانيه امتصت ارتياعه، ولكنها قبعت في مكانها صامته، لا تتحرك ، ولا تفتح فما، وقد تلهفت حواسه لهذا العناق الذي ينتظره بشغف وشغف، فنظر إلى ساعته، ونظرت هي أيضا؛ فإذا هي تشير إلى الثالثة فجرا فأرخى ذارعه، ولكنها تراجعت للخلف قليلا، وكبحت جماح رغبتها.

-وقالت له بصوت مبحوح ومتحشرج:

الاحتضان محطة تؤول إلى رحلة مؤقتة، كجرار مكسرة، لا تروي العطش، أما أن أعبر معك الجسر، أو اتركني أصارع الألم، وليس بعد الاعتراف ذنب أخشى أن أصوم في المدن الخاوية؛ فلساني المنعقد يغتاله الظمأ، فقد أصبت بنزلة من الخذلان المترهل، ولكني أنهض مثل الصباح، اختار ثوبي المزهر بين أهلي رغم الرياح، وأتساءل عن الدليل؟ ولتحيا حروفك، ولكني لا أجيد صناعة المعنى كقارئة لم تبلغ الرشد، أنا بعمق الأسى انتظر أملي كروح طفلة، فصدى التجارب يجثو على صدري كأنه الشبح.

- ثم قال لها بنوبة شوق وكأنما غشاه الإعجاب وهو يتأمل عيناها الواسعتان وشفتاها الجوريتان:

أنا المليء بأنهر القلق، ولا زالت صافرات الصباح تدوي منذ شهور، والليل لا يموت بين أحضان العشاق، وإن تواصلت الفصول الأربعة، كان علي أن أربي شفاهي على الصمت، وأشبع قلبي من العزلة، كنت أمارس لعبة التخمين في كل شيء، وكنت ممنوعا من كثرة الكلام، رغم أني عبرت الجسر معك، ولم أتوقف عن الغناء، وقد ألفت وحدتي كأني أسير على جمر لا يطفأه الندى، حتى في وميض الشوق على حافات الرصيف، بين صفحات الكتب دهشة الاعتراف تؤجج الرعب في النفوس...

 

*

وانصرفت تقرأ رواية بصوت هامس: في البعد إيماءات، وفي الصمت عبرة، الليل صوت من الأسى، أنا فتاة استجير بذاتي على ذاتي، تنهداتي تختلج صدري، ولحظاتي البسيطة مفروشة بمواطئ المطر، أقاوم الظلم، أكنس عواصف العناء، تصاهرني القراءة في عالمي السريالي مواهبي الخفية كمشكاة اختبئ خلفها لا تصدرني أمام جسدي النحيل، وملامحي الغجرية مرآة لليأسين، تعكس الأمل، الأرض تحتفي بضحايا الحب والحرب، أبحر في أعماقي أرتل الهوى في موانئ الزهور، فكم من حبيب ترك؟، وكم من حواء تئن في المدى؟ ليست أنا يا آدم المرفأ، عشقك عزلة، فاشطب دفاترك القديمة، كبرت عليك الرحلة، تهت في دروبك المخصبة، ولن يرحل السهاد في حلكة الغسق.

لا تسألوني من أنا؟ الحجار تخبئ الذهب أنا فتاة تقاوم الخريف، ولا تراهن على حب لا يشكو وعكته المخضبة، ولا يشعرني بألمه والغريب في هذه اللحظة ينتابني تقشر داخلي، وتناقض عنيف، أنا مدينة لك بأغصاني فلا تقطفني ليلوكني الزمن اسقني حبا ليكبر الحلم، احتويني كطفل أقنعه بأن القمر لا يسير مع نافذة السيارة، وألق على أوراقي تعويذة البقاء، وانفث فيني الأمل حتى اقتنع حتى لا أذبل، في ذلك الوقت سأبث لك الأكسجين، وألتقيك تحت جناح الليل حين تغرد العصافير داخل الأكواخ سأدفن رأسي في صدرك الحنون...

 

*

وعاد الصوت يقتحمه من جديد، أرجفه مرة أخرى تتبعه بحذر، حدد موقعه إنه صوت المذياع، وبات يستمع مشدوها خائفا من هذه الأصوات، وللوهلة الأولى يستمع لشوق الثالثة كانت المذيعة تقرأ بنهم من قصة قارئة وقارئة:

وضعت غجرية دفاترها الخضراء أمام الشاطئ ثم تولت إلى شاطئ آخر تغسل جسدها دمعا وألما، ومسحت أحمر الشفاه، وأزالت رموشها الصناعية، أطلقت لعنق شعرها الأشقر العنان مع أطياف المساء الهاربة، وهي تنظر إلى الشفق الأحمر الممتد خلف البحر، وخلفه تختفي حكايات وصراعات، وتغوص في أعماقه وهن الأيام، ثم انكفأت على هاتفها الأصفر لتلتقط الصور الفتوغرافية، وتنتظر ضي القمر على مشارف الليل الأبدي، يطيش جسمها شموخا، ولم تقل للبحر شيئا...

 

*

وقف بسيارته الفارهة على مسافة ليست بالبعيدة منها، فتح نافذته المظلة، ونظر إليها نظرة حانية، وقد تمدد اليأس في عينيه العابستين، ثم ترجل من سيارته يحمل إكليلا من الورد، ورسالة بخط يده المتعرج كتب فيها:

في لحظة جدب انبعثت فكرة الحنين وحين ضج السكون، اقتحمت تفاصيلك المخبوءة بعبثية طاغية، ولكن ثمة نرجسية فاحت منك مزجت بين ثنائية التجاهل والكبرياء. شددت الرحيل إلى الأعماق أغويت فؤادي على ضفاف الليل، على بوح تقيأت حروفه، وأصبحت أبحث عن إقامة في شعائر النسيان كلما لاحت ذكراك توسلتها بإحسان مقدس في محراب لا مناص منه.

الحب ملاجئ الأرواح المتشابهة، وبين صفحات الروايات يظل الحب على الورق، وفي خطوطي المتعرجة استظل من حرارة الغرور...

 

*

ثم استلقى من أضغاثه .. فقط كانت تلك هي المرة الأولى، ولم تكن أبدا الأخيرة. وفي تعب زم شفتيه امتعاضا على أرقه داخل صالون منزله الهادئ، ليسمع أصوات مهدجة تهبط من الدور الثاني مندهشا - فمن سيأتي في هذه الساعة المتأخرة جدا لزيارته؟، تثاءب فالجو البارد يشبه المشاعر المتبلدة، أغمض عيناه مسترخيا من عناء الأيام، وحظه العاثر، وأحلامه المتكسرة تجدف به على ضفاف الأرق.

تقترب الخطوات منه، اللهجة ليست غريبة نزّ جسمه في بادئ الأمر فإذ هي عرافة الحي امرأة غير مألوفة، ثيابها السوداء رثة، نظر لها في حالة شرود يواصل تفحص هذه الإنسانة هل هي بشر؟

ثم أومأ بإصبعه السبابة إلى خادمة المنزل، فأحضرت لها كوبا من القهوة الأمريكية مرة المذاق، وكف بصره عن قراءة الجريدة، فراح مصغيا لهذه السيدة الضريرة، ولا زال يتأملها بابتسامة شاردة تبعث في نفسه الأمل تناولت السيدة فنجانها، ولم تستطيع رشفه فأشار للخادمة فأحضرت سكرا بنيا؛ فاحتدم الصمت الموقف ثم نطقت وهي تحدق في فنجانها: من يشبهك قريب منك لا تفصلك عنه المسافة، الرجل في الحب يتضح منه ما يخفي جسده .. يحاور تفاصيل لا تصمد، والأنثى تثقلها خطوط السرد تغلق النوافذ تتحسس الحياة من ثقب صغير في الباب تبحث عن الأمان والدفء وتتخيل المخبوء من الألم...

 

*

ثم قاطعها ليقرأ شيئا من الجريدة:

احتبس الحديث داخلي دون حائطا اتكئ عليه، وما إن وجدت من يشبهني حتى أغلق أبوابه، فلماذا لم يدع لي مساحة لأتكلم؟ كومة من الجراح المفتوحة تثرثر، وكل الأصوات لا تهدأ فمن سيضمد هذه المشاعر الهائجة؟

الوجع يطرق جسدي، وأنا حطام من زجاج، فأي حقيبة ستحمله؟ أقف على الأشواك كل ليلة ... فهل تصدقينني إن أخبرتك؟

دسست في ذاكرتي نبوءة الغياب، وحين اختفت كانت تترقب حضوري، ولا شيء سواه، فعدت مستغفرا عن خطايا الحنين، وحين بدأ قلبي يتعافى، نكأت الشوق مرة أخرى، وأقسمت على نفسي ألا أخرجها من ذاكرتي، فهل أنا أقف في المكان الخطأ؟

سألقي عليها السلام كل ليلة في قلبي حتى يطمئن، وسأخبر الطبيب إن زرته فربما من علاج يستأصل هذا الحب، يسكن الشوق، وإن أخطأ جهاز قراءة تخطيط القلب، فتشخيص الثالث قد حل!

نظر إلى ساعته؛ فإذا هي الثالثة فجرا، ولكن التعود كالزمن قد تكبر لحظاته، وقد تموت سنين، وبمرور الوقت يتعافى المرء .. تأمل هاتفه المحمول ليتبادل معها الصمت.

ارتخى جسده وخف عنه التوتر فأغمض عينيه ليستريح، وقد كف الدوار عن رأسه، فدب في أذنه همسا خافتا:

"أنت و أنا ومن بعدنا الطوفان .. لا تخف لا تخف.. إلى حيث تقودنا الأيام إلى حيث نكون، لا بد أن نقف .. نحن في طريقنا إلى الفردوس سنمر على الصراط، رائحة الكادي والفل تخترق خياشيمنا .. لننظر إلى السماء .. في طريقنا إلى الشاطئ لا داعي للماء"

(مذكرات قارئه مجهولة الثلاثاء 31/12/2019)

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي