loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مرأة الفنجان

breakLine

 

إبراهيم سبتي - قاص عراقي

أعلن اسمه في أخطر قوائم المطلوبين ، كان يتلوى هاربا مع كل عملية دهم لمكانه أو مقره . يفلت كخيط الحرير من الماء الدافق . كل الاشياء قد سُخرت لأجل القبض عليه والاتيان به حيا ، صار حديث البيوت والشوارع ومكمن اسرار الخائفين .. خطير حد الرهبة التي يتركها في القلوب بعد كل جولة له . في ساعات الغروب الاولى ، كل الابواب توصد والشوارع تخلو والمحال تُقفل ويتحول كل شيء الى جماد لا روح فيه . في النهار تصدح الابواق وسماعات التحذير من ايوائه او التستر عليه ، انه خطير ومخيف ، قاتل محترف ولص متدرب ومحتال شرس لا مثيل له .. كانت جهود العسكر قد بانت امام الناس ،وانتشروا في كل ارجاء المدينة فسدوا الشوارع بكمائن متحركة وقفلوا الازقة بجذوع الاشجار وقطعوا كل الاوصال بين الناس . المحاذير كبيرة والظهور العلني لرجال العسكر ظل يرسل الاطمئنان الى الناس الخائفين من شر يحوم حولهم . انهم لا يعرفون من التالي في القائمة هذه الليلة او الليالي القادمة فهو لا يأتي الا في الليل وكانه شبح في ظلمة هادرة. وعندما يتصاعد الصراخ والعويل فهي رسالة الموت التي وصلت وفي الصباح يتجمع الناس ليروا ويسمعوا حكاية الخطير الذي لا يعرف الرحمة مع ضحاياه . كل ضحية تمتنع عن تلبية اوامره فهي هالكة وكل رجل يتحايل عليه في اخراج كنوزه فهو مقتول . وكل واحد لا يلبي رغباته المكبوته فهو ضحية قادمة . خطر يداهم الجميع ولم تفلح كل الخطط في الايقاع به . حتى الكلاب البوليسية متجهمة الوجه لم تعثر على ضالتها . انتشر الخبر في المدن القريبة والبعيدة ، حتى توالت تحذيرات اعلى السلطة من خطر هذا الوحش الطليق .. وصار تحذير الناس للناس واقعا يوميا وتهامسا بين كل اثنين . مرت الايام والشهور والمدينة تستباح كلما يقرر هو فيها الصولة والهجوم على البيت الذي يختاره رغم الحماية والحراسة المشددة التي تطبق يوميا ودون كلل .. ضجر الاهالي من خوفهم المستديم والخوف كغيمة سوداء سادت سماءهم . طلبت المدينة تعزيزات من مدن مجاورة فحضر الرجال بمعداتهم الحديثة وكلابهم المدربة وانتشروا في الشوارع والطرقات والازقة والمحلات والمحال والبيوت . كانت خطة جديدة طمأنت قلوب الخائفين . بعد اربع ساعات من وصول النجدة ، دوى الصريخ المهول والنياح المتعالي وبدت كأن الارض دُكت بزلزال اطاح بالبيوت وامات النفوس . تجمعوا امام البيت المفجوع ، انه ضحية جديدة رجل لا يمتلك من حطام الدنيا شيئا . هاج الناس وصرخت النسوة. قلق يسود وصمت يلف البيوت والشوارع كمقبرة لا حياة فيها سوى نعيق غربان سود . كل الافكار نضبت وتقادمت الخطط والخطير يحوم بلا رادع . صاحت امرأة من بين الحشود الهادرة ، لقد رايته  البارحة يتمشى في الشارع الطويل المحروس !
كانت كلماتها وقعت كصاعقة على الرؤوس ولكنهم سمعوها ذاهلين لم يقولوا شيئا غير انهم انسلوا بهدوء راكضين نحو بيوتهم لترتفع اصوات اقفالها من الداخل . المراة التي ظلت واقفة تقدمت من كبير الحراس وسرته بهمس :
استطيع ان ادخله في جحر الفئران !
وكيف ذلك ؟
هو بشر مثلنا وله بيت وزوجة سأذهب الى بيته واقرأ الفنجان لزوجته .
بعد اسابيع تمكن احدهم من معرفة بيته في المدينة المجاورة ، لا يأتي الا مصادفة وفي اوقات لا يمكن ان يعثر عليه احد ، انه بالغ الحذر كما قال الرجل مكتشف البيت . هرعت المرأة ومعها حراس متنكرين في الشارع ، لتدخل البيت وتخرج بعد ساعة مبتسمة .
فرح الرجال واخذوها مبتهجين الى كبير الحراس الذي استمع بكل جوارحه . لقد امالت قلب زوجته بحركة ذكية وماهرة وسريعة . قالت انها تعيش بفرح غامر في بيتها.. امرأة تخدع امرأة اخرى .. قالت لها سأجعل زوجك يقبل تراب قدميك .. قرات فنجانك ، له عشيقاته ولك مصائبك ايتها الغافلة . هات شعرة من راسه لأجعله اسيرا لك ما تبقى من عمرك ولتذهب عشيقاته الى الجحيم .. اطلق كبير الحراس ضحكة المنتصر وزالت علامات الحنق عن محياه وقرر اكمال اللعبة . عليك الاحتفاظ بهدوء اعصابك وان تجعليها كطفلة شديدة الخوف منه ايتها الماهرة انه دورك .. المدينة تنتظر منك الكثير . والاهم ان تقول زوجته كلمتها وتتصل بك .. كانت المدينة تصارع الساعات وكلما مر وقت ابتهلوا شاكرين على نجاتهم ولكنهم ظلوا يخافون الاتي .. تسعة شهور يخافون ما سياتي به ذلك الخطير المختفي كالشبح .. النار مازالت مضطرمة في قلوب الناس المرتعدين الذين باتوا لا يميزون بين قرع على الباب وبين دوي ارتطام جسد قتيل بالأرض .. كلاهما ترتجف له الاوصال ويتجمد الدم في عروق من يفكر به . عجوز خائف يشتكي الامر للحرس متوسلا ان يقبضوا عليه .
اتكأ كبير الحراس على كرسيه واستسلم الى رقدة هي اهنأ رقدة في حياته وهو يراقب العجوز الخائف المنصرف المختبئ في اعماق خوفه . لم تتصل الزوجة ولم يحدث اي امر يقلق الاهالي فيما رآى الناس رجلا يتجول في الاسواق والطرقات والازقة ، يسال عن قارئة الفنجان بوحهه المتجهم المخيف .