loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ماضٍ لا يمضي

breakLine

 

 

 

خاليد مجاد / كاتب من المغرب

وكأنه أمرٌ أشبه بحلمٍ، أو بحالة غريبة آتية من ماض سحيق؟! من البدايات الأولى مثلاً؟! رأيتُ جدي ينتزعني من فراش النوم بجانب جدتي، قائلاً:
- هيا. قم بسرعة، فالوقت يمضي، وعمك الجيلالي ينتظر؟
-كيف يمضي الوقت يا جدي، والليل ما يزال مرخياً كامل سدوله؟
دجاجات جارنا الجيلالي المكتوفة تقأقئ بتراخٍ، غير عابئة لا بالماضي ولا بالآتي!؟ جدي ينهرُ البغل الذي يجر عربة تتأرجح في الطريق المتعرج. أنا في الوسط. مرة أميل ناحية جدي، وأخرى ناحية عمي الجيلالي. أحدّق في جنبات الطريق المعتم. خلف الشجيرات القصيرة والأدغال الكثيفة، أرمُق وحوشاً ضارية، وأطيافاً جامحة تتوعد، وتحاول مغادرة معاقلها لاستلالي من موضعي بين جدي ورفيقه. أتراجع إلى الخلف. أنكمش بجوار جدي، وأصوّب نظري الزائغ فقط نحو الأمام، مركزاً على حركات البغل المثابر في الطريق المظلم. جدي ورفيقه لا يكفان عن ثرثرتهما العذبة.
- ما هذا يا جدي؟
- تلك هي قنطرة القطار!؟
"إلهي، كيف أمكنهم تشييد شيء كهذا؟!... وها قد شرع الظلام في التبدد. يصمت جدي ورفيقه صمت قبورٍ؟! نمر بمحاذاة منزلٍ جميل. بطابقين وشرفتين تطلان على الطريق. بعدما ابتعدنا قليلاً عن المنزل، قال رفيق جدي:
- بني هذا منزل العرايا... مسكون... بسم الله الرحمن الرحيم. و...؟
نهره جدي بقوله:
- أصمت. سترهب الولد؟
- لماذا ينبعث يا جدي، من ظهور هذه الحمير كل هذا البخار؟
- بني، هذه الحمير متوجهة إلى السوق، وتحمل "طَايَبْ وهَارِي" الخارج لتوه من المياه الحامية.
الحشود هائلة وكأن العالم برمته قد حَلّ بهذا السوق الفسيح؟ الناس مُنخطفة وكأنه يوم الدينونة؟ مبتاعون يحاولون مُراودة عمي الجيلالي لبيع الدجاجات. أحدهم يغرز أصبعه في مؤخرة دجاجة؟
- إنها لا تبيض وهزيلة؟ بكم تبيع؟
لم يقنعه الثمن، ونزع الدجاجات من المبتاع البغيض. كل هذه الأمواج من القرويين تشعرني بالدوخة؟ ركَنَ جدي عربته، وربط بغله عند قيطون أحمد الزيات. قال:
-لا تُفلِت يدي كي لا تضيع؟
الجميع يستعد بحماس غريب لبدء العمل: الخضارون، والجزارون، والحلاقون، وبائعو السمك، وبائعو المتلاشيات، وتجار الحبوب والقطاني، وبائعو السجائر بالتقسيط، وماسحو الأحذية، والسحرة، والمغنون، ومرودّو الأفاعي، ومحترفو ألعاب الخفة، واللصوص، والمخادعون، والعدول، والفقهاء المزيفون... ولجتُ وجدي مقهى غاصاً بالرواد والمتسولين. حضر الشاي والإسفنج الساخن، والعم الجيلالي بعدما باع دجاجاته المهادنات... بعد الفطور أتخذ كلٌ وجهته. أما أنا فأمسكت بجلباب جدي، وتوجهنا صوب "رَحْبَة الحبوب" لاقتناء بعض الشعير للبغل. وسط كل ذلك الزحام، وفي غمرة الذهول والحيرة أفلتت يدي جلباب جدي. عندما فطنتُ وجدتني أمسك بتلابيب شخصٍ آخر لم يعبأ بي. كجَدْي تاه عن القطيع صُحْتُ بكل قوتي:
- جدييييييي، وفِينَك أَ جَدّي؟
لقد اختفى جدي، وبلغ قبلي حنجرتي. شرعت في البكاء والعويل، والعدو بين الباعة، والمناداة على جدي بشكل يائس... ولا أحد اهتم لأمري، وكأن الناس سكارى وما هم بسكارى!؟ قطعتُ كل باحات ودروب السوق ذهاباً وجيئة، بحثاً عن الجد الضائع، وما وجدت له أثراً؟! بلغتُ سور السوق. رأيت قرويين، نساء ورجالاً، يتبرزون بجوار السور دون احتشام. نفرَت جوارحي من المشهد القبيح، فعدتُ أدراجي. وأنا أسير سير اليائس المحبط، سمعتُ عبد الباسط عبد الصمد يرتل: "والضحى والليل إذا سجى..." وغير بعيد عنه تغني فاطمة الزحافة بنغمة بكائية: "أَنَا بْقِيتْ فَرَّادِي، فَرَّادِي وَحْدِي غَادِي... آشْ هَادْ لِيَّام البَدَّالَة؟" وبشكل مفاجئ لمحت شبحاً يشبه جدي، يتقدم نحوي. نعم إنه جدي بقامته الفارعة، وجسده النحيف، وجلبابه الصوفي ناصع السواد. ثم وضع يده الخشنة فوق رأسي، وهمس في أدني: "بني أنت لم تته قطّ، أنت فقط تلاحق ماضياً لا ترغب في إعتاقه، ماضياً لم ولن يمضي؟ حرَّرَ بعدها يدي، وتركني غارقاً في ذهولي وروعي... ثم رأيته ينسحب حتى غاب في الزحام. فقط ظل صدى صوته يتردد في أذني بلا انقطاع: "فقط ماضٍ لا يمضي؟"...