loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مقصدُ الساقية

breakLine

 

مقصدُ الساقية

سمية علي رهيف / كاتبة عراقية

 

تقف شامخة في منطقة محايدة، لا تقطع طريقاً على عابر، ولا سبيلاً على مستطرق. تؤدي أكثر من دور في آنٍ واحد، يُعلّق عليها في الليل مصباح إنارةٍ كبير، يضيء من جانب حقل الحنطة كاملاً لمن يعمل في سقيه، ويُلقي بشيء من ضيائهِ لمن يسير على الشارع في الجانب الآخر. يُمسك وسطها بإصرار، خيوط وأقمشة خضراء، ربطوها عليها بعض من شُغِلت عقولهم بأمر لا خلاص منه، ووثبت على قلوبهم آلاماً، ظنوا أن لا فكاك منها.
إنها الناجية، كما يسميها صاحبها الذي سقاها ماء الروح قبل زمن، وتابعها وهي ترفع هامتها بجلاءٍ صوب السماء، ثم تسلّقها فجنى منها، وأطعم منها الأهل والخلان.
ذات قرار، تقدمت الجرافات غير آبهةٍ بشمس آبٍ اللهاب، يطالعها فريقٌ من القوم بقلوبٍ ضاقت بها الحسرة، ووجوهٍ علاها التجهم صريحاً لا يقبل أي تفسير آخر. وهم يرون طائفة من نخيلهم العزيزة، تُجرف ليحلّ محلها شارع معبّد. في حين وقف الفريق الآخر وسط ضجيج الآلات، يتبادلون نظرات الإنتصار، راسماً كل منهم في ذهنه صورة مزدهرة عن حاله، وهو يقود عجلته بسلاسة ونعومة على الشارع الممهّد.
وما أن شقّ الشارع طريقه حتى انضم الفريق الأول للآخر، وهم يقطعونه بعجلاتهم على اختلاف أنواعها، بوجوه تشقها الإبتسامة، ويزهر منها الرضا. والناجيةُ تنتصب منتحيةً الطريق بصمتٍ مهيب.
وما هي إلا أشهر حتى راحت ألفاظ اللعنات تنهال بسيولة رهيبة، من أفواه كل من يعبر الشارع بعجلته، في محاولة منهم للقذف بشيء من سعير قلوبهم على من عبّدوا الشارع. وتبعثرت وتكسّرت أمانيهم عن السلاسة والنعومة في القيادة، بعد سبعة أشهر فقط من عمر الشارع، الذي هَرِم بسرعة غير متوقعة، ودخل قائمة غير الصالح للأستخدام، بعد أن حُفِرَ وجههُ بحفرٍ صغيرة عند الناظر إليها، بغيضة عند السائر عليها. وآب الفريقان الى خانة الفريق الأول، بعد أن أصبحت قلوبهم تفور من القهر كلما طالعوا الناجية الوحيدة، وتذكروا أخواتها المجروفات.
مات ساقي الناجية، وخلفته زوجته في السقي. وذات موسم أعلن ولدها قراراً غير قابل للجدال، أن لا مقام لهم في هذه الأرض. وفي اللحظة التي ذوت بها آمال الساقية وتكسّرت السبل في إقناع ولدها في العدول عن رأيهِ، سحبت العجوز قدميها على الأرض بصعوبة حتى وصلت الى النخلة، وأماطت عن رأسها (شيلتها السوداء) وطوقت جذع النخلة به. لتعود أدراجها مكتفيةً بعصابة سوداء هي الأخرى، عصبت بها رأسها وغطت شعرها القصير الأشيب.
للعجوز مقصد وللناس مقاصد أُخر. هي ودعت آخر إرثٍ من زوجها، بشيءٍ من عطرها الذي أحب. والناس أنتهجوا الطريقة من بعدها، وراحوا يشدون أسمالهم وخرقهم العزيزة، ظناً من الظانين أن الناجية قد تنجيهم من همهم. وهذا هو ديدنهم الأزلي في توارث المقاصد.

 

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي