loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

محجر أبيض

breakLine

 

 

 

 

أفراح فهد الهندال - قاصة كويتية

 

تتخبّطين في مَسيرك بينما تُلقين البَياضات الصغيرة ِ إلى الهَواء، دُموعك بلّلت اللِّثام ، والقفازاتِ ورداءَك  الأبيض ،  تمرّين بوجوه الجموع المتراصّة ، تقرئين تجاعيدَ الخوف في استجدائهم المرهَق للحصول على المزيد من الكمامات، وأنا في كرسيّي البعيد أُلقي برأسي على كتفٍ واحد وأحمّل الآخر وِزْر شَتائمي ، أعود إلى مشاهدة المدينة المغرقة بالسوائل المعقمة عبر هذا المعتزل الزجاجي المسمى "حَجْرا ًصِحّيا"، وأكتب.
ليس غريباً هذا التناقضُ ما بينَ نهار المدينةِ  وعالِمها السُّفلي في الليل، يَمرُّ بالشارع  الشيوخ الذين تركوا أحلامهم مهدورةً على أرصفة ِالتّقاعد، ونساءٌ لم يلمسنَ العجين مُجددا لأن وابلَ المرض يتساقط من جِباهِهن، وأطفالٌ صاروا يعرفون شكل الكائناتِ الهُلامية التي فَتَكت بأقرانِهم حين تمسّكوا بالأراجيح، تعبرُ الدكاكين المقفلة والستائر المختبئة خلف الشرفات المهجورة ، مثلي مشلولة فلا ريحَ تمسّد ذاكرتها ولا تطير خلف العصافير، أنا الستارة الرّثة في هذا المَشفى  نهاراً وأنا الخفاش الذي يُلملِم كتاباته حول جسده ليلاً، وأنتِ ممرضة تخشى الدّماء المتجلطة  في ثناياي.
لمَ القلق  يا زهرة النرجس؟ ألأنكِ مسجونة هنا بعيدا عن غرفتك، أم لأنك تقمّصتِ مهمة إنقاذ العالم بحُقَن العقار  والكمامات ومجسّات الحرارة ؟ نسيتِ أنني كنت "حالة ًطارئة" ذات رفض؟  تحذرينهم من كل شيء، من أي شيء، وأنا الذي يعرف الزهرة البيضاء  كيف تنبت وتعيش .. لم أعد أريد شيئا سوى الكتابة إليك.
أمضي الفترة الحرجة للعالم وأنا في فترتي الأخيرة من العمر، مناعتي أقل من الاحتمال ولهذا تُركت في هذا الانزواء بلا زيارة، لم أسافر قط، لم أصافح العائدين من الصلاة، ولم أمسّ حكايات المشبوهين في المرض، أكتفي بانتظار الموت  الواقف آخر الصف يعدّ الذين كمّموا الأفواه كي لا يبوحوا بأسمائهم لسجلّ الرحيل، يحدّق بي وأهزأ بتوعّده.
كرسيّي ما زال ملوّثا بسعالي،  جسدي ينسلّ مني كما كتب لي القدر، وأنت تهربين في الإفراط برعايتهم وتتجاهلين معزلي الصحي الأثير، معتزلي المميز الذي يسمح لي برؤيتكم جميعا بينما لا تنظرون إليّ،  ذلك ما يمنحني العزاء ويهوّن عليّ سكينة الاستسلام.
كم تبقى لي من الأيام؟ لم يعد أحد يذكّرني، ولم أكن أكترث بذلك قبل فقدك، وليّ أمرك كان يخاف أن ترتبطي برجل يتهاوى في مرضه، وكنتِ على يقين ٍمن العلاج حتى أهملتِه مختبئة في طاعته،  بيننا طفلان في العمر الذي تخلصت منه، وبيتٌ لم أعرف كيف أبنيه  لهما، وحلمٌ صار مثلهما يتيماً، كيف ستنجبين طفلين بعد وقت أبعد من الآن، وفي مكان خارج العالم الموبوء هذا؟
قلّ عدد الذين تحلقوا حولك، كتموا كلماتهم التي كانوا يرددونها، الكمامات استبقتهم في الصمت، ووجّهت عددا منهم إلى التوابيت المعدنية الباردة،  نسوا أن النرجس يقتل كل ما ينبت قربه،  "يا نرجس.. مرّي من هنا".
خبّأت وجهكِ عن الوباء لا عن ذاكرتي، لم يره أحد بعد ذلك، أنا الوحيد الذي ما زلت أثرثر،
حتى نشرات الأخبار صمتت، لم تعد تحصي ضحايا السكوت، الحجر الصحي طال المدن القريبة، والقرى صارت قفراً، "ضَيْعَتُنا" تمتد ُّبلا لقاءات، والذين يحبون بلا شروط انقرضوا.
أوامر إخلاء المبنى شغلت الجميع بالهروب، لم أفكّر بمغادرة كرسيّي ولا تركِ أوراقي الصفراء التي سُمحَ لي بالكتابة عليها بشرط عدم "النشر"، هذا ما يمكّنني من تدوين أعراض مرضي ، أضم إليها أوراق تخطيط قلبي، ووصفة العلاج العاجزة، لتكون مؤشرا على  البقاء، أثراً للكائن الذي ذاب في هذه الغرفة الضيقة، وهذا ما يمنحني التمسك ببقايا الحياة.
توقفت أصوات الأبواب المتلاطمة، كل الخطوات خرجت من الأبواب المشرعة للرحيل، وصوت المؤذن يردّد "صلّوا في رِحالكم".
سيظل هذا المكان شاغرٌ للكتابة، للمقاطع التي أتقنتِ تشريحها، للحمّى، لأعضائي التالفة التي استُئصِلت،  لساقيّ النحيلتين، لعظام صدري البارزة، للـ "المرارة" المتورمة في جوفي.
سيبحثون في كلماتي عن ملامح توبة، عن تحلّلي من نصوصي القديمة وشِعري الجديد، عن نرجس التي لم تمكّنني.. ولم يتقطّع قلبها شغفاً، عن عَبثي في المَجاز ومن هلع هيئتي في المرآة، عن تخلصي من نفوري، من الرتابة في العلاج واحتراقي في السعال، يستدلّون على خشوعي ودعائي للمرضى المستميت في الرجاء.
أكتب : "من مرضي.. من السرير الأبيضِ" ونرجس غادرت ولم تعد "منتظرة"..  أحادث شاعراً ذاب قبلي، وأهديها قصيدتي الأولى، أسجل عليها عنواناً لا أعرفه، ووصيّة البحث "الحثيث"، البحث "المضني"،  تبدو مفردة مواكبة أكثر لاحتضاري، ربما تُفتح الأبواب بعد أن يستَتِب الأمن، أو حين يستكشف القادمون متحف الموتى هذا فيما .. بعد.
سأظل أكتب هذياني للمشغولين  بالجنازات، للذين يتجنبون سماع التفاصيل الصغيرة حتى تكتب في الوصايا، للذين حرّموا أنّات المرضى ولاذوا بزهو العافية، للنرجسيين جميعاً المنهمكون في التكاثر وزجّ المزيد في مشجّرات السّلالات المُنتخبة، للذين يفاخرون بمآثر لم يعايشوها ويدبجون أسماءهم بالألقاب، سأقول لموتهم: تبًا لوهمكم المقزز، لحقارة اعتباراتكم،  لما أعمى قلوبكم عن الأرواح البائسة  فلم تهبوها أرضا سوى القبور،  سأظفر بمجد الكتابة الحزين، وألحق باسم حبيبتي التي لم تختر اسمها ، أبذر قصيدتي الوحيدة في قبرها وأهمس: لعلّنا نَنبُت معاً.