loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مشاهد سورية

breakLine

 

مشاهد سورية

عشتار صبح/ كاتبة من سوريا


مشاهدٌ تتكرر على مرأى من الجميع كل يوم ، لكنها لا تحدث فرقاً ..
عجوز سبعيني يحملُ وصفة طبية -راشيتا- يتّكئ على باب إحدى الصيدليات و يمسحُ عن خدّه أثرَ الذلّ و الفقر و الحاجة .. " يا رب " كفيلة أن تزوّد عظام المسكين بقوة تكفي ليعود لمنزله ، عظامه التي قصفها ارتفاع أسعار الدواء و نخرت بها قلة الحيلة و الحاجة ، و العمرُ الذي يمضي ثقيلاً يدهس أرواح الضعفاء ..
امرأة ثلاثينية تضع أطناناً من المواد التجميلية ، تطقطق اللبان بطريقة ملفتة مثيرة للاشمئزاز ترفقها بضحكةٍ مصطنعة و تخبر صديقتها أن تكلفة عملية " النفخ " غَلَتْ كثيراً " بكلفوني خدودي ميتين و خمسين ألف و هي معي حسم " و على الرصيف ذاته ، طفلان ممن نلقبهما ب " النّور" ، أخ و أخته يأكلان خبزاً يابساً ، و ينفخون رئتيهم بهواءٍ معبّأ بدخان السيارات و روائح المارة و عفن " الطّراحة" التي يفترشونها ..
فتاةٌ تلبسُ كمامة ، تخبّئ معظم ملامحها لم يكن من الواضح شكلُ وجهها لكنّ عينيها كانتا واضحتين ، كانتا منتفختين تحتقنان و تمتلئان بالدموع ، ارتدت نظارتها الشمسية ، لكنّ انفجاراً ما قد حدث و بدأ البلل يخترق الكمامة و يرسم بقعاً عليها ، عندما صرخ الشاب الذي كان برفقتها وسط الشارع بين الناس " معي مافي نقاش هيك بيّك ربّاكي ؟ قليلة ترباية " ..
طفلٌ في الثامنة أو ما قاربها ، يحملُ بيدهِ " عروسة زعتر " ، يمسحُ بيده الثانية مخاطاً يسيل على فمه ، يلحقُ بأمه التي تمشي مسرعةً بين الجموع تقف عند محلات المواد الغذائية ، تسأل عن أسعار الزيت و السّكر ثم تمضي دون أن تشتري و تصرخ بابنها " خفّ إجرك أمي هلق بيرجع بيك من الشغل و اسا ما طبخت و الرب أبعرف شو بدي أطبخ الله يساعدني بس " ..
أطفالٌ و نساءٌ و بعض الرجال العجزة ينتظرون أمام مراكز توزيع الخُبز ، الأطفال يتدافعون ، و النساء يفتحن أحاديث المونة و الغلاء ، و إحداهنّ تراقبُ طفلتها التي تلعب مع أحد الصبية الذين ينتظرون دورهم أيضاً ثم تصرخ بها " ولي نور و لله لالعن أبوكي ليش خليتي يشدك بشعرك ، انقبري تعي لهون ولاد كلب " و قد كان ينفضُ عن شعرها ورقة سقطت من شجرة الإكدينيا التي يقفون تحتها ..
بائعُ أزهارٍ يبيع شتلات ورود من أنواع مختلفة ، " عمّ يعطيك العافية ، قدّيش سعر القرنفل ؟ "
" و الله يا بنتي غالي ، بألفين و خمسمية الشتلة "
" أوف أوف "
" شو بدنا نعمل لك عمّو يا حرام على مصارينا و على بلدنا شو صار فينا ؛ الله يهوّنها و لله الله يجيرنا "
من بعيد يركضُ فتىً متعرّق باتجاه صاحب البسطة و يقول " أبي أبي دوا الضغط لأمي مقطوع ئال الصيدلي بأمنلك ياه بس غالي شو بئلو ؟ " ..
مراهقين يقلّدون الرجال ، في المشية و التصرفات و الأحاديث ..
صبيّان كانا خلفي في مقعد السرفيس ،
" قلتلا بعتيلي صورتك قال حزير شو قالتلي "
" شو "
" قال بس بتمحيها دغري أي و وعدني ما تورجيها لحدا اذا بتحبني من كل عقلا هالغبية مفكرة بدي حب وحدة متلا كل ما شب قلها هاتي بتبعتلو صورتا ههه "
" أي هات ورجيني ياها ، و الله شقفة "
" ولك اتأخرنا عأستاذ الفيزيا ولا "
" دخيلك لو شهادة مهيك اساتك خادي عشر و قيبضها جد ، عمهلك معلم ، انقبر انزل " ..
أمام المؤسسة الإستهلاكية ، حشود بالعشرات ينتظرون أدوراهم لشراء السكر و الأرز و المواد الغذائية بأسعار منافسة لأسعار تجار الأزمات ، شبّان و رجال و سيّدات ، و بين الجموع رجل عجوز ، نحيلٌ منهك ، أحرقت الشمسُ جبينه و العرقُ يتصبب من وجهه و عينيه ، يدور بين المجتمعين و يسألهم عن شيء ما ضائع ، وصل عند العسكري الذي يصرخ بالحشد جمعاً و يوبّخهم بألفاظ نابية للالتزام بالدور و تقليل الضوضاء
" يا عمي الله يرضى عليك اسألي عن العقال إذا حدا شافو و القرآن أفيني بجيب بدالو "
" لك حل عن ط..نا ! ماعندي غيرك عمي الله معك ، يا أخي انقبروا وقفوا بالدور لا تعملولي مشاكل الله يرضى عليكن "
و ينصرفُ العجوز بين الحشد مرة ثانية يسألُ عنه ، ثم يبتعدُ و هو يضرب جبينه و يمسح عرقه بكفه ، صار مواجهاً لي و تبيّن أنّ ما كان يسيل على خده دمعاً و ليس عرقاً ..
مواقف تختبر إنسانيتنا كل يوم ، لكننا اعتدنا كل شيء من حولنا ، من فرط اعتيادنا على ما يمس إنسانيتنا ، لم نعد نتأثر ، أو نحدث فرقاً !

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي