loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

مكاسب

breakLine

مكاسب


محمد فيض خالد/ كاتب مصري

ظلّ مجيئها القرية لسنواتٍ مصدر بهجةٍ واسعاد لأهلها ، تشُبه تماما تلك التي يستقبل بها الناس هلال رمضان ، أو أيام الأعيادِ والمواسم.
يتفشى أثره بين الرِّجال شِيبا وشبانا ، حين تعمّ سيرتها مجالسهم ، أو تفيض بها أسمارهم ، حديثا عذبا لا يملّ، وعبارة واحدة تتردد على ألسنةِ الجميع : هي جايه امتى ..؟!
تتغيّر طبِاع العجائز ممن انقطع روابط الحميمية ، ووشائج الوصل بينهم و صنوف النساء ، يستغرق الواحد في فكرٍ عميق ، وهو يبرم لفِافة الدخان، أو يسحب أنفاس الجوزة ، يعيد على الأسماع ويستذكر تفاصيل دقيقة ، لِما جرى في المرةِ الأخيرة ، تتلاحق تنهداته الحارة ، وهو يقول : دي كانت فشر الحية يا جدع.. تتلوى زي السمكة ، مفهاش عضمه واحدة .
يجيبه صاحبه ، وهو يُكابد الشّوق : تقلش حوريه من الجنة ..
"مكاسب" ، أشهر من وطأ الزِّمام بقدمهِ من نجومِ الغناءِ والرّقص ، اسمها كفيلٌ أن يطيّر العقول ، ويُذِّهب بالقلوب ِ، أن يُسعد ويسقي ، فاتنة الليالي الملاح وساحرتها، ومعشوقة القلوب وأثيرتها.
ها هو موسم الحَصاد على الأبوابِ، تعوّدت القرية منُذ أزمنةٍ إقامة أعراسها في أعقابهِ ، حين تعمّ البركة كُلّ بيتٍ، ويفيض الخير ، فلا اوجب على أبناء الشّقاء؛ من اجتماع شمل قلوب الأحبة ، واكتمال الفرحة التي انتظروها حولا.
يلف خبر مجيئها البيوت بأكملها ، يتناقله _ حتى _ النسوة أمام الأفرانِ، أو فوق الأسطح ، أو أمام الأعتابِِ في جلساتِ المساء ، اعتقدوا أن من تحيي عرسها " مكاسب" فألها حسن .
أمّا عن الرِّجالِ فيُذاع مقدمها في الحقولِ ، وفي أجواءِ السّمر ، يسترجع كُلّ صاحب ذكرى ، أياما حلوة مضت ، وأياما أحلى على الأبوابِ.
حُدّد موعد الليلة الكبيرة بعد أسبوعٍ بالتمّامِ، تتسابق الأيدي في تجهيزِ المكان وتهيئته بالشكلِ المطلوب ، ففريق يتولى تسوية الأرض يكنسها بشماريخِ النّخيلِ واغراقها (بجرادل) الماء ليل نهار ، وآخر تولى تجهيز ( الكلوبات) ولمبات الجاز نمرة عشرة، والتأكّد من تعميرها بالوقودِ ، وتخيّر أماكن تثبت فيها حول المكانِ ، وفريقٌ ثالث مهمته جمع ( الدكك) والحُصر وتوزيعها بانتظامٍ ، ورابع مسؤوليته إعداد ( براريد) الشاي ، وضبط الجوز ولوازم الكيف والمزاج ، في الغالبِ ما تكون هذه الخِدمة السوبر ، من نصيبِ الأغرابِ من ضيوف القرية ، يسميها أهل الرِّيف التحية .
وقُبيل مساءِ الليلةِ الموعودة ، يعود الناس من حقولهم وتتعطّل أشغالهم، يُبالغ الرِّجال في إصلاح هندامهم، والتأكّد من نظافتهم، أمّا النساء فيتخذون مُبكرا أماكنهن فوق أسطحِ البيوت القريبة .
لحظات ويهلّ موكب "مكاسب " في ثلاثِ سياراتٍ ، واحدة تُقل النّجمة وزوجها ، وثانية لأعضاء الفرقة من الألاتية، والأخيرة رُصّت فيها أدوات المعازف وعدة الشغل.
يرابط بعض نفرٍ عند مداخلِ القرية ، وما إن يلمحوا موكبها قادمٌ على الجسرِ التُّرابي ، حينها ينطلق الصَّفير ، دلالة على مقدمها السعيد ، يضطرب المكان ويموج الناس . يتشبث كل رجلٍ بمكانهِ الذي تخيّره من العصريةِ، لا يتزحزح عنه؛ حتى ولو قدّم حياته ثمنا له.
يشق موكبها دروب القرية في مشهدٍ يُشبه مواكب النصر قديما، تتبعه جموع المعجبين من الصّغارِ والكبارِ ، الذين تعلّقوا بمؤخرةِ العربة، وهناك تُفتح الأبواب للسّتِ ، فما إن تُلامس أقدامها أرض المكان ؛ حتي يشتعل بالهتافِ الحار ، في نفسٍ واحد : مكاسب .. مكاسب .. مكاسب .
تُحييّ النّجمة جمهورها المُلتف من حولها بإشارةٍ بسيطة ، وهي تلُوحُ بمنديلها الوردي ، بعد أن اسكرتهم بعطرها الفوّاح الذي غيبّ عقول الشباب ، وجسدها الأبيض البضّ الذي أذهب بوقارِ الشيوخِ ، يتحرك الجميع إيذانا ببدءِ الحفل الساهر .
في المرةِ السّابقة لم تكن "مكاسب " قد ارتبطت بزوجٍ يعيق حركتها ، ويحدّ من حريتها ، أو يحجبها عن عُشّاقها، أمّا الآن وبعد أن تزوّجت بعبدالباقي ، وهو شابٌ من أبناءِ وجهاء الزمام ، رآها مرة فتعلق بها من أولِ نظرةٍ، عرض عليها الزواج ، وافقت شريطة أن تظلّ في مهنتها ، غير أنّه ومنذ زواجهما ، لم يُفارقها غمضة عينٍ، يجلس على كرسيهِ بجوارِ ِ العازفين في كاملِ أُبهته ، كثيرا ما تسببّ لها في مضايقات ٍ ، فهو شرس الطِّباع عدواني المزاج ، لاتروق له عبارات الاعجاب التي يطلقها الجمهور ، يُقابل بحزمٍ وصرامة كُلّ من تُسول له نفسه الاقتراب من الحسّناءِ ، حتى لو اضطر لضربهِ إن لم يردعه الكلام.
ولولا شهرتها ورصيد الحب لدى الناس ، لانفضوا من حولها ، "فمكاسب " معروفة عندهم منذ أن كانت صغيرة تجوب الأفراح مع والدتها الأسطا " سماسم" .
تبدأ الفرقة عزفها، غالبا ما تغني في الميكروفون ، يحضر قبلها بأيامٍ الفني الموكل بأمرهِ، ومنه يُذاع على الملأ خبر وصولها ، الذي يكفي لخلو الدور من ساكنيها.
رزقها الله قواما ممشوقا فتيا ، وجسدا سمهريا غضا يتلوى ، فتتلوى معه أعناق الرجال ، تتحرك بأريحيةٍ بين (الدكك )الممتلئة بالمتفرجين ، فتجرّهم بجمالها الصّاخب لعوالم ومجراتٍ من الانبساطِ والنّشوة ، تتعلق القلوب بها قبل العيونِ ، التي عشقت الجمال وقدّرته حق قدره ، فتنت الرجال بميوعتها التي لم تتوافر في مجتمعهم النسوي المحافظ ، فصارت معشوقة أحلامهم ومهوى أنفسهم ، أمّا هي فقد كانت ( ابنة كار) تعرف جيدا مواطن الضّعف في النفوس ِ ، فتحتال على ارواءِ عطشها بسهولةٍ ، فلا مانع لديها من ابتسامةٍ خليعة، أو غمرة عينٍ جريئة صريحة، أو قبلة في الهواءِ تُرسلها أحيانا ، عندها يجنّ جنون الناس ، فيعتلي الرجال ( الدكك) المنصوبة ، وتبدأ وصلات الصّياح والقفز في الهواء ، يظن عندها كُلّ مُحبٍّ ولهان، أنّ ما ألقت خصته بهِ دون الخَلقِ جميعا ، وعلى فتراتٍ تتقاطر عبارات الاعجاب المألوفة: ابيع عمري يا مكاسب .. يا جمال سيدنا النبي نظرة .
هذه الجمل كفيلة بأن تشعل الحماس في صُدورِ المعجبين أكثر فأكثر ، وتكسر حاجز الرهبة والصّمت فيهم، فتنهال عندها ( النقطة) والتي اعدّها محبيها قبل الحفلِ بأسابيع ؛ كي تقربهم من حظيتهم ولو بضع خطواتٍ ، تجول أعينها القاتلة أرجاء المكان ، وهي تُردد اسماءهم في تعنّج وأنوثةٍ طاغية تتفجّر من كل عضوٍ منها ، وتلك مصيدة سهلة؛ كي تفرغ جيوبهم التي اكتنزت بأثمانِ محاصيلهم التي باعوها ، ليعودوا صِفر اليدين.
أحيانا تثُير أفعالها تلك ؛ حفيظة النساء اللاتي اعتلين الأسطحَ، وخاصة عندما يلحّ أحدهم في الرقص بجانبها على وقع الأنغامِ ، وإن كان لهذا الطلب ثمنه الباهظ ، يحزم صاحبنا وسطه بملفحتهِ ويشرع في التمايلِ ، وهي تغني بميوعةٍ أغنيتها المفضلة: ياما القمر ع الباب .. نور قناديله .. ياما أرد الباب ولا أناديله..
يجيبها الجميع في هياجٍ وبصوت واحد : " يما".
عندها يقترب الراقص منها متلويا ، تندفع نحوه تُبادله الهزّ ، على ما يبدو أن بينهما سابق معرفةٍ، يتصايح الجمهور الذي افترش المكان ، وعيونهم معلقة بالحظي السعيد ، الذي ابتسم له طالعه ، تعلو الضحكات ، ويتناثر الهمز واللّمز : يا ابن المحظوظة.. شف الواد عامل زي الحنش .. طول عمره ابن حظ.
يستفزها رقصه فتمسك بالميكروفون ، وتردد بصوتٍ رقيق اسمه ، تقترب منه فتسكب عليهِ من نظراتها المميتة ، يتلقى صاحبنا سهامها ، ثم يغرق في لجتها التي لا يفيق منها ولا ينجو ، فعينيها الواسعتين اللاتي فاضَ الكحل من رموشهما فحولهما لظلمةٍ كظلمةِ الليل ، وشفتيها اسكبت حمرتهما خمرا اسكر العقول ، ونارا اشعلت العقول ، وشعرها الطويل الفاحم الذي اسدل من فوقِ ظهرها كذيلِ الحصان ، تداعب خصلاته الهواء ( كرابيج )تلُهب القلوب .
في أحيانٍ ما تستولي النشوة على البعض ، فيتجرأ متجاوزا حدود المسموح في أعراسِ الرِّيف ، بأن يهمس في أذنها ويسر إليها بما يضحكها، عندها تأكل الغيرة قلوب حُسّاده ، ليقولوا في عفويةٍ : قالها إيه المزغود دا ..؟
أو يتجرأ أحدهم فيحاول لفّ ذراعيهِ من حول خصرها اللّين ، فلا يمنعه إلا توبيخ الكبار : يا قليل الخشا ارجع عن دول والزم الأدب ..
يرجّ زئير النساء ساعتئذٍ الأسطح ، تقول أكثرهن جرأة : ضربه في قلبها .. هي الحية قالعة برقع الحيا السبب .
وعلى فتراتٍ تأخذ البعض الحمية ، فيشقّ الصفوف يمسح فوق شاربه ، يعدل شاله على كتفهِ ويظبط ياقة جِلبابهِ ، وهو ممسك بين يديهِ ( النقطة ) عسى أن يُصيبه ما أصاب غيره من اهتمام "مكاسب ".
أمّا الصغار فلا أحد يكترث بوجودهم ، تراهم مندسين تحت الدِّكك ، وبين الأرجلِ، مفترشين الأرض َ لا تعنيهم "مكاسب "وجمالها في شيء ، فقد شغلتهم عنها آلات العزف وأصحابها.
تدخل ساعات الليل الأخيرة ، عندها يتوجّب على نجمةِ الحفل ؛ أن تُنهي وصلتها ، تبُارك للعروسينِ ، وتتمنى لهما حياةً سعيدة، ولمن لم يُحاَلفه الحظ من الحضورِ ؛ أن يرزقه الله بعروسٍ.. يردد الشباب بصوتٍ واحد :.. يارب .. بس تكوني معانا .

...........................

...........................

الاخبار الثقافية والاجتماعية والفنية والقصائد والصور والفيديوهات وغير ذلك من فنون يرجى زيارة موقع نخيل عراقي عبر الرابط التالي :-

www.iraqpalm.com

او تحميل تطبيق نخيل

للأندرويد على الرابط التالي 

حمل التطبيق من هنا

لاجهزة الايفون

حمل التطبيق من هنا

او تابعونا على مواقع التواصل الاجتماعي 

فيس بوك نخيل عراقي

انستغرام نخيل عراقي