loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

لعنة بلاد يأجوج و مأجوج

breakLine

 

 

رامان خالد/ كاتب كردي سوري


الجزء الأول:-

 

كعادته اليومية كان متقيداً بشكل مفرط...له وفاء شديد لروتينه الممل..توجه إلى سريره...وضع رأسه على وسادته..بعد أن أنهى دراسة ما هو مقرر عليه في امتحان كليته غداً كل شيء يسير كما المعتاد .. الهدوء ... السكينة..تزاحم المعلومات في رأسه وتسابقها للنسيان...كمية هائلة من المعلومات مطلوب منه حفظها..
كان كل شيء يسير وفق روتينه إلى أن احتضنت الوسادة جمجمته البائسة المليئة بما يعجز عن وصفها من معلومات وذكريات وفرح و أحزان..لتأتيه صفعة قوية على هيئة حلم كابوسي ... ليعيش معاناة جديدة .. _يظهر إلى الحي الذي يسكنه ليرى تغير في شوارعه ... صورة شاب في الثلاثينات معلقة على عامود الكهرباء.. مكللة بالورود...وكتب تحتها الشهيد فلان ... يتسلل إليه الفضول ليعرف من هو وما قصة استشهاده وأين ومتى؟
كل هذه الأفكار تتجول في دماغه لتلمح عيناه صدفة امرأة يبدو عليها الجنون تبكي وتنوح أسفل تلك الصورة... تتكلم معها وكأن الصورة تجيبها وتبادلها الحديث...تارة تضحك ...وتارة تبكي..تقرب منها لعلها تشبع فضوله وتخبره ما يجري...وما أن هم بالحديث معها....صرخت قائلة ابتعدوا ابتعدوا...لقد سلبتموني أبني ...لن أسمح لكم بسلب روحه أيضاً..كلامها زاد الفضول لدي لأعرف ما جرى وخصوصا أن بلادنا بلاد سالمة خالية من الحروب والنزاعات تخلو من جميع اسباب الاستشهاد ...هل ترى هو شهيد كارثة طبيعية؟..لا اذكر ان حصل شيء كهذا وان كان سيحصل لكنت علمت او سمعت...أدار نظره قليلا ليرى نفس ذاك الشاب الموجود في الصورة...الشهيد واقف الى جانب المرآة يربت على كتفها ويواسيها وانينه في مسمعي وهو يصرخ"-
دعوا أمي وشأنها فقد فرقتمونا...نحن الذي لم تستطع قوة في الأرض تفريقنا... ولكن ما يثير حيرتي كيف ان المرأة عشرينية وتكون أم لذلك الثلاثيني...لا أذكر إني قد قرأت شيء كهذا في أية كتاب علمي أو ديني  ولا أذكر إنه قد مر علي أو على أحد إن شخصاً ما عاد من الموت وبالأخص لهذه البلاد التعيسة .... وبدون شعور وخارج عن إرادتي بدأتا قدماي بالمشي لتبعتد عن ذاك المكان تجنباً لاصابتي بالجنون... أدخل في أول زقاق أراه لأصادف وجودي أمام بقالية ذاك الذي يقولون الناس عنه أن شرفه قد طعن بسبب ابنته التي رأوها تتبادل القبل مع عشيقها ... لقد كان مطأطأ الرأس بالعادة ... ما لي أراه معتزا فخوراً عريض المبسم اليوم ... لا اعلم ولكني لا أراه بهيئته الاعتيادية وكأني أرى إبليس بحد ذاته أمامي على الرغم من تعامله اللطيف معي ومع المارة..
لكن لا أعلم هيئته تبدو لي شيطانية.. فجأة تتوقف سيارة أمام باب بقاليته ... تنبعث منها روائح عفنية كريهة ...روائح قذرة وكأنها رائحة نجس البشر على الرغم من ان هذه السيارة لا تحمل سوى الفواكة التي تبيعها للبقاليات بالجملة ... لا أعلم أظن إن هذا الحلم ليس اعتيادياً ...كل حواسي تعمل على أتم الشكل.. على عكس الأحلام الطبيعية ... حين اقترب مني صاحب السيارة شعرت بالحقد والكره وبنوايا إجرامية في قلبه ... قمت بشراء بعض من الفواكة وفررت هارباً لألتقي بخياط حينا صاحب الوجه البشوش الذي لا يفارق الابتسامة وجهه ... هو ليس بعادته انه كئيب .. قلق ...خائف من شيء ما ...يشعر بذنب كبير .. لا أعلم ما هو ... ولكن روائح نتنة كتلك التي شممتها من البقالية تأتي من الأقمشة ... أرواح معذبة تدور وتصرخ حول هذا الرجل ... لا أعلم ما هية تلك الرؤى .. ولا سبب رؤيتي لها ...بسرعة طلبت منه قطعة قماش لاستخدمها كمنشفة لي ...وأسرعت لأعود للمنزل...
فور وصولي أخرجت الفواكة من الكيس وتناولت واحدة منها ... بدأت أشعر بالضيق والسم يجري في دمي ...
لقد كانت فواكهاً مسممة بالحقد والأجرام والافتراء والكذب ... لم تستطع مناعتي تقبلها ...حين مددت يدي لأمسك بقطعة القماش تلك لأمسح العرق الذي بات يتصبب من جبيني ... تفاجئت بأنها بدأت تلتف حول عنقي لتخنقني... أنا ميت الآن
وتلك المرأة المجنونة لم تكن أم الشهيد بل كانت ابنة البقال .... وذاك الشاب لم تنجبه تلك المرأة بل كان ابن قلبها الذي كان يحبها ويحلم ببقية حياته معها
وتلك الرائحة النتنة التي كانت تأتي من سيارة الفواكة لم تكن رائحة الفواكه ... بل كانت رائحة الفتنة التي صنعها ذاك الرجل ..والتي دفعت البقال لقتل ابنته البريئة
الارواح المعذبة التي كانت تجول عند الخياط ... كانت ارواح لأشخاص صنع الخياط كفنهم وأخفى أمر قتلهم ..
سبب عودة ذاك الشاب إلى هذه البلاد التعيسة من الموت هو الحب .. الحب الذي حرموه منه وهو حي ...فاصبحت روحه تمارسها وهو ميت ..
حين طرقت رأسي بصخرة القبر ... علمت انني لم أكن أحلم بل كل هذه الرؤى كانت بسبب إزالة الغشاء الذي كان يمنع عيني من رؤية الشياطين ..زال لأن موتي كان قريبا ....لأكتشف بأن الشياطين والعفاريت المذكورة في الكتب السماوية والقصص الخرافية ليست كائنات مستقلة بحد ذاتها... بل هي بشر متخفين تحت قناع المثالية ... الأن هنئوني لأنني ميت ولن أعود لهذه الدنيا القذرة مجدداً


الجزء الثاني :-

كنت منعزلاً...كئيباً..سوداوياً .. متألماً جداً ...مفرط التعب ومشاعري مرهقة ... لكنهم كانوا أنانين جداً ... لم يكونوا يرونني سوى كاتب ...لم يعرفوا ما بداخلي ...
حين خرجت من منزلي باحثاً عن من يفهمني حتى لو كان صخرة أو شجرة لا يهم ... كل ما اريده هو ان أتحدث و أتحدث بدون أن يمل من حديثي ...
ها أنا الآن أمام باب منزلي هناك ثلاث جنازات تشيع في حينا ... لا أعلم ربما أحدها أنا أو روحي قد غادرت هذه الدنيا منذ زمن .... كل شي حولي ليس كالمعتاد ... الناس لا يرونني لا يسمعون صوتي ... أسمي ينادى في مسجد حينا ... أنتقل إلى رحمته تعالى ... من؟!أنا؟! ما هذا الهراء ما هذا الذي يحصل بحق السماء؟!!من أنا؟! التابوت الأيسر لمن؟! أنها صورتي اللعينة ....صورة وجهي وأنا مبستم ... لقد كانت المرة الوحيدة التي ابتسمت بها في حياتي ..هل كل هذه الأمور هلوسات تحدث لي؟! أم ان روحي تأبى المغادرة .... لا أحد يعرف ما سيحصل في المستقبل ....أما أنا لا أعرف ما الذي يحصل الآن .... صوت بكاء من منزلنا؟! ما الذي يحصل؟!
أشعر بأن قدماي بدأت ترتفع عن الأرض .... أنا أتلاشى ... أمامي ملكان الآن بيد احدهم كتاب ضخم جداً .... عرفت من حجمها أنها المعاصي التي ارتكبتها في حياتي ...وبيد الأخر ورقة بيضاء تحوي سطراً واحداً فقط أنها حسناتي ...ولكن يا ترى ما هي تلك ... لا أذكر أني ارتكبت في حياتي سوى المعاصي ...طوال حياتي وأنا لا أنسجم مع الأديان .. لأنها تأمرنا بأن نكون مبهورين بعدم فهمنا العالم ... ما هذا المنطق؟!
شرد ذهني بأفكار لا تنتهي حين اتى أمر رمي بين نار الجحيم .... لا بأس فأنا مؤمن جداً بأن اقصر الطرق إلى الجنة تمر عبر جهنم.... بدأت السير بين وجوه الموجودين هناك ... الجحيم ليس بهذا السوء الذي يصفونه .... كل أحبابي هنا .... جيراني ... أبناء حارتي ...مسؤولو بلدي ... السمان الذي في حينا .. بائع الخضار الذي كان يبعني الخضار الفاسدة ... تلك المرأة التي كانت تجلب لي حليب الأبقار الصافي ...صائغ الذهب ... ذاك الوطني الذي كان يبيعني شعارات حب الوطن والثورة والقتال في سبيل تراب الوطن ...رؤوساء الأحزاب السياسية ... كلهم لم استغرب منهم ... لكن ماذا يفعل أمام مسجدنا هنا؟!
صديقي الذي أعتبرته أخاً لي؟! ....أكلهم كانو منافقون؟!
ألتفت بنظري عنهم .. ما عادت بصيرتي تتحمل رؤية أشخاص أخرين ... ألتفت لأرى شريط يعرض مسيرة حياتي ما قبل الموت .... رأيت نفسي مع تلك الفتاة التي كنت أحبها ... هل هي أيضاً ستدخل الجحيم؟!
هل كانت منافقة أيضا؟! في حين كنت أتسائل بيني وبين نفسي .... الشريط تبدل ... أرى تلك الفتاة التي تبكي تحت صورة الشهيد ذاك.... أنها صورتي!!!!!!!
وهذه الفتاة حبيبتي .... أباها لم يقتل سواي .... أنا كنت ضحية تلك الرواية ... الصادقة الوحيدة في قصتي هي؟! وأنا الذي كنت دائم الشكوك بها ... الآن اتى الملك ليخرجني من الجحيم لأتوجه الى الفردوس بفضل تلك الحسنة الوحيدة في صفحتي التي مسحت لي جميع المعاصي .... لقد كان ذاك حبي لها