loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

كوخ

breakLine

 

 

 

 

بيان أسعد مصطفى/ كاتبة أردنية


ما عاد يهمه المكان الذي تطأه قدماه بعد الآن، لقد أتى إليها قاصداً مزاجها وأفكارها التي أرغمته على اتباع خطاها، لقد بحث في يدها عندما أمسكها عن هذه الطاولة التي يجلسان حولها الآن، فاقت الطاولة مخيلته فانتزع الشرارة من عينيها التي كانت تخبره بالمضيّ، فمضى إليها.

كانا في مكان يبدو أنه كوخ لكنّ الحياة هنا تنمو سريعاً وتتبدل، يتغير لون النهر باستمرار، وكذلك الأرض والسماء والصخور حسب مزاجهما، المزاج هنا هو من يتحكم بالألوان، ليس مزاجه وحده ولكن إذا اتقفقا على نفس المزاج فحينها سيتغير كل شيء، حتى الاتجاهات، والوقت سيتوقف. عندما وضعت حقيبتها على الطاولة نمت الشجرة التي بجانبها وتفرعت وأسقطت أوراقها الصفراء عليها، وتراكم التراب على سطحها.

وعندما خبّأ الوردة الغريبة (التي كانت نرجساً قبل أن تأتي) على الكرسي في الزاوية قبل أن يدعوها للدخول صدر صوت ساكسفون من قلب الغابة المعتمة كالمعتاد، لم تظهر في عينيها أية علامة للذهول، حتى عندما صار التراب تحت قدميها قصباً وقمحاً، حتى عندما امتلأت السماء مظلات، وصارت الشمس تتسرب من بينها راسمة مفاتيح  على الأرض المعتمة، حتى عندما صارت تنورتها الزرقاء ترفرف مع عدم وجود رياح.

لم يكن لديها اسم بعد، النمش على كتفيها كان يضيء، ابتسامتها جميلة، لون عينيها غريب يشبه شيئاً دافئاً ومألوفاً، شعرها غامق، عليه طوقٌ قماشي ورديّ، مشيتها هادئة وصادقة وبطيئة، ولكن هذا لا يهم، فهنا الوقت قد توقف، أمسك يديها عندما وصل إليها أخيراً، أحس مرة أخرى بدفئهما، عيناه مثبتتان في عينيها، كأنه يقرأ قصيدة لافتة.

وعندما دخلت إلى الكوخ هدأ المكان، وسمعا صوت احتراق رغم أنه ليس هناك شيء يحترق، "ضمي صمتي بين أحضانك واتركيه غافياً. فلقد اكتمل نعاسه. أسميتك الهاوية فانتصرت، الحفرة التي انتصرت عليّ، الهوّة التي أوقعتني، وأورقت خطاي، ومهدت الطريق لنمو كل تلك الغابة التي تضمنا بذراعيها كأم عطوف، كان لا بدّ أن نلوذ إلى البقاء بمفردنا، حيث صار العالم في الخارج متكدساً كأنه علبة مرتديلا، الجميع محبوس داخله يستنشق ذات الهواء الذي يزفره الآخرون." قال لها وهو يحدّق في عينيها، إلا أنها صمتت على نحو مفاجئ خائفة، لا ترغب أن تقول شيئاً من هذا القبيل، ارتبكت وأرادت أن تغادر بسرعة، ثم مرّ غزال... أرخت يديها... ضوء... ولكن... مساحة أخرى... لحنٌ بدأ يـ...
صار يحكّ رأسه، غيّر جلسته، وقف، فتح النافذة، أخذ من سيجارته أنفاساً متتالية حتى أنهاها، قطّب جبينه، بينما القطة بجواره تموء كثيراً، وجاره يدق بتكرار وبصورة مزعجة على باب بيته وينادي عليه. وهو سائر باتجاهه التراب أحمر، لا نهر، النرجس في حديقته كما هو، الشمس ساطعة جداً، ومرت فراشة من أمامه، كانت قريبة منه جداً حتى كادت أن تصفعه بجناحيها الباهتين.