loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مريَّم

breakLine

 

مريَّم

لينا كنجي / كاتبة عراقية

-من أنتِ ؟
- أنا؟ 
- نعم أنت، أتذكرين اسمكِ؟ 
-نعم، اسمي مريم. 
-كم عمركِ يا مريم ؟
- ١٠ سنوات 
-أين أنتِ يا مريم ؟
-أنا جالسةٌ أمام المطعم الذي يقيمون بهِ عرس كبير، أنظر إلى المدعوين، انهم أشخاص حقاً سعداء. 
-وماذا تفعلين امام المطعم؟
- أنظر إلى الشجرة
-أيّ شجرة؟
- الشجرة التي يقف أمامها الأخوة لكل أخ ورقة لونها محدد. - ماذا يفعلون؟
- انهم يتصارعون وكل واحد منهم يقطف الورقة المختلفة عن لون ورقته ....؟ 
مستمرون بالقطف ورمي الأوراق، -ماذا تعنين ؟ 
لااا شيء ... أنظر الى سلسلة البيوت المتشابهة تلك اتراها؟ انهم يهدمون كل البيوت المختلفة حتى تبقى فقط البيوت المتشابهة .
-مريم انتِ غريبة ؟ عن ماذا تتكلمين؟
- اتكلم عن الكواليس! 
كواليس مسرحية اخفاء الوجوه، لقد رأيت جميع الوجوه بعد انتهاء المسرحية !
كيف لوجوه جميلة ان تتحول لقبيحة. 
-من انتِ يا مريم ؟
- أناااا ؟ 
-نعم أنتِ ؟
- ألم تسمع عن المياه المقدسة؟ -ماذا تعنين بالمياه المقدسة ؟ 
- أوه ! انك لا تعرف معنى المياه المقدسة ؟
- لا لا أعرف ؟ 
-انها أسطورة العصر !، المياه المقدسة إذا ارتكبت جريمة قتل أو ذنوب أو اخطأت بحق شخص ما ! ليس عليك سوى الاغتسال بالمياه وعندها ستغفر جميع ذنوبك دفعة واحدة 
-مريم انتِ غريبة ! نعم ... نعم ... المطر انها تمطر اركضي الى البيت يا مريم ؟ قبل ان تبتلي ؟ -الشارع لن يبللني ان ذهبت إلى البيت سأغرق ! 
-ماذا تعنين ؟ 
-أعني أن الرغيف المتروك جانباً في صحونكم ويرمى بعد انتهائكم من الأكل في الحاوية ! انهُ حلم اجسادنا الهزيلة!!  اتدري ؟ الجهلة يمزقون الكتب المنيرة 
-ماذا ؟؟؟ 
لا شيء ولكن لا تترك بيتك لأن بيتك الوحيد الذي سيحدد قيمتك في بقية الأماكن التي تزورها، ان تركت بيتك ستبقى غريباً حتى لو ضمتك جميع البيوت 
-مريم لن اترك بيتي. 
اتدري أحلم بأن أصبح محامية، واحب ايضاً قصص الأميرات وخصوصاً روبانزل ذات الشعر الطويل ... 
الوداع الوداع ...
وهكذا همّت مريم بالرحيل وهي تنظر ورائها.! التفت ورائي رأيت صاحب المطعم الذي يقف ورائي، سألته اتعرف مريم ؟ 
أجابني نعم يا أخي انها فتاة تزورني كل جمعة واثنين تجلس أمامي وتلقي السلام على الجميع، انها غريبة! 
كيف لفتاة في عمرها أن تتكلم هكذا وماذا تعني بكلامها الغريب ؟ مريم لقد فقدت عقلها في الآونة الأخيرة . الشارع من علّمها التكلّم! 
مريم الفتاة الفقيرة والدها مقعد وأمها ربة منزل تملك أخا وأختين، تسكن في أحد الأحياء الفقيرة بالمدينة، تضطر مريم لتساعد عائلتها في دفع إيجار البيت الذي تسكن بهِ لهذا هي تتجول في الشوارع لعل أحدهم  يشفق على حالها ويزودها ببعض المال، 
مريم فتاة ذكية لكنها غريبة يا أخي انها تتحدث عن الشجرة والمطعم والماء المقدس والبيوت  مريم ؟
نعم مريم يا أخي تحاكي الواقع في العراق تحكي عن الأعراس والأفراح التي لا تعرف عنها شيئاً وغير مرحب بها بين المدعوين .. 
أمّا الشجرة فأنها الفكرة والأوراق الملونة تقصد بها الأفكار المختلفة بين البشر انهم يتصارعون من منهم سيثبت ان فكرته هي الصحيحة وهكذا كل واحد فيهم يتصارع كي يثبت ان فكرته أصح من الآخر، متناسين ان الشجرة جميلة بأوراقها الملونة والمختلفة أفكارنا المتنوعة.  
وماذا تعني بسلسلة البيوت المتشابهة؟ وتهديم البيوت ؟
نعم انها تعني الاختلاف. 
ولدنا مختلفين، اننا نختلف في كل شي حتى في عباداتنا وتوجهاتنا الدينية والدنيوية، 
انها تقصد أن كل إنسان مختلف عنّا في الفكرة والمعتقد والعبادة يظن انه الأصح وهكذا يحاول تدمير جميع البشر المختلفين عنه ويبقى المشابهون له .
وماذا تعني انها رأت الوجوه القبيحة بعد الوجوه الجميلة ؟. انها تقصد خطايا الناس لقد رأت كم انهم مثاليين وصادقين عند ارتدائهم الاقنعة وعندما رأتهم بدون أقنعة اكتشفت قباحة خطاياهم وذنوبهم المستورة تحت الأقنعة الجميلة!. 
وأسطورة الماء المقدس ؟ 
الناس يا عزيزي يرتكبون الخطايا والذنوب والجرائم وبعدها يذهبون للتطّهر بالمياه النظيفة ويعتبرون انها ستزول خطاياهم  انهم يرون مريم متسخة الملابس ومتربة اليدين لهذا لا يردون عليها السلام ؟ مريم توضح لهم انها متسخة الشكل لكن روحها نظيفة بينما ارواحهم ورغم نظافة اشكالهم  وسخة ، في النهاية الماء قادرة على غسل قذارتك 
لكنها غير قادرة على تنظيف خطاياك وذنوبك .
 لماذا عندما تساقط المطر لم تذهب الى البيت ؟ لان ببساطة المياه تتسرب الى بيتها لهذا وجودها في الشارع لا يفرق شيئاً عن بيتها بالعكس الشارع يحميها من مياه المطر أكثر من بيتها!! وماذا تعني بالرغيف ؟
هذا الخبز الذي يرمى في القمامة انه حلم الجياع ... الجاهلون يمزقون الكتب ؟ 
تقصد المجرمين الذين يقتلون الناس لكل إنسان رواية وعند قتله تنتهي الحكاية. 
شدّدت على كلمة لا تترك بيتك لماذا ؟ 
البيت يساوي الوطن.، لا تترك وطنك البيوت الأخرى الأوطان انها تقصد حتى لو استقبلك وطن غير وطنك واعطاك جميع الحقوق الذي ترغب بها وغير متوفرة في وطنك ولكنك ستبقى غريباً برغم كل شيء .
وطنك الوحيد الذي سيحدد من أنت وقيمتك بين بقية الأوطان  .
ولماذا تحلم بأن تكون محامية؟ مريم تحلم بأن تصبح محامية لأنها تجوب الشوارع وترى كل الظلم الذي يحصل لذا تريد الدفاع عن حقوق المظلومين  ومنهم صديقها بائع المياه. 
لماذا تريد الأخذ بحق صديقها؟ ليس صديقها فقط بل بقيّة اصدقائها الذين صادفتهم في الشوارع ... صديقها ذو الـ ١٥ عاما قتل في ثورة تشرين عندما كان يطالب بحقه برغم صغر عمره الا انهُ يريد الحرية والذنب الوحيد الذي اقترفه انهُ أراد أن يعيش حياة كريمة وهكذا اخترق الرصاص جسده الصغير والهزيل لقد سقط ارضاً وسقطت معهُ حزمة المياه التي كانت بيده! كيف تعرف كل هذهِ الأشياء عنها لقد أخبرتك تأتي في الأسبوع مرتين هي من أخبرتني بكل هذهِ الأشياء وأعطتني هذهِ الورقة انها لك ولكن لا تفتحها الآن! هيا يا صديقي عليّ الرحيل لقد أسعدني الحديث معك .. 
إلى اللقاء .
مشيتُ وأنا أفتح الورقة، انها ورقة بيضاء فارغة مكتوب بظهرها حدد من أنت بنفسك.. اننا نولد مقيدين، أنت كبير لتحدد مصيرك ومن أنت واتجاهك حدد نفسك بنفسك ولا تدعمهم يقررون مصيرك .
مريم آه يا صغيرتي، أنتِ أميرة الواقع الحزين، أميرة العراق المسلوب .