loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

من سلسلة احاديث تصف رحلتي الى العراق زقاق العوادين

breakLine

 

 

 

 

حسان الحديثي - كاتب عراقي

شارع الرشيد هو الشارع الاكثر شخوصاً وحضوراً في ذاكرتي البغدادية ربما لكثرة ما مشينا فيه ومارسنا حالة الضياع الطفولي والتسكع البريء على ارصفته الباردة، كنت أجد شيئاً من السعادة الممزوجة بنوع من اللذة فيه، لم أجدها في غيره من الشوارع وقد رأيت وتعرفت على أشهر شوارع العالم كانت متاجره المضيئة على جانبيه الانيقين توحي باللياقة وكان ما يعرض فيها يشي بالترف والأناقة

تذكرت للتو حالة غريبة، اننا كنا نسير به دائماً منطلقين من الباب المعظم نزولاً الى الباب الشرقي، واقول نزولاً لاننا نماشي انحدار مجرى دجلة ولا اذكر اننا مشيناه عكس ذلك الاتجاه، لعلها اشارة مستترة على انحدارنا الدائم من "المُعظم" من الاشياء، او ربما هي دلالة سافرة على جنوحنا الى "الشرقي" من الفكر والطبع والهوى .

كنا نسير فيه ونجلس في بعض مقاهيه او نتوقف عند محلاته الساطعة كثيراً ولكننا لا ندخل في أزقته الضيقة المتفرعة منه باتجاه النهر، ربما لانها مجهولة لنا او لان في جانبيه ما يغنينا عن دخولها، كانت أول مرة أدخل في ازقته يوم اشتريت آلة العود من الأسطى علوان العوّاد، دفعت مئتي دينار ثمناً له حين كان راتب الموظف مئة دينار، وكان سعر الحقيبة ثلاثين ديناراً ولم يكن عندي ثمنها فأخذته بلا حقيبة ولا غطاء وحملته عارياً بحذر خوفاً عليه من أن يرتطم بشيء أو يصيبه أذى وسرت به بارتباك وحياء وكأن كل من حولي ينظرني شزراً بإعراض أو غضب، كان إحساسي أن احداً منهم لا يدرك أن استنطاق الخشب ممارسة لحالة من السحر السامي ومن يتعلم شيئاً من النغم يفهم شيئاً من لغة الوجود كنت احمله واسير به متلفتاً قلقاً كأمٍ تفرُّ بوليدها من الخطر لاجل ذلك حين انكسر عودُ د. حسين الحديثي رثاه فقال:

عَـدَتْ عليك العوادي يا أخـا النغمِ
                       يا نافث السحر الحاناً بغير فمِ

لا تسألوني، سلوا الثكلى بما شعرتْ
               لما حوى القبر مَن أحوته في الرحمِ

كان صباحاً مشمساً دافئاً تخللته نسائم لاذعة قادمة من دجلة فنحن في الاسبوع الاول من شهر فبراير/شباط البارد.

حين وصلتُ الحي كان علي ان أمشي خلال سوق الهرج وهو سوق شعبي قديم تشتهر دكاكينه الصغيرة ببيع الانتيكات القديمة والشارات والمسابح النادرة ليوصلني بزقاق العوادين الاكثر تركاً بين كل ما حوله من أمكنة، وحين تمعنت بما به من بيوت قديمة ودكاكين مهجورة احسست أن في هذا الصمت كلامٌ مستتر، وفي هذه الجمادات ألسنٌ تحتاج مَن يستفزها لتقول ويستنطقُها لتتكلم، فالعُجْمَةُ ليست في الجمادات الثابتة ولا في الأشياء الساكنة وإنما فينا نحن حين لا نستطيع استنطاقَها، فلو حيّيناها لحيَّتْ ولو كلمناها لردّتْ، لاجل ذلك احسست ان بعض البيبان العتيقة وبقايا أخشاب الشناشيل اليابسة المتهدلة من اعلى الحيطان -وان كساها التَرْكُ بغبار القِدم وأحرقها جبروت شمس بغداد- هي كالأعواد تحتاج من يحركها ليُطلق لسانَها ويُجري بيانَها، فلو حاكيناها لحَكتْ ولو لمسناها لتأوهتْ وأنَّتْ ولَعَلِمنا مَن مِنّا المصاب بالصمم، فالأنين للمظلوم بيانٌ وفصاحة، والتأوه للمكلوم توجّعٌ وشكوى.

كان الاحساس بالزمن مثيراً،  فلقد مررتُ من هنا آخر مرة قبل ثلاثة عقود ونصف، يا الهي انه زمن طويل مر كغيمة في يوم عاصف.

علمت للتو من بعض اهل الحي ان الأسطى علوان العوّاد قد مات، ومات ابنه صالح أيضاً ولم يبق من أثرهما الا دكان متروك متهاوي الجنبات متصدع السقف، وعلى مسافة منه دكان صغير ثان كان يعود للأسطى نجم عبّود العوّاد ما يزال مفتوحاً وورشته ما زالت قائمة، أما محمد فاضل الاسم الاشهر في عالم صناعة العود العراقي فكانت ورشته في حي راغبة خاتون التابعة لمدينة الاعظمية وهي بعيدة نسبياً من زقاق العوّادين، وكان عود محمد فاضل غالياً وخفيفاً كان وزنه اقل من كيلوغرام واحد وما يزال اولاده يحملون الارث ويصنعون الاعواد.

أحسست ان الأسى يلفني من كل جانب، حزناً على بغداد وألماً على شارع الرشيد وازقته واحيائه، كنت كمن يسمعُ نداء الأمكنة تستصرخ الناس لما حل بها من الترك والاهمال، فالمدن امهاتٌ ومن يقصّر في برِّ أمه لن يستطيع ان يقوم على شأنٍ  ولا يصلح ان يُولى على أمر.

كنت اعيش حالة من النكد والهم وقد خيما على كل شي حولي حتى سمعت صوت عودٍ آتٍ من ورشة وحيدة لصناعة الاعواد القديمة وحين أصختُ اليه هدّأ روعي وخفف عني حزني وأحسست بشيء من المؤانسة والألفة فلم البث ان دخلت اليه واسترحت بقربه فاخرجني مما انا فيه من نكد وهم.

قال لي سالم عبدالكريم -استاذ العود- يوماً: حين تدهورت سيارتي مرةً على الطريق ثم انقلبتْ عدة قلبات غبتُ عن الوعي قليلاً ثم حين عدت الى رشدي كان المسعفون حولي منشغلون بي يتحسسون رأسي ويعصبون جروحي وانا منشغل بتحريك اصابعي، اتحسسها واتلمسها وأطمئن عليها انها سليمة، كان الكل يفكر بسلامتي وكنت أنا افكر بالعود.

وكان الفنان خالد محمد علي حين يحتضن العود ويشرع بالعزف يصمت كل شي حوله ويسكت كل شيء فيه الا صوت شهيقهِ كان يعلو بشكل ملفت للنظر وكأن جسده يحتاج للاوكسجين أكثر وهو يعزف فالعود رئة ثالثة للعازف وقد بدأ العود للتو يشاركه انفاسه، فهما يتصلان بروح واحدة، كنت حين انظر اليه وهو يعزف يقول لي: حُسْنُ الاستماع بالنظر الى المتكلم، فلا تنظر اليَّ وانظر الى ريشتي فهي التي تتكلم.

انتهت زيارتي لزقاق العوادين ولكني خرجت منه مشدوداً كالوتر حدباً كالعود حزيناً كالصَبا، فلقد تركت مكاناً يحكي جزءاً فاعلاً من قصة بغداد الطويلة، لم اكن اقوى على الالتفات ورائي او القاء نظرة للوداع الأخيرة  ففيّ من الخوف ما يكفيني ومن الحزن ما يمنعني، ابتعدت عنه وفي قلبي جروح غائرة على تراث لم نحافظ عليه وعلى ميراث لم نحسن مداراته وعلى أمكنة لن تصمد طويلا امام فك الزمن الآكل.

ستتآكل هذه الجدران بعد حين وستهوي تلك السقوف وتصبح خبراً من الاخبار وشيئاً من النسيان وسنقف أمام محكمة التاريخ بلا شاهد ولا وثيقة الا من ذكرى في خاطر احدنا ستموت معه وينتهي الامر.....