loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مختارات من معجم الأشياء

breakLine

مختارات من معجم الأشياء

نذير الزعبي/ كاتب سوري


المرآة الجانبية التي تحب الشعر

"الأجسام الظاهرة في المرآة تبدو أصغر وأبعد مما هي عليه في الواقع"
لطالما ظنت المرآة الجانبية، بأن العبارة المكتوبة عليها نصٌّ شعريّ. لذا كان يطيب لها ترديدها في المشاوير الطويلة بأساليب إلقاءٍ متنوعة لتزجية الوقت.
في المشاوير الليلية، غالباً ما يكون الإلقاء حزيناً إذا كانت ليلةً شتوية، ويكون رومانسياً حالماً في ليالي الصيف. أما في المشاوير الصباحية، فكانت تستوحي طريقة الإلقاء مما يمر فيها من انعكاسات الصور. فإذا رأت مركبةً عسكرية جاء الإلقاء حماسياً، بينما سيارة نقل الموتى فتناسبها النبرة الجنائزيّة، وهكذا..
في الجانب المقابل من السيارة، كانت المرآة اليسـرى التي لم تحظ بأي نصٍّ مكتوب، تُنصت إلى شقيقتها بكثيرٍ من الأسى. "ألم يخطر ببالهم أنّ المرايا تغار؟!" كانت تناجي نفسها على الدوام.
ذات صباحٍ شتويّ، وبينما كانت السيارة متوقفة على الإشارة الحمراء، كانت صديقتنا عاكفةً على تأليف لحنٍ لنصها الشعريّ ذاك، كي تغنيه في الربيع.
"مَن صاحبُ النص؟" باغتتها شقيقتها، فأوقعتها عن حبل ألحانها الذي كانت تترنح فوقه.
ودّت أن تلتفتَ إليها لترميها بنظرة احتقار، لكن هذا لم يكن ممكناً بكل تأكيد.
"أنا صاحبته!" أجابت بنزق، بينما تطالع الطريقَ خلفها.
"لا. بل عنيتُ من هو مؤلفه؟"
"بالطبع أنا!" أرادت أن تجيب.
غير أن الشاحنة المسـرعة المندفعة نحوها في تلك اللحظة، كانت أقربَ مما تبدو عليه في المرآة.


الهواجس الأمنية لمنفضة السجائر العمومية

اعتادت منفضةُ السجائر العمومية مراقبةَ الناس كما تفعل الكاميرات الأمنية.
كانت قد حاولت بداية الأمر، حين نُصبت على الرصيف، إسداءَ النصح إلى من يقف إزاءها من المدخنين، مبينةً لهم مضار هذه العادة السيئة على صحتهم. لكنها ما لبثت أن أدركت أن المدخن لا يمكنه سماعُ الصفيح.
كيف يوكلون مهمة خدمة أحدهم لمن لا يمكنه التحدث إليه؟ كانت تتساءل على الدوام، إلى أن قررت الاكتفاءَ أخيراً بنظرة إشفاق ترمي بها كلَّ مدخنٍ يمرُّ عليها. وظلت على هذه الحال، إلى أن تلقّت ذات صباح بصقةً لزجةً على رأسها من رجلٍ غير مدخن.
كانت تلك أولَ بصقةٍ تتلقاها، وأولَ مُحرضٍ لولادة حلمها بأن تصير، ذات يوم، كاميرا مراقبةٍ أمنيّة.

حبسُ جريدتين

ظلت جريدة اليوم حبيسةَ صندوق الاشتراك. وفي اليوم التالي، وضع موزع الصحف جريدةً أخرى.
تبادلت الجريدتان التحية، وراحتا تتداولان ما لديهما من أخبار لتزجية الوقت ريثما تخرجان.
لكنّ أُنسة المساجين تلك، لم تلبث أن تحوّلت إلى معركةٍ مُحتدمة حول أيهما التي تحمل الأخبارَ الأكثر جذباً لصاحب المنزل.
فيما خبرُ وفاته، حملته الجريدة التي أُلقيت خارج الصندوق.


الحالة الجوّية لمشاعر مسّاحتين

تتناوب المسّاحتان على اللحاق ببعضهما، دون أن تدرك أيٌّ منهما الأخرى. يتوقف المطر فتتوقفان. يعود المطر فتستأنفان االلعبة.
ينقضي الشتاء فتخلدان إلى سباتٍ طويل.
فراشةٌ ملونة.
شمسٌ حارقة.
أوراق قيقبٍ يابسة تحط على جسديهما الممدين كسلك الكهرباء.
هكذا تكون أحلامهما.
يعود الشتاء أخيراً، فتستيقظان وتبدآن العدو.
"كان ليلاً طويلاً" تقول إحداهما.
"كان حلماً جميلاً" تقول التي قصّت عليها ورقةُ القيقب الحمراء حكايةَ الانعتاق.
اللوحة التي لم تقابل تمثالاً من قبل

- صباح الخير.
- صباح الخير.
- ألوانٌ جميلة!
- شكراً لكِ. أنا أيضاً أحببت شجرة الكستناء في زاويتك.
- إنها شجرة بلوط. لكن شكراً على الإطراء. منذ متى وأنتِ في هذا المتحف؟
- أعوام طويلة..
- ما حكاية ذلك الرجل؟
- أي رجل؟
- هذا الذي يقف بلا حراك في منتصف القاعة متطلعاً إلى السقف.
- ليس رجلاً! إنه تمثال.
- لم أفهم!
- ألم يكن راسمُكِ ينحتُ التماثيل؟
- كان يرسم وحسب. وفي بعض الأحيان كان يرقص ليلاً داخل المرسم بغير موسيقى كالمجانين.
- ألم يصدف أن رأيتِ تمثالاً من قبل؟
- كلا. لقد خرجتُ من المرسم إلى صالة منزلٍ أقمت فيه ما يربو على العشـرين عاماً. ثم نُقلتُ إلى مزادٍ علني، ليحملوني بعدها إلى هذه القاعة.
لقد شُريت بثمنٍ بخس! يا للعار! ..
ألن تخبريني ما هو التمثال؟
- التمثال لوحة مثلنا، لكنه لوحةٌ مجسمة.
- لوحة مجسمة؟ يبدو أمراً مشوقاً! وهل يتحدث لغة اللوحات؟
- بكل تأكيد. لكن لا تحاولي التحدث إليه فلن يرد.
- وما الذي يمنعه؟
- قسوته.
- مممم نعم معك حق. يبدو مصنوعاً من حجر.
- لا. لا شأن للحجر بقسوته. بل انظري كم يشبه الإنسان..


مين شاف الريموت؟

"ستكون أكثرَ شيءٍ يضيع في هذا المنزل، وأكثرَ شيءٍ سيعاودون إضاعته كلما عثروا عليه" قال التلفاز العجوز بصوته الأجشّ، محدِّثاً جهازَ التحكم الجديد في أول يوم عملٍ له داخل المنزل.
"ستعتاد الأمرَ فلا تقلق" أضاف التلفاز بعد أن تنبّهَ لاضطراب أزرار الريموت الجديد. ثم قال أخيراً، سارحاً من خلف شاشته السوداء بلوحةٍ سرياليةٍ على الحائط المقابل: "ستكفل لك هذه الحالة الغريبة على الأقل، بأن تظلَّ محطَّ اهتمام الجميع كلما تفرّقوا في أرجاء المنزل بحثاً عنك"
لم يضِع جهازُ التحكم بعد ذلك الخطاب الترحيبي سوى مرةٍ واحدة.
غير أن أحداً لم يبحث عنه.
كانوا جميعاً معه، تحت الركام.
الكرسيُّ الذي فقد أحدَ أرجله بسبب ضيفٍ سمين

تحت وطأة الضيف السمين على مائدة العشاء، انكسـرت رجلُ كرسيٍّ خشبيّ، من كراسي طاولة الطعام، بعد أن استشـرى بها نخرٌ قديم.
كان كسـراً مُضاعفاً يستحيل إصلاحه. أدركت جميع الكراسي هذه الحقيقة فور وقوع الحادثة، غير أنها راحت تشدُّ من أزره مدّعيةً بأن الأمر هيِّن، وبأنّ أي نجارٍ مبتدئ سيكون قادراً على إعادة رجله المعطوبة إلى سابق عهدها دونما مشقّة.
صباح اليوم التالي، حمله صاحبُ المنزل وسط حزن رفاقه الذين أدركوا بأنها لحظة الوداع الأخير.
"أمره هيِّن" قال النجار المتمرّس مُعدلاً قلم الرصاص فوق أذنه. "سأبدله أرجلاً جديدة. عندي له أربعُ أرجلٍ مُذهّبة!"
وسط ذهول بقية الكراسي، عاد الكرسيّ في اليوم الموالي إلى المنزل.
وقف مسـروراً في مكانه المعتاد تحت الطاولة. وبخجلٍ بائن، أطرق ينتظر سماع تهنئة رفاقه بالأرجل الجديدة البرّاقة.
غير أن نخراً ما، عقدَ ألسنتهم جميعاً.

 

 


الملهاة المقشّية

فرحت المقشة بمهنتها الجديدة حين حوّلها المزارع إلى فزاعة. فلا غبار بعد اليوم، ولا أقذار. والأهم من كل هذا، أن زوجة الفلاح ستكف عن إيقاظها في كل صباح مع صياح الديك.
هذه حياةٌ تستحق أن تُعاش! فكرت المقشة الفزاعة بابتسامة رضاً في أول أيام عملها في الحقل.
"صباح الخير" قال عصفورٌ حطَّ على ذراعها الخشبية الممدودة.
"ما الذي تفعله هنا؟ عليك أن تخشاني، فأنا الآن فزاعة!" قالت متثائبةً وقد أيقظتها زقزقة العصفور.
"نعم معكِ حق، سأخاف بعد قليل. لكنني الآن بحاجة إلى بعض القش من رأسك، فزوجتي موشكةٌ على وضع بيضها".
"حسناً، خذ ما شئت وانصـرف بسـرعة قبل أن يرانا صاحب الحقل. ولا تنس أن تُظهِر بعض الخوف بينما تغادر!" قالت وعادت إلى نومها.
صباح اليوم التالي، أيقظها عصفورٌ آخر وأخذ من رأسها بعض القش لعشِّه وانصرفَ سريعاً متظاهراً بالخوف.
لم يمضِ سوى شهر على عملها في الحقل، إلا وكانت صلعاءَ بلا قشةٍ واحدة في رأسها.
اقتلع المزارعُ عصا المقشة الجرداء من أرضه، وألقاها بعيداً، وسط حيرة العصافير على الأغصان، التي لم تكن متأكدةً إن كان يتوجب عليها الآن التظاهرُ بالحزن.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي