loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مزرعة الذرة

breakLine

مزرعة الذرة

نورة عبيد / كاتبة تونسيّة

 

لكَ فيها ما شئتَ : بيت راحة .خلوة عشق .طحين صحيّ .دُمى حيّة ترفل في شُعُور من نور وألوان من صميم الخيال .هي حبّة الذرة إذا استوت قدّا يطاول السماء ،خضراء السّاق والأوراق ،مغلّفة سنبلتها في لحافات منسوجة نسجا حكيما ،لا يقدر فكّها إلاّ الشعر .شعر سنبلة الذرة إذا نما برز وكان فتنة العين التي ترى .ذؤابات من شعْر أسود وأصفر وأرجوانيّ وأبيض ،وعليك إذا أردت أن تلمس السنبلة أن تفشّر اللّحاف ،وكم قشّرت اللّحافات بحثا عن جسد السّنبلة البهيّ. كان النّاس يبحثون عن الحبّات الناضجة الذهبيّة .وكنت أبحث عن الحبّات الطريّة كأسنان الحليب ،إذا لامستها إصبعي ،انفرط الماء أصفر كالمنيّ .فأقضمها وعبثا أشويها وأتلذّذ بمائها الدافئ المراق على نار هادئة ،شواء وليس بشواء. كانت مزرعة الذرة بحقلنا سرّا من الاسرار .فللذرة قوانين إذا نمت واستوت سوقا تكابر وتعاند. مزرعة مربّعة ،فيها خير للإنسان والحيوان على حدّ السواء .تلك المزرعة لا تؤتى إلاّ في أطراف النّهار فانت لا تستطيع أن تطأها عند الحرّ ،حتّى لا تحرق جسدك من شدّتها وغلظتها وانسداد مجرى الهواء بين السوق .كأنّها إذا كبرت خطّ مغلق .ولأنّها خطّ مغلق يُستطاب فيها كلّ شيء. هكذا حدّثت سحر قالت .ثمّ أضافت :" مزرعة الذرة حصن الجسد .يحلو فيها العراء .فهي بيت الراحة الذي نجري لها كلّما داهمنا البراز وحتّى التبوّل .كنّا نتسرّب بين الجذوع ونلقي بالأذى الذي لفّ أمعاءنا ونغادرها في سخط .لم يكن سهلا أن نتوضّأ هناك .كأنّنا في حمّام بل في "بيت السخون" نعتصر اعتصارا من تحت ومن فوق ؛من تحت نخاف الزواحف .زمن فوق يضغط علينا الحرّ وحفيف الأوراق وتمايل السنابل ولسع خصلات الشعر البارزة... زيادة على التوضّئ بالتراب .ثمّ نحمل سراويلنا كما نحمل صرّة من جمر. مرّة داهمتني أمعائي عند المغيب .كنت أبحث عن حبّات التين "الفال" ؛حبّات التّين التي تنضج الأولى في شهر جويلية ،ويحلو لي أن أقطفها وألتهمها هناك ،وأمتصّ عسل شفتيها .وبي من طعمها ما يجعل الحياة متاحو لذيذة . ذلك المساء لم أكتف بحبّة واحدة ،فقد آثرت نفسي واكلت "حارة" أربع حبّات من التين الأسود ،وقد غارت شمس النّهار في حمرة كالشهوة .أكلتها أو قضمتها أو ابتلعتها .لا أدري بالضبط ،كلّ ما أعيه دوران أمعائي المفاجئ ... فجريت دون تردّد نحو مزرعة الذرة لألقي بالأذى الذي اخترق برودة جسدي .وأصابني بدوّار رهيب وصداع عجيب .رميت برجلين السوق الحاملة للسّنابل ،توغّلت قليلا لأجد راحتي تماما ،وأنزع سروالي تماما واتّخذ جلسة البراز الجاري الرّديء .وكأنّني سأدفع بكلّ أحشائي هناك ... لم أع كيف حصل كلّ ذلك ... وكم ساعدني التراب على دفع الرائحة الكريهة التي صاحبت تغوّطي .وكم ندمت على جشعي وأنانيّتي .فانقلبت لذّتي وليمة كرْه .والله صحيح "كلّ وكّال خرّاي وكلّ خرّاي من أهل جهنّم " قال جدّي مرّة. وأنا أواري سوءة نهمي ،تناهى إلى مسمعي همس كحديث الغروب وضحكات كطلقة الفجر وصمت كنعي الرّحيل .لبست سروالي الدّاخليّ الأغبر ،ثمّ سوّيت سقوط فستاني الصّيفيّ .وسبق سمعي خطواتي بحثا عن مصدر الإغراء . كنت كلّما لامست ساقا من سوق مزرعة الذرة ،تناثرت شعْرة وشعرات من السّنابل التي كانت نصف ناضجة ،نصفها أخضر ونصفها جافّ كالحياة .فتلسع لحمي المكشوف ،وتضغط على خوفي من مصدر ما أنا باحثة عنه .تقدّمت كثيرا حتّى قطر المزرعة والمزرعة مزرعتنا ،وأنا أحفظها حفظا سواقيها ومجاري الماء فيها .هناك عند مركزها حلقة كالسّرير بسطت على تراب مجصّص مبرّد ،اقتلعت منها أكثر من خمس سوق من هذه النبتة بشكل دائريّ .وقطفت السّنابل قطفا وكُشِف عن جسدها الرقراق كزيت منسكب على زيتون أخضر وأسود .فحلا الانزلاق والتزلّق .لحافاتها ملقاة على الأعواد التي كانت تحملها شعورها متناثرة خصلات وشعرات منفصلة .كانت شقراء وحمراء وسوداء .ألّفت في تداخلها خلطة ألوان بين بداوة وحضارة وطراوة الرسم بمباهج الخالق والمخلوق على حدّ السواء.نسيت اللّسع الذي لحقني ،نسيت تعب التّغوّط ،نسيت التّين الأسود وشهوته ،نسيت المغيب .وتسمّرت على بعد مترين أراقب ما صنع بي القدر. أبي وجارتنا ،في حياء يتدفعان بسخاء نحو الأهأهة والأيأتة ...أه أي ... كانت تركبه ،وكان على التّراب ظهره ،كان يحمل نهديها بين يديه ويعتصر حلمتيها ؛مرّة الحلمة اليسرى وقبلة على الاذن الشماليّة .ومرّة الحلمة الأخرى ،وغرق في قبلة الشفتين الأبديّة .وكانت إذا حدث ذلك تلتصق به أكثر فيدفعها إلى أعلى وينزلها وأسمعه يقول لها " حتّى إنتِ تنيكي" .فتردّدها ضاحكة .فتزداد أرجحة على حوضه الذكوريّ اللّعين . نسيت في لحظة انّه أبي .وجرى خاطري إلى ذلك الاحتفال في قلب مزرعة الذرة بين الأرض والسّماء. يقتات أبي من جسد جارتنا الحسناء .وتقتات هي من فحولته التي بدأتُ أسمع عنها دون حياء. لم ترفّ جفوني ،ولم تهدأ عيناي تطرفا .نسيت الوقت ،وتذكّرته ،فلعلّ أمّي افتقدتني . ولّيت بظهري المشهد .فأحدثت "خروشة" بين السّوق النّديّة كالخيبة أو كعرق العسر وانقطاع الرّجاء. فانتبه المحترقان .لم ألتفت ،بل جريت وتراميت في المزرعة ،أتساقط بين منابتها ،فأتعثّر بها ،واحدث جلبة الهارب .
ما سمعته كان كالسقوط ،الأكيد أنّ جسدها رفع عن جسد أبي ،ثمّ سكون كسكون الغروب تماما ،كدخول اللّيل في النّهار. حين خرجت من قلب المزرعة ،أحدثت طريقا واضحا ؛فيه السّنابل وما يحملها متساقط بعضها على بعض .طريق الرّيبة والخيبة نسجت قدماي ... واصلت الدّرب إلى بيتنا المسيّج بالورد والياسمين ،ورائحة البراز تلاحقني." وللذرة إخوة أسماء ؛المستورة والمحجوبة.

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي