loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

قلعة عراقية

breakLine

 

 

 

محمد مزيد  -  كاتب عراقي

وجدت نفسي ذات يوم أعيش في قلعة محصنة محاطة بسور كبير لايمكن تسلقه ، مغلقة الأبواب على مدار الساعة ، فلايمكن الخروج منها، الا بالارتقاء بمراتب الولاء للقوة التي تتحكم بها ، ثمة في القلعة حجرات عديدة ، فيها نساء ورجال وكان علي أن أعيش فيها سنوات من دون أن أرى العالم كيف يجري خارج سورها ، وكان من أسباب إدامة الصبر في البقاء والمطاولة في العيش داخل القلعة بدون ملل، إنه  يمكنني أن أختلط بالنساء حسب برامج معدة لهذا الغرض .. يخالجني أحساس بغيض ، أن أيامنا في القلعة لن تكون كما نتمنى، مغمورة بالسعادة والسرور وملامسة أجساد النساء ، بسبب إننا محصورون في الساحة ذات البئر الوحيد الذي نشرب منه المياه العذبة ، لايجوز لنا التفكير بالخروج من الإبواب المغلقة الا بأمر ملكي للحصاد او الحراثة ، او لحلب الابقار، او اطعام الدجاج والخراف ، يحرس هذا الحلال خارج القلعة ، مراقبون مارقون مدججون بالسلاح ، تم تأجيرهم من قلاع مجاورة لقلعتنا أكثر بطشا، ليس لديهم رحمة او قلوب يتفكرون بها ولا يعرفون الحلال و الحرام ، ولانعرف السبب الذي جعل قلعتنا تستعين بمراقبين أجانب يسيرّون امر قلعتنا ، ها نحن نترقب الاوامر الصادرة من الجهات العليا ، وهم اناس غرباء ليس من طينتنا يمكثون في الطابق العلوي من القلعة ، وهم عبارة عن حاشية الملك واخوانه وابناء عمومته ليس لديهم معرفة بشؤون ادارة المملكة بسبب نقص معلوماتهم في الادارة والحكم ، وعدم تمكنهم من اكمال دراستهم . كنا نجتمع في الساحة وعيوننا مصوبة الى شرفة الملك ، وبمجرد أن تخبرنا المكبرات عبر صوت أنثوي بالغ اللطافة بالوقوف أستعدادا أمام بوابة الملك في الاعلى، لنشاهد وجهه المترهل المشبع بلحوم الغزلان والمفلطح وقد التمعت على وجنتيه اشراقات الحياة كلها، حتى تأخذنا الرهبة وبالكاد نتنفس او نصدر اي صوت بحضوره ، شخصيا لم أكن بحاجة للبحث عن مكان قريب من الطابور الاول ، حتى يمكنني التمعن بإشراقة وجهه ، اذ كانت دائما هناك فتاة جميلة تعشقني تحتجز لي المربع بجانب مربع وقوفها ، كان أشد ما يثيرني هو تكالب الرجال للوقوف بجانب النساء ، بينما أجد مكانا محجوزا لي مع إبتسامة فاتنة لا تخفي ما وراءها من غايات !! ولا أعرف حقيقة، سبب نزوع الرجال للوقوف بجانب النساء ، فهل يمكنهم مثلا ، خلال كلمة الملك القصيرة ، التي غالبا ما تستغرق نصف ساعة ان يستميلوا النساء اللواتي يقفن بجانبهم ؟ ولا أعرف كيف يمكن أن تتلائم الاجواء الشاعرية ، حين يريد أحدهم ، إستمالة امرأة ، مع صوت الملك ، وهو الصوت الاكثر قبحا في العالم ؟ ولما انتهت الكلمة بتوجيهات جديدة، كانت قد حانت ساعة غروب الشمس، ليعم الوجوم والكآبة المدمرة على كل من في الساحة ، ثم ندلف الى غرفنا ، كل رجل لديه غرفة مرقمة ، وبجانبها غرفة لامرأة ، بينهما كوة صغيرة يمكنه من خلالها التحدث او المغازلة او الاتفاق على موعد لقضاء الليل معها او معه ، بدون عقود زواج او اتفاق شرعي او رسمي ، حالنا حال الخنازير التي تُرعى خارج القلعة ، كل امرأة او رجل لديه غرفة فيها سرير واحد وكرسي واحد ومنضدة للطعام ، أضافة الى حمام وتلفاز يبث خطب الملك بين ساعة وآخرى ، كما يبث التلفاز أفلاما عن نشاط حزب القلعة يستعرض أنجاز المشاريع العملاقة  لصالح الجماهير، كنا لاننام بعد العشاء الا بعد مشاهدة فيلم السهرة ، وهو ليس فيلما بالمعنى المعروف بل مجموعة من اللقطات تم منتجتها ، لانفهم منها اية شيء ، المهم هو الا نفهم ما هي قصة أو ثيمة الفيلم ، تعمية كاملة للذهن وأفراغه من المحتويات الانسانية ، وقبل المنام يسمح لنا بالنزول الى الساحة نتجول فرادى او مثنى ، ممنوع التجمع اكثر من فردين ، فقط رجلين او امرتين ، او رجلا وامرأة ، اما اذا اجتمع ثلاثة فذلك أمر يخالف قوانين القلعة ويتم معاقبة الثلاثة بالزحف على الركب عراة في الساحة تحت الشمس في اليوم التالي. وبمرور الوقت ، بدأنا نخشى هذه التجوالات بسبب أن كل الحوارات التي نجريها مع بعضنا البعض تواجهنا بها السلطات وتسمعنا نصها صورة وصوت إذا لزم الأمر، خصوصا إذا جرى حوارا معمقا بين أثنين حول أمور الملك وحاشيته او طبيعة الحياة التي يعيشونها ، وإذا كان الحوار خفيفا، أو تافها ، تنصحنا الجهات الامنية من خلال مراقبين وجوههم خشبية، بعدم تكرار أقوالنا الناقدة لمنهج سلطة القلعة ، لكننا لانستطيع رفض الحفلات الماجنة التي يقيمها قسم الارشاد للترويح عن إنفسنا ، تقام الحفلات عادة في يوم السبت، أما باقي الأيام فيتم فيها إقامة الندوات لشرح أبعاد الفكر الجبار للملك الملهم، وهي ندوات عقيمة حتى أن المحاضرين يشعرون بالملل منها والتثاؤب وهم يرددون الأقوال نفسها ، حتى حصل ذات يوم شيئا لم نكن نتوقعه إذ قامت فتاة شقراء ذات جسد ناري في منتصف وقت المحاضرة لتقول للمحاضر " لقد سمعنا ما تقوله الآن في الأسبوع الماضي " ، أبتسم المحاضر وسألها عن رقم غرفتها ، وبقينا جامدين كأن الطيور على رؤوسنا ونحن نراقب ما الذي سيحصل للفتاة ، وعند المنام راقبنا بشكل خفي غرفة الفتاة الجريئة مضاءة حتى أنتصف الليل ، طرق بابي جاري الشاب وقال أنظر ماذا يفعلون بالفتاة في الساحة ، خرجت من غرفتي ، ورأيت كل سكان القلعة يراقبون من غرفهم ما يجري في الساحة، حيث تمت تعرية الفتاة ذات الجسد الناري ، وجعلها تسير على الأربع بين جداري القلعة يمينا وشمالا وفي جيدها وضع حبل يجرها حارس إن مانعت أو توقفت للاستراحة . وبعد ساعتين من التعذيب ، فك عنها القيد وتم جرها الى غرفة في الطابق العلوي، حيث كنا نشاهد الملك يراقب المشهد ، وبين أصابعه السيجار الكوبي متلذذا ، وبعدها لا نعرف ماذا حصل هناك . وأنتظرنا الصباح بشغف وخوف كي نعرف مصير الفتاة ، تجمهرنا في الساحة بعد الفطور الصباحي، وعيوننا تتساءل فيما بيننا عن الفتاة حبيسة الطابق العلوي ، همس جاري " يمكن أغتصبوها " لم أجبه، خوفا من أجهزة التنصت المزروعة بمؤخراتنا ، قال جاري الآخر " أعتقد رموها الى كلابهم الشرسة عند سور القلعة " فلم أجب أيضا ، أنا أكثر خبرة منهما في معرفة دواخل هؤلاء السفلة الذين يحكموننا ، تقف امرأة خلفي، قالت " أعتقد ربطوها الى السرير وتناوبوا عليها طوال الليل ، فلم أجب ، أنتهت كلمة الصباح المزعجة التي قالها الملك، كان يبدو عليه الإنشراح والسرور وهو يرتدي ثوبا أبيض قصيرا يغطي عورته فقط ، ولما جلس ، شاهدنا إنه لايرتدي اللباس الداخلي ، فاستنتجنا، بأنه مازال يمر في حالة الشبق مع الفتاة نارية الجسد ، حزنا كثيرا لعدم ظهور الفتاة لحد الان، وشعرنا أن بقاءنا في القلعة صار مقلقا لنا بسبب التشديد والقسوة على تفريغ رؤوسنا من الاحلام، وحقنها بالترهات ، دلفنا الى غرفنا بخطوات متعثرة والخوف يأكل عقولنا وقلوبنا ، شاهدني جاري في الغرفة ( 39) ولحق بي، ثم جلس على سريري ، قال كلمات لم أفهم معناها، ثم مضى في حال سبيله . عمت حالة من الوجوم والإكفهرار ، تتلبسنا مشاعر الخوف ، وفي الليل بعد العشاء ، في ساحة القلعة ، أخبرتنا أم الفتاة ذات الجسد الناري " أن الوضع يجب الا يستمر هكذا " حك البعض شعر رأسه ثم ولى هاربا، والبعض الآخر قبل أن تكمل عبارتها، ركض باتجاه غرفته ، كان الخوف يرجفنا وبإعتقادي أننا ما دمنا نخاف فلن نتحرر من سلطة القلعة ، هكذا همست باذن جاري ( 39 ) فهرب مني ولاذ الى زاوية لم أعد أراه فيها ، النساء كن خائفات يتمشين بخطوات بطيئة وهن صامتات ، راقبت فتاة بالثلاثين تمشي حافية ، رفعت ثوبها الاصفر ووضعته في لباسها الداخلي ، أحسست إنها تريد قول أشياء من خلال مشيتها المثيرة ، شقراء ، بيضاء الوجه ، جسدها يشبه فتاة الجسد الناري ، وجهها لايليق به الوجوم ، سرتُ بجانبها ، فالتفتت اليّ ولم تعرني أهمية ، تمشي بغير هدف نحو البئر وسط القلعة ، شعرت بالحرج لعدم أمكانيتي الاقتراب كثيرا منها ، لا أعرف كيف تسلل جاري ( 37 ) وأخبرني إنها صديقة المحتجزة، لاتقترب منها، فأبتعدتُ عنها، ولكنها بقيت تحت مراقبتي. في اليوم التالي ، كانت الشمس ساطعة ، تعرقت أجسادنا ، تجذبنا مياه البئر للسباحة فيه ، البئر عبارة عن مساحة تشبه البيضة بطول خمسة أمتار وعرض مترين يمكن دخول عشرة أشخاص فيه ، لمحت الفتاة المثيرة صديقة المحتجزة كان تحت أبطيها يسيل العرق، حدثني أبليسي بالإقتراب منها ، فأقتربتُ، شممتُ رائحة جسدها ، ليس هناك اعذب منها ، ياللهول ، هل يمكن للجسد أن يفرز كل هذه الرائحة اذا تعرق ؟ رائحة زكية كأنها العنبر، تعلقت بها أكثر ، سألت جاري الذي يسير خلفي ، من ينام معها ؟ فاخبرني رقم ( 14 ) فأغتبطته، كان علي أنتظار الليل لاعرف من يكون رقم ( 14 )، لكن النهار كان طويلا ممللا ، ، تخيم مشاعر الكآبة والوجوم علينا ، أنتصف النهار وسرنا الى غرفنا بانتظار وجبة الغداء ، ننزعج من صافرة الدعوة للطعام لأنها تقلق راحتنا ، أخذت قدري المخصص وأنطلقت بحثا عن الفتاة ذات العطر العنبر، ولما رأيتها ، أستبدلت ثوبها الاصفر الى الابيض، يلتصق على جسدها ، أحد المراقبين وجدته يخزرني لمتابعتي خطوات الفتاة ، وجه خشبي لا حياة فيه ، فلم أبال به ، وقفت في الطابور خلفها وزاد العرق في جسدها التصاق ثوبها على عجيزتها الكبيرة ، أكتشفت إنها لا ترتدي تحته شيئا مما اثارني أكثر، همست بإذنها ، لاول مرة أرى تسريحة شعر تشبه الموسيقى، فإلتفتت بإبتسامة ساحرة كادت تشلني ، أقترب مني ذو الوجه الخشبي وبيده العصا الغليظة المكهربة ، كان يلوح بها، فعرفت ما ينبغي علي الحذر منه . أخذت طعامي وسرت وحيدا لا أتبع أحدا باتجاه غرفتي، كنت أصغي الى صوت الهسهسة في جسدي ، ثمة خرير مياه يتساقط من شلالات قريبة من جدار القلعة ، وهناك زقزقة عصافير تعبر فضاء الساحة ، موسيقى ناعمة غمرتني تعزف لحنها السماوي ، كنت أراقب مشية ذات الرائحة، فأرى بعين خيالي أن الاشجار والعصافير تتبعها، ولكنني حين ألتفتت الى الوراء وجدت ذي الوجه الخشبي، مازال يترصدني من دون كل سكان القلعة ، ليس هناك قوانين صارمة تمنع الإقتراب من النساء الجميلات، ولكن هذا المراقب يبدو انه شديد التعلق بهذه الفاتنة ، وكان لابد من مواجهته بالمزيد من اللامبالاة، للإمعان في إذلاله ، ذلك لأننا نعلم أن المراقبين لايحق لهم النوم مع نساء القلعة ، وبالتالي فأن فرصتي في الفوز بها كبيرة ، تتبعتها وهي تسير الى غرفتها رقم ( 15 ) اذن هي جارة الشخص الذي يسكن غرفة ( 14 ) ويجب عندئذ أن أرى ساكن  (14) كي أجري مقارنة بيني وبينه ، وعندما دخلت الى غرفتها، عدت الى باب غرفة الرجل فوجدته مفتوحا ، فكرت بأفتعال طلب حاجة منه، أطرقت عليه الباب فلم أجده ، بحثت عنه في انحاء الغرفة، لم يكن موجودا ، بعد ثوان ، كان يقف خلفي شاب عريض الصدر اشقر ذي أنف كبيرة وشعر مجّعد " تفضل الديك حاجة عندي " فأرتبكت " نعم أريد قداحة إذا سمحت ، أبتسم " قال لي " ألست أنت الفيلسوف ؟ " دخل الغرفة وبسرعة ناولني القداحة وقال انه لايدخن لكنه يحتفظ بها للاصدقاء ، نظرت الى الكوة الصغيرة على الجدار الفاصل بين غرفته والغرفة ( 15 ) ، أشرت بحنكي الى الكوة وقلت غامزا " يحتاجها الاصدقاء " ففهم قصدي وأبتسم ثانية . في تلك الاثناء رأيت المراقب ذا الوجه الخشبي يقف عند عتبة الباب ينظر لي بحقد وغضب، لوح بعصاه وأنصرف ، فعرفت إنه علم بماذا أفكر ، ألتفت الى جاري في الغرفة 15 " كيف تجري الامور هنا ؟ فتح قليلا من النافذة بينه وبين غرفة 14 وقال أنظر بنفسك ؟ كانت فتاة عطر العنبر ترتب سريرها ، ترتدي الثوب الأبيض نفسه ، دخل خيالي الى غرفتها ، ونمت على السرير، جاءت الفاتنة ومسحت العرق عن جبهتي وأطفأت أصابعها الباردة النار في أنحاء جسدي ، وضعت يدها على كتفي ، كانت في الحقيقة يد  الشاب هي التي وضعت على كتفي " الى هنا كفى تلصص " فإلتفت إليه مذعوراً ، حنقت عليه لأنه أيقظني من الحلم ، أخذت القداحة وشكرته وغادرت الغرفة .
في صباح اليوم التالي ، أجتمعنا في الساحة بإنتظار خروج الملك من غرفته ذات الشرفة المطلة على الساحة ، طال أنتظارنا طويلا ، كنت أبحث قلقا عن ذات العنبر ، صدرت بيننا همهمات وتقولات ، فليس من عادة الملك أن يتأخر ، لكن المفاجأة أن فتاة الجسد الناري التي عوقبت بسؤالها الجرئ هي التي خرجت من غرفة الملك ترتدي ثياب الملكة وعلى رأسها التاج خماسي النجمة الذهبي ، قالت بصوت رخيم مثير " أنتقل الملك الى دار الخلد اثر نوبة سعال حادة توقف على إثرها قلبه، ومنذ هذه اللحظة، ستصبح أدارة المملكة في القلعة من قبل مجلس الحكم الذي سأختاره ، وليكن في أذهانكم ، أن اختبارا سيجري على كل من يتقدم للترشح ليكون عضوا في المجلس ، وسننزل قواعد الأختبار ، في منشور قريبا .