loader
MaskImg

السرد

يعنى بالسرد القصصي والروائي

نفق مظلم

breakLine

 

 

ميثم سلمان / كاتب عراقي

 

في طريقي اليومي إلى الجامعة يتحتم عليّ المرور في درب طويل يقع ما بين السور الخلفي المحصن لمركز شرطة الحي والجدار الجانبي العالي الفخم للمسجد. طريق ترابي تتناثر فيه هنا وهناك بقايا أحجار بناء (طابوق) متثلمه يستعين بها المارة للوصول إلى الضفة الأخرى خلال أيام الشتاء الماطرة. ممر ضيق، يتحول في المساء إلى نفق مظلم مخيف، يؤدي إلى الشارع الرئيس في الحي.
صباح اليوم وأنا أمر من ذاك النفق سمعت نباحاً لكلب ضخم يختلط مع ضحكات عالية لصبي في نحو الثالثة عشر من عمره كان يفترش الأرض ومتكئاً على جدار المسجد. في الطرف الآخر من النفق شاهدت سيدة بعباءة سوداء تفر مرعوبة من الكلب. وأنا أتقدم بوجل اكتشفت سبب ضحك هذا الصبي الشقي، إذ كان يدفع بكلبه المسعور لأن يرعب المارة بنباحه كي يسخر منهم. 
جاهدت للحفاظ على اتزاني في المشي متظاهراً عدم الاكتراث للكلب المتأهب للانقضاض عليًّ. كنت بالكاد أدفع ساقيّ للمضي قدماً بشكل طبيعي فمنسوب الخوف أخذ يسري في عظامي كما لو أنني أغطس تدريجياً في مياه مثلجة. طبطب الصبي على ظهر الكلب وتمتم بكلمات لم أتمكن من سماعها. فتقدم الكلب للتو كما لو أنه ينوي القفز وأخذ ينبح. تأكدت حينها من أنه سيفعل بي ذات المقلب الذي فعله بالسيدة المسكينة. تراجعت إلى الوراء قليلاً فتصاعد نباح الكلب وهو يتقدم باتجاهي. فما كان مني حينها إلا تناول حجراً من الأرض، رفعته عالياً وأنا أقترب ببطء من الصبي. عندما تزايدت وتيرة النباح الذي يشل صرخت بغضب مشخصاً نظري في عيني الصبي:  
- إذا اقترب الكلب مني راح تجي هاي الطابوكَة براسك يا ابن الكلب.
يبدو أن الصبي أيقن جدية نيتي ضربه إن لم يخرس كلبه حيث كف الكلب عن النباح للتو. شعرت بشيء من الأمان وواصلت الخطى مسرعاً لأصل إلى نهاية النفق. ثم صعدت بعجلة إلى أول حافلة توقفت لي غير مصدق أنني نجوت من هكذا مقلب حقير. رميت جسدي على أقرب مقعد. بعد وهلة لاحظت ركاب الحافلة وهم ينظرون إليَّ باستغراب لم أفهمه في البداية. لكن سرعان ما أدركت السبب، فهم يرون شاباً متأنقاً بقميص أبيض وبنطال رصاصي، بلحية وشاربٍ مشذبة جيداً وشعر مسحوب بعناية للوراء، ويضع ثلاثة كتب جامعية في حضنه لكن الملفت هو وجود نصف حجرة بناء متسخة يعلق فيها طين متيبس تتعرش على الكتب.