loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

من رواية ((حمار وثلاث جمهوريات))

breakLine

 

من رواية ((حمار وثلاث جمهوريات))
شهادة رقم 1 زريبة أبي عبدو

 

كريم كطافة  - كاتب عراقي

 

قال الحمار:
- كنت يا أصدقائي أنتسب إلى زريبة "أبو عبدو"..
قالها بطريقة لم تدعنا نسأل: من هو "أبو عبدو" وفي أي جمهورية من تلك الجمهوريات المتحادة والمتخاصمة. أوحت طريقة القول، أن "أبا عبدو" هو جمهورية رابعة مستقلة، معرف بذاته، لا يحتاج إضافته إلى أي من الجمهوريات الثلاث.
واصل الحمار:
- هناك حيث مسقط رأسي ومرتع يفاعتي. كنت أمارس العمل إياه، عمل الحمير، ربما بحماس زاد قليلاً عن حماس أقراني. كانوا ينقلون على ظهري أكياس الحنطة والشعير والعدس في مواسم الحصاد، ومن ثم أكياس الطحين بعد أن يتم طحنها في مطاحنهم البعيدة عن القرية. لحماستي وحساسيتي في مراعاة حاجتهم لي في وقت الحصاد، كنت لا أحتاج إلى من يدلني كيف وماذا أعمل وأعرف طريقي من الحقل إلى المخزن وبالعكس. كنت قد تعديت سني جحوشيتي أو ما تدعونه عندكم بالمراهقة ودخلت مرحلة حمار قوي وموفور الصحة. أظل طوال اليوم رائحاً غادياً، متقوتاً على الكثير من الحبوب الطازجة المخلوطة بسنابل جافة وقشور. أنه موسم الحصاد، مثلما هو لهم مناسبة استثنائية، كذلك هو لي. أحصل فيه على أفضل ما اشتهيه من غذاء غير مقنن وطازج، الأمر الذي يندر حصوله في باقي المواسم، إذ نضطر للتقوت على ما تناسته مناجل الحاصدين، ومن ثم على فضلات المزابل.
من تجربتي، عرفت أن سلوك البشر في تلك المواسم ،تنتابه الكثير من التغييرات الجدية على الأمزجة وردود الأفعال. تراهم رغم الكد والتعب والإنهاك ولهيب الشمس، يتواصلون مع بعضهم بطوية المسامحة والود والاستبشار، حتى ينسحب هذا على تعاملهم معنا نحن معشر الحمير. تجدهم مثلاً يتسابقون من أجل سقايتي، حتى أن أحدهم يذكر الآخر: لا تنس الحمار! أسقه جيداً.. دعه يستر علينا. مع أني لا أحتاج إلى من يدلني على طريق الساقية، أستطيع العروج عليها بنفسي في رواحي أو مجيئي.
ما أن ينتهي الموسم ويعودون إلى بيوتهم وشئونهم حتى ينسونني. ولأني من الطلقاء، كانوا لا يربطونني. كنا مجاميع من الحمير أطلقنا على أنفسنا مسمى الطلقاء، لنميز أنفسنا عن أولئك الربطاء في الزرائب. كان الربطاء يحسدون الطلقاء، وهذا أمر طبيعي، لكنه، على أية حال، حسد حميري لا يصل إلى مستوى وخطورة الحسد البشري. جل ما يتمناه الحمار المربوط الحاسد، أن يكون كأخيه الحمار الطليق المحسود، لا اكثر ولا أقل.
كنت كسائر الطلقاء أتمتع بحريتي. أخرج من الزريبة وأعود إليها بأوقات وأحوال أنا أقررها. ورثت من صباي حين كنت جحشاً، عادة هجر القرية والتيه في البراري القريبة والبعيدة، لأيام تطول أحياناً. استمتع بحريتي هناك، أصفن وقت ما أشاء دون منغصات. لا أعود إلا بعد أن أكون قد ارتويت وشبعت مما تجود به الأرض، في البراري، من أعشاب ونباتات تكون مشبعة بتلك الرائحة البليلة، رائحة الأرض التي نعشقها نحن معشر الحمير. وأكون كذلك قد ارتويت في براري الأتان (إناثنا) المبعدات هناك. أمارس بولع وشغف ودون منغصات مؤانثة الأتان من فصيلتي - المؤانثة اصطلاح حميري يعني الدخول في الأنثى. اقره مجلس شورتنا، باعتباره أدق توصيلاً للمعنى من المترادفات الأخرى التي تشعر البشر بشيء من الخجل والتحرج إذ يذكرونها، رغم أنهم يمارسونها يومياً، ناهيك عن ما ستسببه من عراقيل رقابية، بوجه من يحاول مساعدتنا من الناشرين- هناك في البراري البعيدة لم تكن تنقصني الأتان. لأن كل أتان القرى والمدن تم إبعادها إلى البراري، لتعيش حياتها بمعزل عن الذكور.
حسب ذاكرة كبار الحمير؛ أن تلك كانت عادة مستحدثة، لم تكن في القديم البعيد. بل حدثت في قديم قريب. كانت لها حسب تقديرهم أسباباً كثيرة، منها ما يخص الحمير ذاتها، كونها تمارس المؤانثة وإشباع حاجتها لبعضها بطريقة طبيعية، تلقائية، شفافة، لا يتجرأ البشر على فعلها بذات العلانية والشفافية. الأمر الذي كان يتسبب بإثارات تتفاوت حدتها بين من يكون مراهقاً أو مراهقة وبين من يكون قد تعرف على ذلك الشيء ومارسه بشكل من الأشكال. يعتقد كبارنا، أن البشر في دواخلهم كانوا يحسدوننا على طريقتنا الطبيعية والبسيطة، في حل تلك المشكلة العويصة عندهم، لكن يبقى الكبر والغرور البشري، ينأى بهم بعيدا عن فضيلة التعلم من بعضهم ما بالك بالتعلم ممن يعتبرونه أوطأ منزلة منهم. لذلك، وبدلاً من التعلم منا، أخذوا يعاملوننا بعدوانية وحسد شريرين. وكانت هناك ثمة أسباب أخرى بشرية، حقيقة، لا أعرف ولا الكبار من فصيلتنا عرفوا كنهها، ظلت على شكل طلاسم وعلامات استفهام تصرخ باحثة عن أجوبة. ماذا حل بالبشر ولماذا ذلك الفصل القسري بين ذكور الحمير وإناثها ولماذا ربطوا الذكور في الزرائب..؟ وغيرها الكثير من الأسئلة التي ظلت بلا أجوبة. لنقل بلا فهم من جانب الحمير. لكن بعض الكبار منا، سمعوا في حينها من بين البشر، من أطلق على عمليات نفي الإناث وربط الذكور تلك، مسمى (إصلاح حال الأمة)..!! لكن، أحد من أسلافنا الكبار، لم يفهم ما علاقتنا نحن بحال الأمة. ظلت روايات الأسلاف تتناقلها الحمير شفاهاً من حمار إلى آخر. لقد لاحظوا وقتها؛ أن البشر وقبل أن يبدءوا بالحمير قد بدءوا بأنفسهم. عزلوا نساءهم عن رجالهم، في غضون شهور قليلة، لم يعد أحد من الحمير السائبة يشاهد نساءً في شوارع القرى والمدن وأسواقها. كل من يسير في الشوارع على قائمتين كانوا من الذكور. رغم أن الواحد منا كان يستطيع أن يلمح أحياناً، كائنات غريبة تسير كذلك على قائمتين، لكنها ملفوفة بالكثير من القماش الذي يستخدمه البشر، كائنات مذعورة وعلى عجلة من أمرها وهي على العموم بلا ملامح..!! لا ندري إن كانت تلك الكائنات الغريبة هن النساء، أم هي كائنات أخرى لا نعرفها هبطت أو وصلت إلى القرية لتحل محل نساءهم.
إلى هذا الحد كانت المشكلة مشكلتهم، لا دخل لنا فيها. لكن مشكلتنا الأزلية كانت وما زالت مع البشر، هي دأبهم على إدخالنا ضمن مشاريعهم وقناعاتهم البشرية، ليجعلوننا رغماً عنا نتشبه بهم. هذه من المفارقات البشرية الكثيرة. نحن مثلاً، لا نحاول أن نقسرهم على التشبه بنا، رغم معرفتنا أنهم لا يتوانون عن تقمص سلوكنا والتشبه به، وحتى منهم من لا يكتفي بقضاء حاجاته المعروفة على ظهورنا، بل يلج حتى تلك الحاجات التي لا تصلح لها سوى نسائهم.
من جانبنا، كما قلت، لم نشغل رؤوسنا ولا حتى مؤخراتنا بما يفعلون أو لا يفعلون، ليفعلوا بأنفسهم ما يشاءون. إنما سياسة الفصل تلك وقد شملتنا، جعلت حياتنا الحيوانية ينتابها الكثير من التشوش والارتباك، بل والكثير من الحمرنة في غير محلها. معروف، أن التحمرن في عرفنا لا يكون إلا لأسباب وجيهة، تستدعي وضع الأمور في نصابها، ومعها وضع حدود لسلوك البشر معنا. بعد ذلك الفصل القسري، غدا التحمرن هو السائد بسبب أو بدونه، صرنا نتحمرن ليس عليهم فقط، بل على بعضنا كذلك. كثرت المناوشات بيننا وبدأت بعض العداوات تلوث النفوس، على الأخص نفوس الربطاء منا. أعترف أن مأساة الربطاء منا كانت هي الأعوص والأكثر إيلاماً ومدعاة للتعاطف معهم، لأن هؤلاء فوق ربطهم وحجز حريتهم، كانت تُمارس معهم ممارسات من قبل الصبية وحتى الرجال البالغين، لا يمكن لحمار يحترم نفسه أن يسكت عليها طويلاً. رغم أنها على العموم لم تكن استثنائية ووليدة سياسة الفصل الجديدة، كانت فيما مضى كذلك تُمارس، إنما بحدود يستطيع الحمار بطول أناته وسعة صدره التغاضي عنها. لذلك كله كنا نحن الطلقاء نتسامح كثيراً مع حمرنة أحد المربوطين، ماذا بوسعه أن يفعل إذا لم يجد أمامه من يتحمرن عليه غير شبيهه الطليق..؟ كنا نفوت لهم الكثير مما نراه غير لائق بسلوك الحمير مع بعضها.  
يقول الكبار أن عملية الفصل الجنسي الحميري، استغرقت مدة طويلة، ولم تكن بذات سهولة الفصل الجنسي البشري. تم خلالها إقصاء كل إناث الحمير وإرسالها إلى البراري البعيدة. وربط الذكور في الزرائب. ولمعالجة أمر العائدات منهن، عملوا ما يشبه حراسات أيام الحصاد. كانت مجاميع من شبابهم وصبيانهم يحيطون بالقرى على مسافات بعيدة، يتولون إبعاد كل من يأتي بها الحنين إلى القرية. تعاملوا منذ البداية بقسوة وحسم وبلا تفرقة بين أتان غني أو أتان فقير. غير أن ثمة أتان عنيدات غير قادرات على هجران الذكور. لقد تعاملوا مع عنادهن بغلظة وحسم، كانوا يضربونهن بعصي غليظة وأسلاك معدنية تدمي ظهورهن. حتى أن أعداداً منهن، دفعن حياتهنَّ ثمناً لحمرنة، كانت، ربما قد بولغ بها من جانبهن. ما كان عليهن التحمرن على تلك الشاكلة مع بشر قرروا تنفيذ شرائعهم بحزم منقطع النظير هذه المرة.
على أية حال، احتاجت الأتن إلى وقت طويل، حتى اعتدن أخيراً على البيئة الجديدة الخالية من متطلبات ونزق البشر، لكنها الخالية كذلك من الحمير الذكور. صحيح أن غريزة الحيوان تميل إلى الطبيعة والبراري، إنما طول التدجين والعمل مع البشر، كاد أن يستحدث لنا عادات سلوكية جديدة، سداها الاعتماد على ما يجود به البشر من تحصيل القوت، لا على الذات. كنا وبما تبقى من ذاكرة الطبيعة في أجسادنا، نحسد الإناث على ما فعله البشر بهن. ونمني النفس متى يفعلونها معنا كذلك. لكنهم لم يفعلوها أبداً، لقد ادخرونا لأعمالهم تلك غير القادرين عليها بدوننا.
في بدايات الفصل الجنسي الحميري، كنا جميعاً من الربطاء، كانت الحبال والأوتاد والألجمة لا تفارقنا حتى في الزرائب. لعلهم خافوا من أن نفعلها بهجرة جماعية إلى البراري البعيدة. كانوا يوفرون لنا ما تجود به زرائبهم ومزابلهم، من حبوب وقش وقشور وماء ونظل مربوطين داخل الزرائب. لعلهم أرادوا لخطتهم النجاح الكامل، إذ انفلات أحد الذكور إلى برية الإناث، سريعاً ما سيجلبهن من جديد. أو أن خطتهم نفسها كانت تستوجب بقاء الذكور متوارين عن الأعين في الزرائب، لأسباب تتعلق بالتوتر والتمدد شبه الدائم لعضو الحمار الذكري، بسبب افتقاده للأتان. كانت الحرية المسموح لنا بها، هي بطول الحبل الممتد من الوتد إلى ساق الحمار. يحصل إخراجنا في غير مواسم الحصاد لحاجات هنا وهناك  تخصهم، نتنسم في تلك المشاوير رائحة الأرض والطبيعة وما يحمله الهواء من روائح إناث بعيدات لا يمكن الوصول لهن مع اللجام والحبال والسروج.
دامت الحال حسب ذاكرة كبارنا وقتاً قد طال. حتى اكتشفوا بعد طول سنين أن ثمة كارثة ستحل بهم وبأعمالهم ومواسم حصادهم، تلك هي أن الحمار الذي يموت منا، لا يحل محله حمار آخر بسهولة. في البدء عالجوا مشكلتهم بطريقة البيع والشراء، من يموت له حمار، يسارع لشراء آخر من ذات القرية أو من قرية أخرى، مقتطعاً شيئاً من عائد محصوله السنوي، لكن كثرة أعداد الموتى من بين الحمير التي حدثت في سنة من السنين ولأسباب ما زالت مجهولة لنا، رفعت أثماننا فوق قدرة جيوب الأكثرية على الدفع. غدا سعر الحمار الواحد يفوق سعر الحصان، بل يكاد أن يساوي عائد المحصول السنوي من زراعة الحبوب لفقرائهم. حتى صار من يملك أكثر من غيره من الحمير، يصعد درجة أو اثنتين في سلم درجاتهم البشرية، تلك التي لا ندري ماذا يفعلون بها وهم غير قادرين على حل مشكلة بهذه البساطة. كنا حينها سعداء منتشين نسخر في عبنا، على انفعالاتهم التي ينزلونها على رؤوس بعضهم وحيرتهم وانشداه خططهم الإصلاحية العاجزة عن حل مثل تلك المشكلة. رغم ذلك وربما بسببه، صاروا يعاملوننا بأفضل مما يعامل الواحد منهم أبنه أو أخاه. عرفنا السبب ببديهتنا الحميرية، أنهم بحاجة لنا، كانوا يتوسلون الواحد منا حين يمرض أن لا يموت ويخذلهم والموسم على الأبواب.