loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

ما يجلبه القمر

breakLine

 

ما يجلبه القمر

هاوارد فيليبس لافكرافت


ترجمة -  ناصر الحلواني - قاص مصري

وكالة نخيل عراقي - خاص

 


أكره القمر ـ أخشاه ـ إذ حينما يتألق نوره على مشاهد مألوفة ومحبوبة معينة، فإنه، أحيانا، يجعلها تبدو غريبة وبشعة.
حدث ذلك في الصيف الشبحي، عندما أشرق القمر على الحديقة العتيقة، حيث كنت أتجول؛ الصيف الشبحي للزهور المخدِّرة، وبحار أوراق الشجر الزاخرة بالرطوبة، التي تجلب الجموح والأحلام متعددة الألوان. وبينما كنت أسير على جانب المجرى الكريستالي الضحل، رأيت تموجات غريبة يعلو حنياتها ضوء أصفر، كما لو أن هذه المياه الرائقة تُسحب عبر تيارات مستسلمة نحو محيطات غريبة ليست في هذا العالم. ساكنة ومتلألئة، تدفقت تلك المياه الممسوسة بلعنة القمر، ساطعةً ومحتشدة بالشر، لا أعلم من أين، فيما تخفق زهرات اللوتس البيضاء مرفرفة، واحدة بعد أخرى، من الضفاف المغطاة بالأعشاب، في ريح الليل الخَدِرَة، لتسقط بيأس في المجرى، لتدور حول نفسها مبتعدة بشكل مروع، تحت القنطرة الحجرية المقوسة، وهي ترنو خلفها في استسلام مشؤوم، بوجوه هادئة ميتة.
وبينما أركض على الشط، محطما الأزهار النائمة، بأقدام غير مبالية، هلعا بتأثير الخوف من الأشياء غير المعروفة، وإغواء الوجوه الميتة، لاحظت أن الحديقة لا نهاية لها تحت هذا القمر، وفي موضع الجدران التي أراها في النهار، تنبسط الآن امتدادات من الأشجار والممرات، زهور وشجيرات، أصنام حجرية ومعابد باجودا بوذية، وأعالي موجات صفراء الضوء لمجرَى يمضي بجوار ضفاف عشبية، تحت جسور رخامية عجائبية التصميم. كانت الشفاه في وجوه اللوتس الميتة تهمس بحزن، وتدعوني لمرافقتها، ولم أتوقف عن السير حتى صار المجرى نهرا، وصرت بين مستنقعات من أعواد البوص المتمايلة، وشواطئ من الرمال المتلألئة، على ساحل بحر هائل لا اسم له.
فوق هذا البحر أشرق القمر البغيض، وفوق أمواجه التي لا تُصدر صوتا تنبعث روائح غريبة. وبينما أرى وجوه زهرات اللوتس تختفي هناك، رجوت لو أن لدي شبكة، أجمعهم بها، لأتعلم منها الأسرار التي جلبها القمر خلال الليل. لكن حينما مال القمر إلى جهة الغرب، وانحسر المد عن الشاطئ المتجهم، رأيت في ذلك الضوء أبراجا مخروطية قديمة، تبين قممها تحت الأمواج، وأعمدة بيضاء مبهجة، متوجة بأكاليل من أعشاب البحر الخضراء. فعلمت، أنه إلى تلك البقعة الغارقة، يأتي كل الموتَى، ارتجفت ولم أعد أتمنى أن أتحدث إلى وجوه اللوتس.
مع ذلك، فعندما لمحت، بعيدا في البحر، نسرا أسود يهبط من السماء، بحثا عن بعض الراحة فوق الشعاب الشاسعة، كنت متشوقا لأستفسر منه وأسأله عمن كنت أعرفهم وهم أحياء. كنت لأسأله لو لم يكن بعيدا، ولكنه كان بعيدا جدا، ولم يعد من الممكن رؤيته عندما انخفض قريبا من تلك الشعاب الهائلة.
هكذا راقبت المد في انحساره على ضوء القمر الغارب، ورأيت الأسقف المخروطية تلمع، والأبراج، وكذلك الأسقف التي تقطر ماء لتلك المدينة الميتة. وفيما أرقب، حاول منخاريَّ أن ينغلقا أمام روائح العفن المنبعثة من جثة العالم، لأن الحقيقة، أنه في تلك البقعة غير المتعينة والمنسية، جُمع كل لحم المدافن الكنسية، لأجل أن تنخرها وتتغذى عليها ديدان البحر المنتفخة.
فوق تلك الفظائع، تعلَّق القمر الشرير قريبا جدا، لكن ديدان البحر السمينة لا تحتاج إلى قمر لأجل أن تتغذى على ضوئه. وبينما أرقب المويجات التي تشي بتلوي الديدان تحتها، شعرت برجفة جديدة تأتيني من بعيد، حيث حلَّق النسر، كما لو أن جسدي قد أدرك رعبا قبل أن تراه عيني.
ولأن جسدي لا يرتعد بدون سبب، فعندما رفعت عيني، رأيت المياه قد انحسرت وصارت ضحلة للغاية، فأظهرَت الكثير من الشعاب الهائلة، التي رأيت حافتها من قبل. وعندما تبين لي أن الشعاب لم تكن غير تاج بازلتي أسود لإيكون الفظيع، الذي تبدو جبهته الوحشية الآن في ضوء القمر الخافت، والذي ترفس حوافره القذرة الوحل الشيطاني تحته لأميال، صحت بأعلى صوتي وصرخت خائفا من أن يصعد وجهه المخبوء من تحت الماء، وخشية أن تنظر عيونه المستترة إليَّ، بعدما ينسل ذلك القمر الأصفر الغادر، الذي ينظر إليَّ شذرا.
لكي أهرب من ذلك الشيء الذي لا هوادة فيه، غُصت فرحا، وبلا تردد في تلك المياه الضحلة العفنة، حيث تستمتع ديدان البحر السمينة، بين الجدران العشبية، والسبل الغارقة، بموتَى العالم.

 

يذكر أن هاوارد فيليبس لافكرافت (1890 ـ 1937)، مؤلف أمريكي، تتسم أعماله بالغرابة، وقصص الرعب التي تنتمي إلى الطراز القوطي. مات فقيرا وغير معروف، ولكنه حقق شهرة واسعة بعد موته. كما كتب الشعر. وله العديد من الكتب الأدبية، والروايات القصيرة، والقصص.